حوارات

حوار مع الدكتور المولدي الأحمر مؤلف كتاب الجذور الاجتماعية للدولة الحديثة في ليبيا

حوار مع الدكتور المولدي الأحمر مؤلف كتاب

الجذور الاجتماعية للدولة الحديثة في ليبيا

 

حاوره: المختار الجدال

بالمركز الوطني للمحفوظات والدراسات التاريخية “مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية سابقاً” وفي إطار نشاط المركز الثقافي الشهري دارت حلقة نقاش فكرية حول كتاب الدكتور المولدي الأحمر، أستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية الذي يحمل عنوان: الجذور الاجتماعية للدولة الحديثة في ليبيا، الفرد والمجموعة والبناء الزعامي للظاهرة السياسية. صباح الإربعاء الموافق 5/5/ 2010 عند الساعة العاشرة صباحاً وبمشاركة مناقشين رئيسيين هم: د. مصطفى عمر التير أستاذ علم الاجتماع بجامعة الفاتح، والدكتور بشير أبوقيلة أستاذ علم الاجتماع، والدكتور عبد الله علي إبراهيم أستاذ التاريخ بجامعة قاريونس، والدكتور عز الدين العالم أستاذ التاريخ بجامعة المرقب.

الكتاب في الأصل عبارة عن أطروحة دكتوراه دولة، قدمت لكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، قسم علم الاجتماع بالجامعة التونسية، وأجيزت سنة 2008 م بأشراف الدكتور عبدالوهاب بوحديبة، وطبع ضمن سلسلة أطروحات الدكتوراه من قبل مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت وحمل رقم 78.

احتوى على 462 صفحة وقسم الكتاب إلى مقدمة وتسع فصول وخاتمة وألحق بثبت للمصادر والمراجع التي عاد إليها المؤلف تنوعت بين عربية وأجنبية كتبت بلغات مختلفة منها الفرنسية والانجليزية والايطالية.

في الفصل الأول تناول المدخل النظري لدراسته والفرضية الرئيسية والمفاهيم الأساسية، كما ناقش مشاكل البحث.

أما الفصل الثاني الذي عنونه ليبيا في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين خصصه لدراسة السكان ومواردهم وأنشطتهم في “القرصنة والغصب” والرموز الثقافية والسياسية.

الفصل الثالث عرض فيه المجموعة الزعامية البدوية المحاربة، تكلم عن المجموعة وتكويناتها ومعضلتها السيوسولجية وخص عبدالجليل سيف النصر وغومة المحمودي.

في الفصل الرابع تناول العنصر الطرقي في التاريخ الاجتماعي والسياسي المغاربي المجموعة الزعامية الدينية الطرقية وخص السنوسية وزعامتها لبرقة ومركزيتها والمجموعات البدوية.

الفصل الخامس أفرده للزعامة العسكرية البيروقراطية الحضرية، وتشكيل الدولة القرمانلية ومؤسساتها وأزمتها والحرب الأهلية بينها والمجموعات البدوية ونهاية الدولة.

أما الفصل السادس تناول فيه الإصلاحات العثمانية والبناء الزعامي للظاهرة السياسية، الفرد والمجموعة والمؤسسات الجديدة، الزعامة والسلطة البيروقراطية وبناء المجموعة السياسية الحضرية.

الفصل السابع خصصه لدراسة مرحلة الاحتلال الايطالي، مقاومة المحتل والتحالفات الطرابلسية والدفاع عن الزعامة، كما تناول تحولات الزعامة الطرقية في برقة” تحول السنوسية من مشيخة إلى إمارة “.

في الفصل الثامن ناقش احتكار إنتاج الزعامة ونهاية المجموعة المحاربة والبناء الزعامي للمجموعة السياسية الحزبية، دولة الاستقلال وفرصة تحديث النسق السياسي الزعامي.

في الفصل الأخير وهو التاسع حاول المقارنة بالحالة المغربية في شخص السلطان الشريف الإمام والملك وتشكل الدولة المغربية الحديثة.

الفرضية الرئيسية، التي حاول الكاتب مناقشتها، تقوم على فكرة مفادها أن نشأة ما يسمى “الدولة الحديثة” في ليبيا خلال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، جرت وفق ما كان يحدث من تغيّرات في الشروط الاجتماعية المادية منها والذهنية التي يرتبط بها الفاعلون الاجتماعيون ويبنون على أساسها المجموعات السياسية التي يمارسون من خلالها نشاطهم السياسي بمختلف أبعاده. وهذا يعني أنه بقدر ما تتوسع وتتغير شروط صناعة المجموعة السياسية التي هي عماد الفعل السياسي، يحدث توسع وتغير في بنية الظاهرة السياسية بحد ذاتها، وبالتالي في بلورة ما نسميه عناصر الحداثة السياسية.

يخلص الكاتب الى أن الظاهرة السياسية هي بناء زعامي، ويقصد بذلك إن تشكل المجموعات، التي هي عماد النشاط السياسي، يجري غالباً وفق مبادئ تقوم على بروز الزعيم، الذي يعمل بدوره على تمتين العلاقة بمجموعة الأتباع والأحلاف والزبائن والمغلوبين التي يقودها. في الحالة المغاربية، عموماً، والليبية، خصوصاً، تنافس على بناء الظاهرة السياسية ثلاثة أصناف من الزعامات: الزعامة البدوية المحاربة، والزعامة الدينية الطرقية في الريف، والزعامة العسكرية البيروقراطية في المدينة.

لم يمانع الدكتور المولدي أن أقوم بإجراء هذا اللقاء معه. ذهبت إليه الإربعاء ولكن ظروفه حالت دون اللقاء، ولكني كنت مصراً على أن ألتقيه. عدت إليه الخميس عند الساعة التاسعة صباحاً والوقت لم يسعفنا في الحديث كثيراً، ولكني جلست أمام عالم عربي تونسي جديد أتمنى أن ينال هذا اللقاء رضا القراء.

والدكتور المولدي الأحمر أستاذ علم الاجتماع بالجامعة التونسية. درس في تونس وفي فرنسا. قام بالتدريس بكلية الآداب جامعة الفاتح بين عامي 1993- 1996م يقول عن تجربته بالتدريس في جامعة الفاتح: “إنها تجربة رائعة خاصة مع الطلاب الذين أحببتهم وأحبوني”.

والبداية كانت بالسؤال التالي:

* ما هي الحداثة السياسية التي تقصد؟ طبعاً أريد إجابة قريبة من القارئ العادي وليس الأكاديمي.

– موضوع الحداثة السياسية موضوع معقد جداً. هناك العديد من المفاهيم والمداخل للموضوع. هناك مفهوم المؤرخين ومفهوم رجال القانون ومفهوم علماء الاجتماع ومفهوم علماء السياسة ومفهوم هذين الأخيرين متقاربين. بالنسبة للمؤرخين الأوربيين على سبيل المثال ظهرت الحداثة السياسية في أوربا مع الدولة الحديثة التي يرون أنها بدأت في التبلور تقريبا منذ القرنيين الثاني والثالث عشر ميلادي، واستمرت في التطور حتى الثورات السياسية في العصر الحديث.

المؤرخون في المغرب العربي، والتونسيون على وجه التحديد، يعتقدون إن الحداثة السياسية بدأت في تونس وليبيا والجزائر منذ مجيء العثمانيين حيث قاموا ببناء دولة ثابتة وأوقفوا صيرورة التاريخ وفق المنظور الخلدوني. لقد قلب العثمانيون المعادلة على المستوى العسكري. عندما استخدموا البارود وأدخلوا أشياء جديدة فتكونت شيئاً فشيئاً نواة بيروقراطية ارتكزت عليها الدولة.

من منظور القانونيين تتبلور الحداثة السياسية عندما تنشأ قوانين تنظم العلاقات السياسية، فيتحول الفرد بموجبها من ساكن أو رعية إلى مواطن شريك في إدارة الشؤون العامة ولديه الوسائل القانونية، أي السلمية، التي تسمح له بمراقبة الكيفية التي تدار بها هذه العملية، طبقا لمرجعيات متفق عليها، منها أسبقية مصالح المجموعة المتمثلة في الشعب على مصالح الفرد.

أما وجهة النظر السيوسولجية فهي تحاول أن تجمع بين هذه العناصر، لأنها لا ترى القانون والمجتمع والاقتصاد على أنهم يمثلون فضاءات متوازية. ومن ثم فهي لا تستطيع أن تتحدث عن الحداثة السياسية دون الإقرار بوجود علاقة جديدة بين الحاكم والمحكوم، فيها تحرر من الروابط الضيقة التي تدار عادة من خلالها العلاقات الجماعوية، المبنية على القرابة والجيرة والصحبة ومختلف الانتماءات المحلية، وفيها توجه أخلاقي وقانوني نحو إعطاء التغيرات الاجتماعية المتولدة عن الأنشطة الاقتصادية والثقافية الجديدة حضها في بناء المرجعيات السياسية. لذلك عندما تفكر بشكل حداثي فأنك تغير من مفهومك للآخر. الآخر الذي لم يعد من وجهة النظر السياسية أخاً أو جارا أو صديقا أو زبونا. بل الآخر الشريك السياسي. والتقسيم الاجتماعي للعمل في العصر الحديث غير من علاقات الإنتاج وفتح مجالاً للأفراد كي يتحرروا من علاقاتهم التقليدية على مستوى الكسب والرزق. وغير من الشروط الأولية للروابط الاجتماعية. فأصبحت لديك مساحات أوسع للحركة والنشاط، فعلى سبيل المثال لم تعد حماية النفس والأملاك وغير ذلك تجري في إطار اللحمة أو العرش أو الزاوية. وإنما في إطار الدولة المبنية على فكرة السيادة والشرعية. عندما يصبح الأفراد في حماية الدولة وليس في حماية مجموعات تعمل بمفهوم ” أنا وأخي على ابن عمي. وأنا وأبن عمي على الغريب” تتآكل المرجعيات الضيقة. يصبح هناك دولة، وهناك أفراد شركاء في إدارة الشؤون العامة وفق قوانين ووثائق من نوع الدستور، تنظم هذه العمليات وتثبت مقومات اللعبة بحيث يمكن التنبؤ بسلوك الآخرين. المواطنين الشركاء. وعند ذلك يمكنك أن تخطط للمستقبل متحررا من اللا يقين السياسي ودون خوف.

* كيف تبنى الظاهرة السياسية؟ وكيف تتشكل روابط سياسية تدير شئون الجماعة؟

– المفهوم المركزي هو المجموعة السياسية. كيف تتشكل المجموعات. في قراءتي للتاريخ الليبي انتهيت إلى استنتاج مفاده أن هناك ثلاثة نماذج من بناء المجموعة السياسية في ليبيا.

فأما أن تكون بدوية محاربة. وكمثال على ذلك. غومة المحمودي وعبدالجليل سف النصر. لقد تخطت شهرتهم الأفق وبنوا على المستوى المحلي أحلافا تجاوزت المجموعة الضيقة. تجاوزت المحاميد وأولاد سليمان. ولكن السؤال كيف تحولت هذه العائلات في الأصل إلى مجموعات منتجة للزعماء وكيف توسعت علاقاتها؟ ماهي شرعيتها؟.هذه مسألة في غاية التعقيد ولا يمكن شرحها في مثل هذا اللقاء. لكن لنقل باختصار أن المجموعة البدوية المحاربة لديها صعوبات كبيرة، بسبب تركيبتها الاجتماعية ومرجعياتها الثقافية، في بناء نظرية للدولة قائمة على أسس ثابتة.

النموذج الزعامي الثاني تمثله المجموعة العسكرية البيروقراطية الحضرية التي مثلتها تاريخيا المجموعة القرمانلية. فهذه المجموعة تشكلت من عسكريين ونواة بيروقراطية، ولكنهم سياسيا كانوا يتصرفون بشكل يشبه إلى حد كبير البدو. فهم لم يجدوا حلا سلميا لانتقال السلطة من جيل إلى جيل، ولم يكونوا قادرين اقتصادياً على اختراق النسيج الاجتماعي والوصول إلى الموارد بطرق سلمية تقوم على شرعية محددة. لقد كانت الدولة تقوم بافتكاك الأرزاق مثلما تقوم بذلك المجموعات البدوية، والوثائق التي تصف ذلك في متناول الجميع.لكن هذا لا يمكن أن يحدث وفق مفهوم المواطنة ورؤية الآخر بمنظور الحداثة السياسية الذي يقضي بأن يكون لك شركاء سياسيون وأن تكون قوانين العمل السياسي معلومة ومستقلة عن مصالح الأفراد.

النموذج الثالث هو نموذج المجموعة الزعامية الطرقية وقد جسدته تجريبيا السنوسية. ومن خصائص الزعامة الطرقية أنها تقوم على مشيخة الطريقة والبركة وهما رأس مال لا يمكن للأتباع التشكيك فيهما ولا يمكن منافسة الزعيم عليهما. ومن ثم فإن هذه الزعامة قد اخترقت النسيج الاجتماعي دون عنف وأسست للهرمية الاجتماعية والسياسية.

لكن السنوسية دخلت القرن العشرين وهي خارج مفهوم الحداثة، لذلك فإنها عندما انخرطت في مقاومة الاستعمار لم يكن لزعمائها مفهوم الوطن بمحتواه الحديث. لقد كانوا يتصرفون كسنوسيين، أي كمسلمين طرقيين رأوا أن من واجبهم الدفاع عن الأرض والعرض والدين. لكن خصائصهم السوسيولوجية ساعدتهم من خلال تعاملهم مع الأنجليز والإيطاليين على التأقلم مع السياق السياسي الجديد واكتساب بعض عناصر الحداثة، عبر عنها بوضوح إدريس السنوسي في رسالته الشهيرة إلى أحمد الشريف قبيل مغادرته البلاد.

مفهوم الوطن عند الليبيين كان ضعيفا. وهذا ليس لأن الليبيين لم يدافعوا عن بلادهم ضد الاحتلال الإيطالي، بل إنهم والجزائريين أكثر من دفع الغالي والنفيس في سبيل ذلك، ولكن لأن تاريخهم الاجتماعي واستمرار الحضور العثماني المباشر في بلادهم حتى فترة متأخرة نسبيا شوش عندهم فكرة الوطن، فدافعوا عن بلادهم بشكل مشتت مما زاد من دراما تارخهم النضالي. ولم تبدأ هذه الفكرة بالتبلور الحقيقي في الأذهان وفي السلوك وبشكل عملي إلا مع حركة التحرير في الأربعينيات.

* ألا ترى في الجمهورية الطرابلسية طرق لباب الحداثة السياسية؟

أعرف إن ظهور الجمهورية الطرابلسية كان حدثا تاريخيا مهما، وأعرف إن الليبيين الآن فخورين جداً بهذا الحدث. لكن لا يمكن أن يكون لجمهورية أربعة رؤساء متساوين في المسؤولية والصلاحيات هذا مستحيل. بل أن هناك منهم من كان لا يعرف معنى الجمهورية أساساً. باستثناء فرحات الزاوي لأنه درس الحقوق في فرنسا وربما سليمان الباروني بسبب خبرته في مجلس المبعوثان، لم يكن أحد يفهم الفكرة وخلفياتها. فبعد إعلان الجمهورية بقرابة ثلاث سنوات فقط هلك أحد أعضائها وهو رمضان السويحلي في محاولة إقصاء عضو آخر فيها هو عبد النبي بن خير لأسباب تتعلق بانخراطهما المغرق في المشاكل المحلية، بينما مفهوم الوطن يحرر السياسيون من ذلك. عبدالقادر الغناي قائد جيش الجمهورية قال إنهم لا يفهمون معنى الجمهورية. كان لا بد من وجود إرث فكري محلي أو اطلاع جيد على أفكار من هذا القبيل.

* في نهاية الحرب العالمية الثانية ظهرت مجموعات سياسية آلا ترى إنه توجه نحو الحداثة السياسية؟

– تلك المجموعات كانت وطنيه وكانت تريد تحرير البلاد وكل الجهود التي بذلت في طرابلس أو برقة كانت من أجل تحرير الوطن. ليس هناك أي شك في هذه القضية، ولكن الليبيين الذين أسسوا الأحزاب لم يتجاوزوا المبدأ الزعامي في التجربة السياسية.

والبناء الزعامي هو الذي يكون فيه الزعيم منفلتاً من أدوات المراقبة السياسية بحيث يستطيع اتخاذ المواقف دون الرجوع الفعلي للمؤسسة. وهؤلاء القادة تصرفوا كما لو إنهم نقلوا المجموعة البدوية المحاربة أو المجموعة الطرقية إلى الإطار الحزبي. لذلك صعب تكوين أحزاب لها إشهار كبير وتظم عددا كبيرا من الأتباع. كان الواحد منها ينسلخ من الآخر لأنهم لم يقبلوا بالهرمية في القيادة كما لم يقبلوا أيضا بمبدأ الديمقراطية داخل الأحزاب، وهذا عطل عمل حركة التحرير. حتى السنوسي عندما وصل إلى السلطة – وحتى قبل ذلك في برقة- أعاد تشكيل المجموعة بالمفهوم التقليدي وأوقف الأحزاب ومنع الآخرين -خاصة الذين رفضوا الاندماج في منظومته- من النشاط. لم يمنحهم أي فرصة ومنع المجتمع من إنتاج الطاقات السياسية المستقلة عن إرادته ورؤيته للأشياء.

* موضوع صراع الزعامات خلال فترة الجهاد آلم يكن مخاض لتجربة سياسية مبكرة؟

– يجب التفريق بين حركة المقاومة ضد الغزو الإيطالي وحركة المقاومة التي تبلورت بعيد الحرب العالمية الثانية. كل شيء مختلف: السياق المحلي والدولي، الأدوات، الأفق السياسي. في الفترة الأولى كان النضال دفاعا عن النفس أكثر منه بناء لوطن، أما في الفترة الثانية فقد كان الرهان هو بناء ما عبر عنه بعد ذلك القويري، المفكر المتميز، بعبارة “معنى الكيان”. وكمثال على ذلك موقف بشير السعداوي – الذي كانت تجربته تشبه إلى حد ما تجربة بعض زعماء المغرب وتونس ومصر- من مسألة القبول بإدريس السنوسي ملكا على ليبيا: من الناحية الشخصية لم يكن السعداوي يحب إدريس السنوسي وربما أنه كان يفكر في نفسه أيضا، ولكن من الناحية السياسية تصرف كسياسي حديث يمتلك مفهوم الوطن، وفكر بمبدأ أن مصلحة الوطن هي الأولى، والوطن عنده كان كل ليبيا.

* ألا تعتقد بأن العرب ينتظرون حتى يأتيهم الفكر من الخارج؟

– هناك فرق شاسع بين التعويل على الغير والاقتباس منه.نحن العرب لكي ندخل الحداثة السياسية، ونحن مجتمع خرج من التاريخ البشري لفترة طويلة من الزمن، لابد من أن نقتبس، وليس هناك أمة في التاريخ لم تقتبس بما في ذلك الأمة الإسلامية في عز قوتها. لكني لا أعرف أمة استساغت بشكل نهائي شيئا فرض عليها من الخارج، فاقتباس الفكرة إذن يتطلب توطينها بما ينهي غربتها. نحن ننتمي للإنسانية. وبودي أن يتوقف العرب عن التفكير بأنهم أناس من جنس خاص لا يشبهون أي فئة إنسانية أخرى. وحتى يكون كلامي مفهوما أورد لك هذه القصة: خلال عشاء مع بعض الأصدقاء كان معنا مثقف تركي يتكلم العربية، فذكر لنا بأن امرئ القيس مات قرب أنقره، وأن قبره موجود، وأنه يخطط ليجعل قبره مزارا يلتقي فيه العرب والأتراك لقول الشعر وأشياء أخرى، ثم قرأ على مسامعنا أروع الأبيات التي قالها امرئ القيس. وبعد ذلك علق قائلا الكسل هو الذي يجعل العرب لا يتعلمون اللغة العثمانية. مغزى كلامي هو أن الأمة التي ليس لها مشروع خاص لا تقتبس، تخاف من الاقتباس، أما الأتراك فإن قطارهم قد تحرك، وبما أنهم أصبحوا يتحركون فإن رؤيتهم للآخر بدأت تتغير، وأصبح بإمكانهم أن يلاحظوا الأشياء الثابتة، وأن ينعتوا الواقفين في نفس المكان بالكسل. والكسل كان أول شيء نعتنا به المستعمرون الأوربيون في منتصف القرن التاسع عشر !

عن موقع جيل ليبيا

مقالات ذات علاقة

عوض الشاعر ي لــ (نبض العرب): ”الكاتب المحترف نادرا ما يتحصل على استراحة“

المشرف العام

المكي المستجير لـ (السقيفة): ”أنا طفل يحبو.. لا يزال يتعلم كيف يمشي.. يحاول تحويل دهشته شعرا، وفضوله فكرا“

المشرف العام

مأمون الزايدي عن “سيرة ذاتية للأحمر”.. وسؤال الترجمة

المشرف العام

اترك تعليق