حوارات

حوار مع الشاعر عبد الوهاب قرينقو

 حوار مع الشاعر عبد الوهاب قرينقو

 

حاوره: علي الربيعي

 الشاعر: عبدالوهاب قرينقو

– لماذا ” مزيدا من الغزل “؟

– كما تعرف أنه ثمة من يعنون ديوانه أو مجموعته القصصية باختيار عنوان أحد قصائد الديوان أو المجموعة، آخر يعنون الكتاب كدلالة على الجو العام للنصوص، وثالث يختار كلمة أو عبارة من قصيدة ليمهر بها الديوان، واختياري أنا لم يخرج من هذه الخيارات وتحديداً الخيار الأول، علاوةً على أن اختياري تماهى مع الحالة الثانية وهي المناخ العام للمجموعة حين وجدت أن قصائد مجموعتي ” مزيداً من الغزل ” تشترك في سمة مشتركة هي الحب ومشاعر الشغف والانجذاب، ويكاد يربطها خيط رفيع أحياناً وساطع في أغلب الأحايين، وتراه في مغازلتي لهذا الحب في حالاته الإنسانية المتباينة، الجسد، الروح، الذات، الإنسان، الناس، الوطن، الأطفال، الأماكن، وحتى الحب الخفي الذي لا يُدرك، وذاك الذي يأخذنا إلى ماوراء المتخيل، إلى ماوراء المحسوس، وإذا ما قرأت مجموعتي بشكلٍ متأنٍ وراصد، ستلاحظ أنني كتبت القصائد في الفترة من 1988 إلى 2003 أما قصيدة ” مزيداً من الغزل “، التي ارتأيتُ أن تكون عنواناً للمجموعة فقد كتبتها سنة 2001،

– أصدرتَ مجموعتين شعريتين كتبتا في نطاق زمني واحد، البعض يعتبرها مراوحة، على اعتبار أهمية التوالي الزمني للإصدارات الذي يدفع بالمنتج الشعري بإتجاه تطوير الأدوات؟ ما مدى صحة ذلك خاصة وأن النقد يعتبر مسألة الزمن مسألة حيوية؟!

– إن مجموعتي الأولى ” ألسنة الليل ” صدرت سنة 2004 والقصائد التي تضمها كتبتها على مدى 13 سنة، كذا مجموعتي الثانية “مزيداً من الغزل ” الصادرة 2006، وعن الكتابين مجتمعين ستلاحظ أن نص واحد كتبته في الثمانينات تحديداً سنة 1988، أما من نتاج التسعينات فقد اخترت 21 قصيدة، بين عامي 1992 و1999، أما الألفية الجديدة فــ 34 قصيدة بين عامي 2000 و 2004، وبذا تلاحظ كلما رجعت إلى الماضي تكون خياراتي أقل فأنا لستُ من الذين يقدسون كثيراً ما يكتبون، فليس كل ما يُكتب يُنشر في كتاب، وإزاء هذا الأمر لا اخجل أن أتساوق مع رأي الشاعر الراحل ” نزار قباني ” الذي يكره زيارة قصائده القديمة، وربما يبالغ حين يصفها بالقبور، وأنا اعتقد أن كرهنا لما كتبنا بالأمس يجعلنا دائماً نسعى إلى كتابة أكثر ابتعاداً عن اللاجمال، لتتوغل في فضاء الروعة والفن الرفيع، ثم لا يمكنك في ليبيا أن تسأل كاتباً لماذا تأخر في الإصدار فلدى الغالبية مخطوطات معتقة ترقد في أدراج مكتباتهم منذ سنوات تنتظر فرصة للظهور فكما تعرف ويعلم الجميع أن النشر هو الذي كان مراوحاً، ومؤخراً انفتحت أبواب النشر بعدما كانت محتكرة من دار واحدة وبائسة، ورغم أنني أكتب منذ مطلع الثمانينيات إلا أنني شطبتُ جل ما كتبته من نصوص شعرية من 1982 إلى سنة 1989 – الشطب هنا بمعنى أن أحتفظ بها في أدراج الذكريات الغضة ولا أنشرها إطلاقاً – وما تبقى من نصوص الثمانينات – وصالح للنشر – محدود، وسأنثره بين طيات مجموعاتي القادمة حسب التوافق، كما حدث مع نص الليل التالي الذي ضممته إلى مختارات مجموعتي الثانية، ثم أنك تتحدث عن مواكبة المنجز وتطوير الأدوات والنقد، وكأن لم تكن هناك فجوة في النشر والإصدار، وكأن النقاد متربصين على أبواب المناشر يلتقفون جديد الإصدارات الأدبية والثقافية ليشتغلون عليها!، أخشى أنك كُنتَ تتحدث عن الدنمارك أو السويد، أو حتى تركيا!، على أن أي كاتب أو شاعر يكتب لكي يُكتب عنه، هو غير حقيقي وهو في نظري جمَّاع أراء وعاشق مديح ونرجسيته مَرَضَية، وليس مبدعاً صادِقاً، ومن رأيي أن يواصل أدباء اليوم انشغالهم واشتغالهم على نصوصهم وتنويع مصادر تراكمهم وقراءاتهم ويبتعدوا عن أوهام النقد وغيابه وحضوره، لأن لاشيء يدمر المبدع سوى انشغاله في اللهاث وراء الأضواء وحب الظهور عن تطوير كتاباته، وعندما أقول أدباء اليوم أقصد الكتَّاب الفاعلين المنتجين من جميع الأجيال، وهنا أحب أن أورد أمثلة : فمن أجيال سابقة في الرواية والقصة مثلاً نجد الكاتبين المعروفين الكوني والفقيه فمن بداياتهما الفعلية في الكتابة أُتيحت لهما فرصاً لنشر كتبهما، أما في الشعر فنجد الحرمان أكثر حتى في زمن شعراء ليبيا المعاصرين للروائيين للكوني وإبراهيم، وقد تراكمت المخطوطات في الأدراج دون بصيص فرصة لترى أعمالهم النور،، أما في ظل عودة النشر وتعافيه النسبي اليوم فثمة ما يُبشر بالخير فانظر إلى أحدث تجربة قصصية فاعلة في ليبيا وهي تجربة القاص “حسن أبو سيف” من درنه، فقد صدر له عبر مجلس الثقافة كتابه الأول في عمر مبكر وفي الوقت المناسب بالنسبة لقصصه المكتوبة حديثاً، فلو استمر الحال هكذا مع “حسن” فسيكون تطوره طبيعياً وسيواكب النقد (إن وُجِد) تجربته الفتية والمرموقة في آن، فنكسب كاتباً وتجربة ينضجان كما ينبغي لهما في بيئة صحية مثالية، بيئة حاضِنة لا طارِدة، وحينها سنتحدث عن مُتلقي وانتشار وتطور أدوات ومواكبة نقدية.

– لم تكن بداياتك مع الشعر من بوابة الشعر العمودي أو التقليدي، كيف يمكنك تفسير ذلك؟ وما هي مواقفك من التجارب التقليدية الراهنة لشعراء جيلك؟

– مثلما أسئلتك تبحث عن جرأة أو استفزاز ما، عليَّ تحمله كما طلبتَ مني في حديث جانبي فعليك أنت أن تتحمل جرأتي التي يحركها صدقي ونزعتي إلى قول الحقيقية وحبي الدائم لوضع النقاط على الحروف عندما يجب، ” شوف ياعلي ” ثمة ثلاثة أحكام مطلقة غافلة في سؤالك، أولاً ماذا تعرف عن بدايتي.. ثانياً من هُم شعراء جيلي في نظرك؟!.. ثالِثاً هل على الشاعر أن يبدأ بالشعر الكلاسيكي، وإذا لم يفعل؟ ما الضير في ذلك؟!، ولأنك أنت المُحاوِر وأنا المُحاوَر، فأنا المعني بالإجابة وأنت من يثير الأسئلة، فكيف حكمت أن بداياتي لم تكن مع الشعر المقفى الموزون؟ فهل أنت مطلع على كل النصوص التي نُشِرت أو بُثت لي قديماً أو حديثاً؟ من أخبرك بأنني لم أكتب شعراً عمودياً؟،… بلى كانت بدايتي كذلك من سنة 1980 إلى سنة 1982 لكنها على صحة عروضها وجودة نظمها لم تكن مضامينها سوى موضوعات بريئة لشابٍ على مقاعد الدراسة، ونشرتها في مطبوعات محلية داخل مدينة هون وأرسلت بعض منها إلى الإذاعة المسموعة بالجزائر، وليبيا، ومنذ ذلك الوقت لم انقطع تماماً عن كتابة الشعر العربي الأصيل فأعود إليه حين أجد رغبة ذاتية، وكنوع من الممارسة الذهنية لا أكثر وان تصادف وكانت قصيدة جيدة لا أخجل من اطلاع الأصدقاء عليها، أذكر أنني (ألَّفتُ) قصيدة تقليدية في الغزل، نهاية الثمانينات، ومؤخراً سلمتها إلى أحد أصدقائي الفنانين، سينجز تلحينها قريباً، أما ماتسميه بكتابة جيلي للشعر العمودي فأنا لا أعرف أحداً من الجيل الذي أرى أنني أنتمي إليه يكتب الشعر القديم فجميعهم يكتبون الشعر الحديث، على أن هذا التقسيم الذي يُكرس لمسألة المُجايلة حسب العقد الزمني هو تقسيم مغلوط وغير دقيق، والحديث هنا يطول ويطول، وأرى أن هذه التقسيمات تهم النقاد والبحاث والدارسين والذي حدث أن مجموعة من الشعراء الجدد أطلقوا على أنفسهم جيل (كذا) ومع احترامي لأثنين أو ثلاثة منهم إلا أنه كان عليهم أن يهتموا بقصائدهم ولا يتورطون في الاقتراب من ألغام النقد إلا إذا كانوا مشاريع أدباء فاشلين أو أنهم شعروا بدنو أجلهم الإبداعي!، ومنذ أن أطلقوا تلك التسمية على أنفسهم صاروا يُدخلون معهم كل من وصل بعدهم فلاحظ إن كل الذين بدأوا النشر بل والكتابة أيضاً في العقد الذي أعقبهم انضموا إليهم!، هذا يذكرني بالانتماءات القبلية المُتخلِفة في الزمن الغابر فيقال أن فلان ” منسب على عشيرة كذا “، ويبدو أن هذه التسمية لذاك الجيل ستستمر في الاستيعاب إلى ما لانهاية! …. تصور أن بعض المدعين انعرفوا بل واشتهروا بأنهم من هذا الجيل المتضخم، دون أن نقرأ لهم شيئاً، وحتى بعد أن نشروا لم نلحظ أي بوادر تجربة حقيقية، ولا حتى بصيص شعر أو شعرية، ما هي الا قوالب جاهزة وضعوا فيها بعض الكلمات التي اصطادوها من هنا أو هناك بشكلٍ ببغاوي، والأفضل الآن أن يتوقفوا فـــ ” يُريّحوا ويستريحوا! ” أو فليتحولوا إلى الصحافة الثقافية، أو الوظائف في المؤسسات الثقافية (هذا إذا قبِلت بهم!) ………. هل قلت شيئاً مهماً؟؟!

– يتردد بأن كتابة النص العمودي في الراهن الثقافي، هي فكرة نكوصية وثنية تطل من عباءات عبَدة التاريخ، إلى أي مدى يمكنك التطابق مع هذا القول؟ وكيف تتعاطى كمثقف مع إرث الشعر العربي كون أدواته النقدية شكّلت عامل ضغط كبيرعلى تجاربكم كحداثيين؟ ما هي علاقتك بالتاريخ؟

– يعجبني الشاعر الصديق ” عاشور الطويبي ” حين يقول ” سيسع المكان كل شيء “، ففي التنوع إثراء للواقع والخيال على حد سواء، فلا يمكننا تصور طقس واحد من الشعر مثلما لايمكننا تصور نمط واحد من التعبير الفني عموماً، …. تخيل أن العالم ظل متوقِفاً عند المسرح ولم تظهر السينما وتنتشر وتتطور أو الفن التمثيلي عبر التلفاز، تصور أن الرسم ظل عند النمط التصويري الكلاسيكي، أنا شخصياً أرى الشعر العربي القديم ضرب من ضروب المعرِفة والثقافة التأسيسية للمُنتِج الأدبي، علاوةً على أنَّهُ أداة من الأدوات ولستُ مع الذينَ يسمونه نكوصيا أو وثنياً … ما هذه المبالغات، الشعر المقفى الموزون أو شعر التفعيلة (الحُر) أو الشعر الحداثوي الذي يسمى تجاوزاً قصيدة نثر، كل هذه تسميات لأجناس مختلفة من الشعر فالشعر والشعرية لا تكمنان في اختيار القالب، أو الشكل أو الجنس، لاسيما ونحنُ نعيش عصر انخِلاط الأجناس الأدبية، ونستشعر قُرب انصهارها في شكل واحد، فثمة قصائد منظومة كما حدد الفراهيدي تماماً ولكنها تخلو من الشعرية فنجدها مجرد أبيات منظومة موزونة لا شعر فيها، وكم من قصائد تدعي الحداثوية وتخلو من الشعر والشعرية، ثمة نظم وتأليف وصناعة فجة نجدها في الشعر الحديث أيضاً، أنا لا أحبذ هذه المعارك الجوفاء عن ماهية الشعر ولست مع تشكيك العموديين في الشعر الحديث حتى وصلت الدرجة إلى تخوينهم ووصفهم بالعمالة!! ولدينا أمثلة من ماضي المشهد العربي عندما أتهم حماة التقليد في بيروت ودمشق جماعة مجلة شعر واتهموهم بالعمالة للغرب وتقاضي أموال من المخابرات الأمريكية! _ ” تصوَّر! ” _، وعلى صعيد المشهد الليبي لازلنا نشهد الكتابات والمشافهات المحاربة للشعر الحداثي، لعل آخرها ما صرَّحَ به أمين الثقافة الليبي السابق ” المهدي أمبيرش ” الذي ذهب بعيداً في هجومه المتجني على كل ما هو حديث في الشعر، كذلك فإنني على اتجاه آخر لا أقول بما يذهب إليه بعض شعراء الحداثة وبعض غُلاة المنظرين لها إلى القطيعة النهائية مع الموروث وقتل التاريخ!، فشعر الأمس يظل مناهل معرفة وتذوق جمالي ومصدر من مصادر التراكم اللغوي والفني، شخصياً لن أكتب غير الشعر الحديث، ولا أعتبر نفسي كتبتُ شيئاً مهماً في الشعر القديم، عمودياً كانَ أَمْ تفعيلياً، لكن لا أنفر ممن أختار الشعر القديم مساحةً لحراكهِ الإبداعي، على أن يكون هذا التقليدي شعراً وليس مجرد نظم ” مخدوم ” بحرفنة شكلانية وحسب، فمن المُضحِك المُبكي، بل والمخجل أن تقوم قناة ” المستقلة ” الفضائية برصد أكبر جائزة في تاريخ الشعر العربي وتسميها ” شاعر العرب “، وتستثني في شروط قبولها قصيدة النثر، إن في هذا إلغاء انتقامي لنهج أمثل من الشعر بدأ يفرض نفسه على الساحة، إقصاء يمكنك هذه المرة أن تسميه بالنكوص وعبادة التاريخ، على أن من قيم الحداثة الشِعرية عدم معاملة الشِّعر كورقة يانصيب، أو كمسابقات أوائل الطلبة فلا نُحبِذ التسابق في الشعر وننبذ الجوائز والهدايا مقابل الكتابة، ولكن ما يزعج في أمر المستقلة هذه هو تهميش وإلغاء المختلف، المتنوع، المتفرد، المتطور والراقي والإصرار العجيب من قبل هذه المؤسسات القروسطية أو الوثنية على مواصلة نومها في الكهف المعتم!، وربما من نافلة القول أن الشعر العربي لا يخص العرب وحدهم بل كل من تكلم باللغة العربية وجعلها أداته في التعبير، وما إطلاقهم لقب ” شاعر العرب ” الا تعبير على استئناف غيهم في الانغلاق العنصري الذي أكل عليه الدهر وشرب.

– يتردد بأنكم كشعراء حداثيين ” تقتلون اللغة ” كونها فُرّغت من ” المعنى ” على حد قول خصومكم النمطيين؟ كيف ترد؟

– من نحن؟ ومن هم النمطيون؟ صدقني أنا لا أتحرك ضمن جوقة تحت أي مُسمى، لا أعيش في قطيع!، لا أحب أن أحيا ضمن جوقة أو قطيع، ولا أشعر بأن ثمة نمطيين وخصوم، وكما قلت لك في جوابي الذي مضى أنني أحرص أن أكون دائماً بمنأى عن هذه المعارك الجوفاء غير المُجدية، الخاسرة سلفاً والتي لا توصل إلا إلى الإفلاس، إلى الجفاف، ثم علينا أن نتفق على تحديد مفهوم مشترك لمفردة ” المعنى ” التي لاحظتُ أنك تستخدمها كثيرا!، أو لعلك تكثف الاشتغال عليها، هذا يهمك أكثر كمحاور ينتهج الخط النقدي، إنما على صعيد الممارسة والكتابة فحين أكتب لا أضع أمامي معنى وأحيانا حتى لا موضوع، لمعرفة مسبقة وواعية بأن المعنى حتى وأن تعمدنا محاصرة خطوطه وعدم إفلات زمامه فإنه لن يكون محدد،أحياناً ينولدُ المعنى وأنت تكتب، أحياناً تدركه بعد الانتهاء، أحياناً لن تصل أنت نفسك إلى معنى إلا بعد زمن، وأحياناً لن تصل إلى الأبد!!، إنها حالات متغيرة، مختلفة، متنوعة، متباينة ومتجددة وليست وضعية أحادية جامدة أو مُحنطَّة، لا توجد أو من المفترض ألا توجد ” ماكينات قولبة ” لكتابة الشعر بمواصفات كذا، بعنوان كذا، بمقاييس كذا، المتن كذا ويجب أن يكون المعنى كذا!، الشعر يا صديقي وليد الهطول، الدفق، المطر، الوحي إن شئت، وأنا اكتب لايهمني قدر ” نملة “! من سيقرأ ليفهم،… ربما بعد انجاز النص ومن ثم نشره يتم الدخول في المعنى واللا معنى، سأعطيك مثالاً، من سنوات كتبتُ نصاً ذاتياً فيه من وجعي ومشاغلي الخاصة جداً، وان كنت قد ماهيتُ فيه بين همومي وأحزان الناس وآلام المكان إلا أن المعنى تكثف حول فكرة أن لاشيء سوى الرماد، وفي بداية دخول النيت أو تعلمي للنشر عبره كان ذاك القصيد من أوائل النصوص التي نشرتها عبر الشبكة في أحد المواقع التي اهتمت مبكراً بالأدب، بعد يومين وجدتُ رداً من فلسطين المحتلة، مواطن من رام الله، لا يكتب الشعر لكنه يحب القراءة ولكم دهشت لفهمه الخاص المختلف والجميل لتلك القصيدة ومما أذكره أنه قال ” انك تقول ما نعانيه نحن ونعيشه، كما أشعر أنني أعرفك منذ أكثر من عشرين عاماً وأنك جلست معنا في مقاعد الدراسة وتسكعت معنا في شوارع وأزقة ” رام الله “، ومن هنا تجد كيف أن المعنى يتساوق ويتبدل ويتباين وله أكثر من وجه ويفتح على فضاءاتٍ متعددة تنسربُ بنا إلى تأويلات مختلفة ومغايرة …… باختصار لستُ مع قتل اللغة! وأحرص أن أساهم في الرقي بلغتنا الجميلة والأكثر ثراءً في كل لغات العالم، اللغة العربية أداتي، أكتب بها، أغضب بها، أشتُمُ بها، أُحِبُ بها، أُغني بها، أُصلّي بها، وأطلبُ ما أُريدهُ من الله بها، فلا أملك إلا أن أحترمها وأسعى إلى المساهمة في حفظ جمالها، تلميع جيدها وجدائلها ومحياها العذب.!!.

وبعيداً عن هذا الغزل، أقول : لكنني مع النحت الجديد في اللغة والاشتغال على اشتقاقاتٍ جديدة لاعتقادي أن أي لُغة لا تتحرك تموت عاجلاً أَم آجِلاً، خاصةً ونحن نعيش في ظروفٍ عالمية عولمية متوحشة تُبشِرُنا أبحاثها شامتةً بقرب موت عدة لغات خلال مائة العام القادمة!،… فمن هُنا الكتابة والمنجز الفني إجمالاً يُساهِم في ديمومة اللغة وتطورها.

كيف يمكن أن نقرأ ردة فعلك حيال رفض القارئ العادي، والشبه مثقف، لتجربتك كشاعر حداثي؟

– ماذا يعني لك التلقّي؟ هل تبحث عن قارئ أم جمهور؟ حدثنا عن اشكالية التلقي لديك؟

– لا أهتم بهذه المسألة كثيراً فكما قلت لك أنها حالات بلا ثوابت ففي الكتابة عامةً قد تضع قارئاً افتراضياً وأحياناً لا تفعل فلا يكون ثمة متلقي سوى ذاتك التي ستتحول إلى قاريء منفصل، مستقل أو شبه مستقل _ حسب القدرة _ بعد انتهاء الكتابة..

وفيما يتعلق بافتراضك لرفض ما تسميه أنت بالقارئ العادي وشبه المثقف فأقول أنه ثمة مبالغة من النقاد وبعض الأدباء والمثقفين عموما لـ (عادية القارئ) / المتلقي العام، واتهامه بشبه المثقف، وأرى أنه تم قطع خيط تواصل بين المنتج للنص والمتلقي العام فغابت تقاليد القراءة باختفاء المكتبات من المدارس وتجميد المكتبات العامة في المدن والقرى في ثلاجة الترك والمراوحة والتهميش، وظلت المناهج الدراسية تجتر أشعار كُتِبت منذ أكثر من ألف عام وأحدث ما يُدرّس عمره أكثر من سبعين عاماً أي قبل انولاد التجربة الحداثية في الشعر العربي، قنوات التلفاز والإذاعات انظر واسمع ما تبُث، ولكي لا نُتهم بالهروب إلى الحالة العربية دعنا في ليبيا لأُريكَ التكريس المبالغ فيه للأدب الشعبي الذي على أهميته في خلق هوية ما للوطن إلا أن المبالغة قد تؤخر في تحديث البلاد ثقافيا وحتى اجتماعياً مائة عام أخرى، لا يتصور من يقرأ هذا الكلام أنني أناشد الناس أن تقرأ الشعر الحديث أو يتحول الخلق من عيش الحياة إلى القراءة ومعاقرة الثقافة والتثاقف، ولكن الأمية الثقافية انتشر غمام دخانها ويكاد يغطي كل جماليات المعرفة والإنتاج الثقافي، وبالمقابل يفترض بالمثقف ألا يستهزيء بوسطه المعاش وألا يفقد الأمل من تطور ورُقي محيطه مهما طال أمد الخمود العربي وليله الطويل، بمعنى لو توفرت قنوات جيدة بين المُنتَج الثقافي – رواية، قصة، شعر، فن تشكيلي، نقد، مقالة، مسرح، موسيقي، إلى آخر الفنون ذات السمة الحداثية، أو القابلة للتطوير – فستختفي طبقة (القارئ العادي) أو شبه المثقف، وعلي الصعيد الشخصي وهنا في مدينتي، كثيراً ما قابلني أشخاص ومن الجنسين يُبدون ويُظهِرونَ إمَّا إعجاباً أو تعقيباً أو حتى انتقاداً لما أكتب في الشعر، القصة، الأغنية أو المقالة على حد سواء، والغريب أن تأتي هذه الملاحظات والتنويهات من أناس طالما اتهمهم بعض المثقفين بالجهل أو نظروا إليهم بفوقية، ألا أن بعض من نحسبهم مثقفين هم الجهلة لكنهم لا يشعرون!!، ولأعترف لك : أغتبطُ وأُسرُّ عندما يأتي القبول والاحتفاء من الذي تسميه بالقارئ العادي أكثر من عندما يصلني مُتأخراً أو حتى مبكراً من ناقد (كبير )، أو شاعر (متكابر) أو حتى متواضع وصادق!!!، مع كل هذا لا أبحث عن قاريء ولا جمهور ولكن يهمني أكثر أن تصل كلمتي، تطرح سؤالاً، تُحرِّكُ راكِداً أو ساكِناً ما، أن تكون ذات فائدة وجدوى أوتبث إمتاعاً روحانياً، أو حتى مجرد تنشيطٍ ذهني لمتلقيها، وأنا مع القول بأن الكتابة التي لا تُحقق متعة للقارئ هي إلى زوال ومجرد رسوم كروكية لحروف هزيلة.

وفي مسألة المتلقي أختتم بأنه ليس معيباً لو وضع الشاعر أو أي كاتب قارئاً افتراضياً أمامه على ألا يكون هذا القارئ جلاداً وصياً متحكماً أو جرساً مزعجاً، بل عصفوراً في يده لا مقص بل زهرة رمان أو شمعة لا يُسمع ضوئها!!، يكون صعلوكاً لا يُبالي، يكون كـ (دبيب نملة سوداء على صخرة سوداء في ليلة ظلماء!) يكون الذات منعكسة في قاريء لن ينولد … الأفضل ألا نضع قاريء!!، والزمن كفيل بانباته من رماد الصدفة أو من طين بلله هطول خصبٍ يجيء عند صباح القراءة، أو بعد زمنٍ مديد،… أذكر أنني منذُ عشر سنواتٍ أو يزيد، نشرتُ قصيدةً في مجلة ” لا ” – أيام كان لدينا مجلات!! _ بعد يوم من صدور العدد وعند مروري بأحد الشوارع في حي شعبي، صاح شاب أعرفهُ : ” منور قلت اللي في داخلنا ونبوا انقولوه! “، بعض المتطاوسين من شعراء الطلاسم، ووهم المشاريع، لن يغتبط بمديح هذا المواطن البسيط، لكنني وبصدق ومنذ ذلك الوقت شعرت أن ثمة جدوى فيما نكتبه جميعاً في هذا البلد، والطريف أن عنوان النص الذي صاح بشكره الشاب : ” ورقةٌ من كتاب اللاجدوى “!!… والأكثر غرابة أن هذا الإنسان صارَ شاعِراً بعد سنوات من الحادِثة!!.

– كيف تقرأ المفارقة التي تقول ” إن الشعر الحديث يتوجه بمسألة التلقي نحو النخبة، في حين أنهم ” أي النخبة ” لا يفهمون _ في الأغلب _ لتجارب بعضهم البعض” هل اصطدمت القصيدة بالمثقف أيضا؟ هل اختفت القصيدة ذات “المعنى “؟ كيف يمكن أن نفهم الإحالة على ” المعنى” من خلال تجربتك؟

-.. حسنٌ … سؤالك هذا يعطي إيحاءً بأن المتلقي العام بكافة مستوياته إنما يهرب من غموض وانغلاق النص الحداثي وحسب، لا : أن أسباب نوء المتلقي واصطدامه يرجع أيضاً للشكل وهذا أمر طبيعي، فبعد ما يقارب من ألف وسبعمائة سنة من الشعر التقليدي _الذي وزنهُ وأكدهُ في منتصف المسافة أبو الخليل أحمد الفراهيدي _ من الصعب أن نجد قبولاً لشعر حديث لم يطفئ شمعته السبعين بعد فقصيدة النثر العربية مثلاً أصغر سناً من شاعر يعد من أهم منتجيها ومُنظِّرِيها، اللبناني ” أنسي الحاج “، وهي لازالت تصارع من أجل وجودها وانتشارها في مجتمعات أكثر تمديناً كلبنان وسوريا ومصر فما بالك بمطارح لم تتخلص تماماً من تخلفها وصحراويتها الخشِنة المُتخشِبة!، أما عن شاعر لا يفهم شاعر فالمسألة لا أراها كما أنت سألت، بمعنى : الشاعر هو كذلك ما هو عليه، ولكنه قارئ أيضاً، والشعراء مختلفون في مستويات الكتابة والقراءة، والفهم كذلك!، فمن قال لك أن الشاعر يجب أن يفهم ما يكتبه كل الشعراء الآخرون؟!، كما أرجو ألا تخلط بين استعصاء الوصول إلى المعنى ومسألة التلقي، أنا مثلاً أتعامل مع قصيدة غيري المبهمة (لا الغامضة) مثلما أتعامل مع اللوحة التشكيلية الحديثة، ليس من الضروري أن أفهمها لو استعصت وحاولت دون جدوى، فلا املك إلا أن أتعاطاها من وجهة نظر أو من زاوية مختلفة، كأنني أعيد كتابتها بقراءتي الخاصة أو رسمها بريشة غير مرئية، أستفيد بأن أركعها لذائقتي فلا أنهزم أمامها، ريثما يأتي يوم لتتضح وان لم يحدث فعدم فهم هذه القصيدة أو اللوحة كما أراد لها صاحبها، ليست نهاية العالم!،………………………. و………………… (سيسع المكان كل شيء)!.

– حدثنا عن لحظتك الشعرية؟ كيف تقبض عليها؟ وكيف تولد معك القصيدة؟

– لستُ أدري إن كان من المناسب أن تكون إجابتي شِعراً فأقولُ في قصيدتي التي كتبتها سنة 1992، وتصدرت كتابي الأول، وعنوانها ” ولادةُ قطرة “:

( – عصفورةٌ تدقُ على شفافية الزجاج، / فيُشّرع الشعرُ نافذته على حديقة التجلِّي،

… ولكن عقارب الحديقة تدُبُّ على العشب.. / يتطاير الفراشُ فزَعاً

فتدخل واحدةٌ إلى غرفة الذاكرة / … … … … وتُقبَلُ كلاجئة.

***

– الكتابُ / يبكي اصفراراً / فيقفز إلى سطح الطاولة،/ غلافه الثقيل ينفتح إلى اليمين

فتتراشقُ صفحاتهُ الداخليةُ / ببطءٍ تُفتحُ أيضاً إلى اليمين

…. …… … هل الهواءُ يقرأ؟ / ما هذا الهراء؟!

… … اللعنة! / من فتح زجاج النافذة؟

***

– نسيمٌ غيرُ عليلٍ / يُطّرِزُ على منديلِ الليل برقاً

ليندلقَ ماءُ الكتابِ مطراً / فتبتلُ الفراشة وتُصابُ بالزكام،

… ولكن / إحدى عقارب الحديقة / تناولهُا منديلاً مبتلاً

ما كادت أن تُلامسَهُ / حتى صعقها التيار..

… … … يا إلهي!! / كيف هَطَلَ الغيثُ داخلَ غرفتي؟!.)

أنا لا أراهن على شيء وليست مهمتي أن أقود رهانات، ولا انتظر قارئاً بعينه، أنا بكل بساطة أكتب ما أحب أن أكتب وأتكلم عما يعجبني ويروقني وأسخر مما يعكر مزاج شياطيني وملائكتي، أحياناً لا أكتب عندما تكون الكتابة متوقعة أو منتظرة، ولا يهمني كثيراً الجدل العقيم عن هل مانكتبه اليوم شعر أم نثر لا أهتم بالمسميات إلا عندما أرسل النص إلى مجلة أو جريدة فحينها أُحدد : شعر – قصة – مقال …. إلخ، المؤسسة – القارئ – التاريخ؟!!!، أكره مثل هذا التهويل والتهويم، ثم من قال أن الشعر يجب أن يبقى إلى ما لانهاية، أنظر تعدد مظاهر الإنتاج الثقافي، الرواية وانتشارها والقصة ثم لا تنسى السينما التي يراها البعض رواية اليوم وقصيدته، والتلفزيون هذا الغول الأثيري الذي يأكل بلا مبالغة ثلاثة أرباع يومنا واهتمامنا وووو، هل حقاً ينبغي أن يوجه هذا السؤال لي أنا!، لست معنياً إلا بالكتابة، أما أوهام التأسيس فلها فرسانها ومُريديها المحلقين اللاهثين إلى سدرة المجد والخلود!.

– لا يطل الوجع في تجربتك قدرالإغتراب.. هذا يقودني للسؤال عن مدى أن يكون الشاعر سعيد ا؟

– هل عليَّ أن أكون مكلوماً على طول الخط لكي اكتب.. حزينا تعيساً كل ليلة لكي أُغني.. فقيراً مُعدما طيلة مراحل الحياة لكي أتكلم أو أسخر أو أحتج؟.. هل علينا أن نكون على قمة الشقاء لنكتب هل علينا أن نتحول إلى مازوخيين ننتشي التذاذنا بالوجع في الكتب وعلى صفحات جرائد المبالغة والمزايدات؟!

أما الاغتراب فأمر مختلف، فمن ذا الذي لا يُعاني اغتراباً في محيطه وبين قومه، والسبب أننا مهما ذهبنا إلى ما أبعد سنظل نكتب حداثتنا في مجتمعات تمشي في المستنقع البعض يسميها (حداثة التخلف)!، لكن لاحِظ معي : عندما يفهمك الجميع ويحبك الجميع ويتفق عليك الجميع فستكون في قمة الاحتضان الحميمي لما يسمى بالمجتمع (القطيع) لكن حينها ستعيش غربة أخرى : غربة أنك مبدع فاشل وإلا لما اتفق بشأنك كل الأوغاد والأخيار الأصدقاء والمُجامِلون الجهلة والنصف عارفين على حدٍ سواء …… مرة أخرى : هل قلت كلاماً مفيداً؟!!.

– كيف يمكنك تقييم الحراك الشعري في البلاد العربية، وفي ليبيا خصوصا؟

– ثمة حراك بل وثمة تضخم في عدد الشعراء!، ولكن هل ثمة من يقرأ؟ لا يمكن لأحد أن يجيب فنحن في أوطان لا تحترم الإحصاء، وتنظر إلى الثقافة والكتاب والشعر الحداثوي تحديداً بازدراء احترازا من أن أقول باحتقار، ومع تواجد هذا الكم الهائل من الشعراء والشواعر، كم من تجربة يا تُرى ستحتفظ بها أجندة الزمن، بالنسبة للتجربة الليبية لا يمكن أن ننتزعها عن سياقها العربي، المشرقي بشقيه التقليدي والحداثي أو المغاربي بملامحه الشمال افريقية المتوسطية وتلك الوفية الميالة إلى المشارقية، إلا أن النص الليبي الحديث سجل في أواخر السبعينات وطيلة الثمانينات ملامح متفردة وشبه مُستقِلة، جعلت المجلات والصحف العربية الالكترونية خاصة – لاحقاً _ في التسعينات تقبل على نشر النتاج الليبي لما لمست فيه من تفرد وتميز بديع، وحال القصيدة اليوم في ليبيا تسير بخطى واثقة رغم كل المدعين والأشباه الذين يشوشون نقاء المشهد لكنها مسألة وقت وتختفي هذه الفقاعات الصابونية!، أو هذا مانأمله ونتمناه

جميل ٌ ان تجيب عن لحظتك الشعرية بشعر!!!

– لا نلحظ هما سياسياً في تجربتك؟ هل تخشى تورطا ما؟ أم أن التجربة استثناء عن الآخر؟ أوأنك كالكثيرين تواجه عصياناً شعرياً لفداحة مشهد متأزم ينأى بالتعبيرية عن التناول؟ حدثنا عن ذلك؟

– أرى أن تستبدل كلمة ” تجربتك ” بكلمة مجوعتك الأولى أو الثانية، وللدقة أكثر قصيدتك هذه أو تلك، فلو تقصد المسألة النضالية وشعر القضايا الكُبرى أو شعر المقاومة والرفض للغزو الأجنبي والهيمنة الأميركية على العالم والصهيونية على العرب، فثمة نصوص معدودة لي إزاء هذه القضايا، لكن حاولت فيها أن اقترب من المناحي الإنسانية أكثر وابتعد عن العبارات الكبيرة الجوفاء، ثم ما الذي تعنيه بالسياسة؟ هل تقصد الهم العام؟ فمن وجهة نظري إن السياسة والايدولوجيا تقتلان الشعر وتجعلان من الشاعر مجرد ورقة إعلانية أو فقرة ترويجية في اللعبة، أو بوقاً للسياسي، وهو كذلك مع هذه الجهة أو تلك، فعلينا أن ننظف الشعر ولا يبقى بين خمائله وداراته وعرائِشهِ وحاناته، في سهوله وحدائقه وسماواته غير الجمال والخير والسلام، أيضاً السخرية وطرح المشاعر السلبية، ونظافة الروح وأدب الاعتراف، وأخلاق الأسف والاعتذار!، والنزعة الدائمة إلى الحرية والتحرر، أما ما تسميه بالشعر السياسي فقيدٌ كريه يمنع القصيدة من أن تحلق وترقص وتتغني وتطير، ومن يريد أن يسمع للتصريحات السياسية وتحاليل ما وراء الخبر وتحركات الدبلوماسيين ذوي الوجوه المتجهمة وان ضحكت فبرياء، أو أصداء الصراعات الإيديولوجية فليذهب إلى غير مطارح بعيداً عن الشعر، فالشعر الخالص صار ينأى عن هذه المتاهات (الزمن والتجارب أثبت أنها متاهات )، ولا أعتقد أن السياسي بحاجة إلى الثقافي اليوم، بل وينظر إليه كغلبان أو أراغوز لا يضر ولا ينفع، ربما مُسلي، بل هو مشطوب من روزنامة التنمية ومكاسبها وأدوات تطوير المجتمع غالباً، واليوم ثمة بدائل يمكن للسياسة أن تسخرها لبرامجها، مثل قنوات التدفق الإعلامي على شتى صنوفها وهياكلها.. أرجوكم دعوا الشعر للشعر، للرقي،…. فالفن للفن قادم وان كرهنا وأبينا.

– نصك غير معني بتاريخ الذاكرة الذاتي، بقدرما تعنيك جغرافيا المكان؟ ماسبب هذا الضغط المكاني على الذاكرة؟

ـ هل تعتقد أنكَ مُتيقن من ذلِك؟!، فما تسميه بتاريخ الذاكرة الذاتي ليس غائباً تماماً عن مجموعتي السابقتين خاصة مزيداً من الغزل، غير أنك ستلمسه بشكل أوضح في مجموعتي القادمة ” بعيداً عن الحديقة “، التي هي قيد النشر وانتظر صدورها قبل نهاية هذا العام، أما المكان عندي لا ينفصل عن الإنسان، لذا فحضوره بائن لكنهُ ليس بطاغٍ، وربما نزعتي إلى الاستقرار وشغفي بروح المدينة بأفراحها وأحزانها وتداخلات يومياتها جعلت المكان حاضراً، لدرجة محاولة أنسنة هذه المطارح.

– إلى أي مدى يمكن أن يكون الشاعر مرآة انتمائه؟ سواء على المستوى السياسي أو الايديولوجي أو حتى لذاته؟

– الشاعر ليس من الضروري أن يكون مرآة لأحد، حتى لذاته، فالشاعر في المطلق يُشع وإن عكس أحياناً، عموماً أنا أكره المرايا والزجاج وأحب الطين والسماء والألوان التي تنفذ لا التي تعكس!!، لا أكره القمر، أحب_ أحياناً _ نوره المُبهِر العاكس لشعاع الشمس التي لا أملك إلا أن أحبها، القمر جميل عندما يعكس شعاع سيدته الشمس، لكن الشاعر مهما كان صادقاً فهو ليس جميلاً عندما يعكس نور غيره : قوم – عشيرة – سلطة – مُثل جامدة – ذات متضخمة – سياسات نفعية – أحياناً حتى مثل عليا! ………. الخ، على أن هذه المحسوسات والمدلولات الأرضية ليست شموساً وإن دامَ ضوءُها الصناعي إلى حين!.

– كيف تتعاطى كقارئ مع التجارب ” الشعرية ” المكشوفة، الخالية من الشاعرية؟

– إن كانت في كتاب فأنني سأنتبه إلى الفراغ من القصائد الأولى، أحياناً من الصفحات الأولى لأرمي الكتاب جانباً وأهرع إلى أول كتاب مرموق حتى وان قرأتُه من قبل ليمسح ذاك الغثر عن روحي وعقلي وحلقي!، أحياناً بعض الكتب أقرأها كواجب ثقيل، بعض التجارب عودتنا ألا تكتب إلا الفراغ والجمود والكلام الغافي المسترخي فنمتنع عن اقتناء مجاميعها، وإذا جاءنا كإهداء نزين به المكتبة، لا أكثر!.

– كيف تقرأ كمثقف التجارب الشعرية القائمة برمتها، أو في أغلبها على عنصر ” التخييل ” دون التعرض إلى مبدأ تفتيت الواقعي؟ برأيك، ماهي تبعات ذلك على الفاعلية الشعرية؟

– ليسَ ثمةَ تبعات لأي مُغامرة أو نمط في الكتابة ‘ فالفعالية الشعرية التي تخاف عليها من التبعات لن تكون في مأمن وتطور ونمو إذا ظَلَّ كل الشعر الحديث مجرد رصد وتسجيل وتصوير ونحت واشتغال في اليومي والحالي، ومن جهة أخرى لن يسمو إلى مصاف التحليقات الملائكية إذا ما التصق في سماء الخيال والتخييل، أرى أن القصيدة (الجميلة) هي تلك التي تأخذنا من الواقع لتحلق في الحلم، أو تبدأ من مزاوجة الخيالي بالواقعي أو تلك التي تقرأ لنا من فنجان الشعرية بعيون التخييل بعد أن رشفتنا باليومي، أو ……………لكلٍ خطه العام وخيوطه غير المرئية، ولكل خطٍّ متلقٍ أو دارس، ولا شيء نهائي!.

– حدثنا عن هوية النص من خلال تجربتك؟

– لقد أنهكتني يا صديقي بأسئلتك النقدية الكبيرة هذه التي وصلت في وقتٍ تشوشني فيه أشغالي ومشاغلي، كما أنني لستُ من الذين يجيدون الحديث عن أنفسهم أو تجاربهم وأحب أن أكتب ما أراه شعراً ولم أرغب يوماً في التنظير له، أستفيدُ من النقاد أحياناً، وغالباً ما أقرأُ النقد كواجب أو كنوع من الرياضة الذهنية! ولا أركض خلف تعلمه والخوض في مدارسه، وتأسيساً على رأيي هذا الذي أعترف _ رغم صدقه _ أنه لا يخلو من دبلوماسية، أرى بتحويل السؤال لغيري ممن قرأوا لي كتابا أو مجموعة قصائد!.

– تختفي من تجربتك نزعة التطاول على المطلق التي نشهدها كسمة عند الكثير من الشعراء، كونها ” حسب زعمهم ” سمة اقتحامية، تحررية، من رقابة “دوغماتية” تلغي اشتراطات الإبداع.. فهل غافلتك الفكرة؟ أم أنك تقود تجربتك بوعي لهذه المسألة كنتيجة لتابوهات تقف عند حدودها؟ وكيف ترى الإبداع عموما كمصطلح طاله التخريب؟

– عندما تزور مدونتي ” الحديقة ” في النيت، ستجد أن ترويسة العنوان مُلحق بها بيت يتيم من الشعر كتبتهُ منذ سنوات وأقولُ فيه إزاء هذا الأمر :

( على البياضِ يُكَسِّرونَ التابو وفي الديارِ هُم لهُ أربابُ!! )

أنا لستُ من هؤلاء، بدليل أنني أسخر منهم!، لا أُحِبُ أن أركب أي موجة ولا أُحِبُ التطاول على الخلق فما بالك على الخالق!، والإبداع لم يؤذه التخريب كثيراً وإن طاله كما تقول، وفي هذا الصدد أرى أن نصنع حداثتنا نحن ولا نتكئ على حداثة مستوردة لا نكونُ بها إلا مجرد نسخٍ كربونيةٍ مُشوَّهة مُشوِّهة لحداثاتٍ ليست منا في شيء ولا تقولنا دائماً،.. لا يوجد ما يلغي اشتراطات الإبداع بالنسبة لي، وأرى بأنَّ الإيمان رافداً للإبداع وليس قيداً ولا ” تابو “، أنا شخصياً لا أخجل من ديانتي، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسولُ الله.

– كيف يمكن لتجربة الشاعر أن تنحو بأسرها دفعة واحدة نحو التعقيد، هل هذا خيار؟!

– لا، ونعم! بمعنى : ربما في الحالة تراكم تجربة صادقة ربما انعكاسات عزلة حقيقية ربما وهم بأنه مطارد من بطشِ قومٍ أو سُلطة، ربما ” خالف تُعرف “، ربما إفلاس، ربما ترف، المهم أنه أمر غير طبيعي احترازاً من أن أقول غير سوي …….. فثمة فرق بين التعقيد والغموض، فالغموض المبرر يسمو بالقصيدة أما الشعر المبهم المُطَلْسَم المُطَلسِم! الذي تصفهُ بـ”التعقيد” فمجرد ألغاز حروفية وذهنية لا تكادُ تقولُ شيئاً، سينتهي صاحبها عندما لا يلتفت أحدٌ إليه أو لما يكتب، حتى هو نفسه سيضجر ويتقوقع في ذاته وينتهي أما بالجنون البيولوجي أو الجنون الاختياري، أو الغياب النهائي!

– في حديث عابر لي مع أحد الشعراء قال” إني اطمح لكتابة نص لا أفهمه ” وهذا يجرني للسؤال عن جدوى المنتج الراهن ودور المعنى في تشكيل بنائه.. فإلى أين سيصل النص الحديث برأيك؟

– هذا ترف ذهني وطموح مُنتبِهٌ إليه، وهو حر أن يتمنى خاصةً وأنَّ حديثكَ معهُ كان عابِراً!، دعه يتمنى ويحقق ما يتمنى، مع تمنياتنا لهُ بالسعادة وتحقيق ما تمنى!، ثم أنه لا يمكنك وضع كل الشعر الحديث في سلة واحدة، والزمن كفيل بالغربلة، ولن يبقى في الساحة إلا ما هو مستحق للبقاء والتألق، ولماذا مطلوب من النص الحداثوي الوصول إلى مكان بعينه، هو باقٍ ومقروء… وحسب.

– هناك أصوات شعرية كبيرة ترتفع في بعض البلاد العربية لوقف ما سموه بالعبث الشعري الناتج عن قصيدة النثر لإخفاق التنظير في تحقيق اهدافه التي رُفعت مع بداية تأسيس مشروع الحداثة بفرسانها المعروفين كسعيد عقل ويوسف الخال وادونيس وغيرهم، فهل ترى بأن قصيدة النثر عجزت عن تأسيس رافد جديد للتراث الشعري العربي؟ وهل تظن بأن الآوان قد فات للرجوع عن المشروع؟ أم أنك تعتقد بحتمية وجوده وبأنه لم يكن خيارا؟

– أسمح لي أولاً أن أضيف الشاعر “أنسي الحاج” الذي أطلق أول بيان لقصيدة النثر كمقدمة لديوانه الأول ” لن ” ويعتبر أنسي أول واهم المنظرين لقصيدة النثر، التي لازالت تتطور وتنتشر رغم كل ما يبدو من مظاهر رفضها في الحياة الثقافية العربية، وما عودة بعض الشعراء للأشكال القديمة سوى يأسهم من دخول القصيدة الحديثة في نسيج الثقافة العربية المنتمية إلى بيئة طاردة ومتوجسة وحذرة من الآخر، المشكلة يا أخي أن العرب ينهلون من كل منتجات ومظاهر الحداثة الغربية في الحياة وفي الفن، وحده الشعر يُراد له أن يبقى كما كان وان قُبل تطوره فعند مرحلة التفعيلة، فتجد منشطاً ثقافياً مثل الناظم الليبي ” محمد المهدي ” عبر إذاعتنا المسموعة يتكلم كل مساء سبت عن الشعر العربي المعاصر الحديث فتعتقد أنه يقصد الشاعر العراقي الراقي ” سعدي يوسف ” أو الشاعر السوري الراحل ” محمد الماغوط ” أو حتى ” نزار قباني ” فيفاجئك بأنه سيتكلم عن شعر أحمد شوقي أو حافظ إبراهيم، أو الشابي في أحسن الظروف! ….. ولا تمتلك لحظتئِذٍ إلا أن ” تنده ” بعد أن تفكر بصوت عالي : ” صح النوم يابوحميد!! ” وتغير مؤشر راديو سيارتك على إذاعة الشرق الأوسط! علك تسمع ما يسُر، فمادامت أدوات الإيصال في يد عسيري التطور والتغيير فلن يحصل تجاوب، ونحمد الله ونشكر بيل غيتس وكل من ساهم في ولادة القرية الكونية التي ألغت احتكار قنوات التوصيل، وبفضل ثورة الاتصالات سيفرض الجمال نفسه وسينزوي أهل الكهف في عتمة نومتهم الكارثية، بعد أن تنصرف الخلق عن أوهامهم الطاردة لكل جديد.. لكل ما هو رقي وحضارة وحرية!.

– على ماذا تراهنون لتأسيس رافد حقيقي للتراث الشعري العربي لفض الجدال القائم حول الحداثة؟

على المؤسسة أم على القارئ أم على التاريخ؟

– أنا لا أراهن على شيء وليست مهمتي أن أقود رهانات، ولا انتظر قارئاً بعينه، أنا بكل بساطة أكتب ما أحب أن أكتب وأتكلم عما يعجبني ويروقني وأسخر مما يعكر مزاج شياطيني وملائكتي، أحياناً لا أكتب عندما تكون الكتابة متوقعة أو منتظرة، ولا يهمني كثيراً الجدل العقيم عن هل مانكتبه اليوم شعر أم نثر لا أهتم بالمسميات إلا عندما أرسل النص إلى مجلة أو جريدة فحينها أُحدد : شعر – قصة – مقال …. إلخ، المؤسسة – القارئ – التاريخ؟!!!، أكره مثل هذا التهويل والتهويم، ثم من قال أن الشعر يجب أن يبقى إلى ما لانهاية، أنظر تعدد مظاهر الإنتاج الثقافي، الرواية وانتشارها والقصة ثم لا تنسى السينما التي يراها البعض رواية اليوم وقصيدته، والتلفزيون هذا الغول الأثيري الذي يأكل بلا مبالغة ثلاثة أرباع يومنا واهتمامنا وووو، هل حقاً ينبغي أن يوجه هذا السؤال لي أنا!، لست معنياً إلا بالكتابة، أما أوهام التأسيس فلها فرسانها ومُريديها المحلقين اللاهثين إلى سدرة المجد والخلود!.

– لا يطل الوجع في تجربتك قدرالإغتراب.. هذا يقودني للسؤال عن مدى أن يكون الشاعر سعيد ا؟

– هل عليَّ أن أكون مكلوماً على طول الخط لكي اكتب.. حزينا تعيساً كل ليلة لكي أُغني.. فقيراً مُعدما طيلة مراحل الحياة لكي أتكلم أو أسخر أو أحتج؟.. هل علينا أن نكون على قمة الشقاء لنكتب هل علينا أن نتحول إلى مازوخيين ننتشي التذاذنا بالوجع في الكتب وعلى صفحات جرائد المبالغة والمزايدات؟!

أما الاغتراب فأمر مختلف، فمن ذا الذي لا يُعاني اغتراباً في محيطه وبين قومه، والسبب أننا مهما ذهبنا إلى ما أبعد سنظل نكتب حداثتنا في مجتمعات تمشي في المستنقع البعض يسميها (حداثة التخلف)!، لكن لاحِظ معي : عندما يفهمك الجميع ويحبك الجميع ويتفق عليك الجميع فستكون في قمة الاحتضان الحميمي لما يسمى بالمجتمع (القطيع) لكن حينها ستعيش غربة أخرى : غربة أنك مبدع فاشل وإلا لما اتفق بشأنك كل الأوغاد والأخيار الأصدقاء والمُجامِلون الجهلة والنصف عارفين على حدٍ سواء …… مرة أخرى : هل قلت كلاماً مفيداً؟!!.

– كيف يمكنك تقييم الحراك الشعري في البلاد العربية، وفي ليبيا خصوصا؟

– ثمة حراك بل وثمة تضخم في عدد الشعراء!، ولكن هل ثمة من يقرأ؟ لا يمكن لأحد أن يجيب فنحن في أوطان لا تحترم الإحصاء، وتنظر إلى الثقافة والكتاب والشعر الحداثوي تحديداً بازدراء احترازا من أن أقول باحتقار، ومع تواجد هذا الكم الهائل من الشعراء والشواعر، كم من تجربة يا تُرى ستحتفظ بها أجندة الزمن، بالنسبة للتجربة الليبية لا يمكن أن ننتزعها عن سياقها العربي، المشرقي بشقيه التقليدي والحداثي أو المغاربي بملامحه الشمال افريقية المتوسطية وتلك الوفية الميالة إلى المشارقية، إلا أن النص الليبي الحديث سجل في أواخر السبعينات وطيلة الثمانينات ملامح متفردة وشبه مُستقِلة، جعلت المجلات والصحف العربية الالكترونية خاصة – لاحقاً _ في التسعينات تقبل على نشر النتاج الليبي لما لمست فيه من تفرد وتميز بديع، وحال القصيدة اليوم في ليبيا تسير بخطى واثقة رغم كل المدعين والأشباه الذين يشوشون نقاء المشهد لكنها مسألة وقت وتختفي هذه الفقاعات الصابونية!، أو هذا ما نأمله ونتمناه.

مقالات ذات علاقة

خالد مطاوع هويتي المزدوجة أشعر معها بالألفة وبالغربة معاً

المشرف العام

عبد العزيز الزني : المونودراما لا تعني الغاء المسرح الجماعي

عبدالسلام الفقهي

الفنان رمضان كازوز.. يحكي عن ليبيا ” الهوية ” وانتشار أغنيتها

المشرف العام

اترك تعليق