حوارات

حوار مع الأديب الدكتور د.محـمد المفـتـي

حوار مع الأديب الدكتور

محمد المفتي

حاوره: خـالد المهـير

 الكاتب: محمد محمد المفتي

* الدكتور محمد المفتي: الأرواح تسكن الشجر، والمكان في بلادنا ليبيا، مشوب بالقلق.

الوعي بالمكان أحد الأسئلة الشائكة في فهم هذا المعنى، قد تكون بقايا أطلال في قرية بعيدة تستهويك، أو مجرد ذكرى بالقرب من جدار أو حائط قديم تؤرق تفكيرك، غير أن العمق الإنساني لمعنى المكان لا ينفصل عن كون المكان الذي يستهوينا يعني الوطن بالنسبة لنا.

المكان بالنسبة للأديب الدكتور محمد المفتي هاجس يومي، يتشكل في الصور القديمة التي تزين جدران عيادته، وغرفة استقبال الضيوف ببيته، وكثيرا من أحاديثنا عن المكان والناس وبنغازي ننقلها عبر هذا الحوار.

* قلت وأنا أستعين بالصور بعد هدرزة في بنغازي، وهدرزة في السوق (دكان الشايب) لماذا كل هذا الاهتمام بالمكان؟

قال: نستطيع أن نذهب إلى ما هو أبعد، وأن ننظر إلى الظاهرة من زاوية بيولوجية.

قد لا يأخذ المكان نفس الاهتمام الذي يناله الزمن في العقل الإنساني. فوعينا  متمحور حول الزمن أكثر من المكان. ويبدو أن الإحساس بالزمن ظهر مع اكتساب الإنسان للوعي (مقارنة بالحيوان). والوعي ملكة مركبة من التذكر والتجريد والخيال ومجاورة المفاهيم والصور.

يشمل  الوعي القدرة على تذكر الماضي، ومن ثم توقع المستقبل.. ولذلك نتحدث عن مرور الزمن، وتوالي الحوادث والوقائع.. خاصة وأنه يعني أيضا تقاصر العمر. نتذكر مظاهر المحبة، ومخاطر العداوات، ونقيس على الماضي.. لكننا أيضا نتعرف على المواسم وفصول السنة.. صيف ربيع خريف شتاء، وما يرتبط بها من حرث وحصاد..الخ، وننظم حياتنا على أساس هذه الفترات الزمنية المتكررة والمتميزة.

* وهل في اعتقادك أن هذا الاهتمام هو نتيجة تأثيرات معينة؟ نفسية أو اجتماعية إلخ؟

الارتباط بالمكان أقدم من الوجهة البيولوجية.. ومرتبط بظهور الانفعالات الأولى أو الغرائز من غضب وفرح ودفاع ومعاشرة .. وبرامجها، بلغة الكمبيوتر، مختزنة كما نعلم اليوم في المنظومة الليبية، وهي من أقدم أجزاء الدماغ.. وحين نقول أقدم نقصد أنها موجودة أيضا لدى الطيور والحيوانات الثديية والراقية.

هذه الكائنات هي من ذوات الدم الحار.. وقدرتها على تحمل تذبذب درجة حرارة البيئة محدودة، خاصة لدي الوليد الصغير.. أنت لا تتحمل البرودة الشديدة ولا الحرارة الشديدة.. الزواحف كالتمساح والثعبان والسحلية حين يبرد الجو تسكن، وتدخل في بيات شتوي.. كذلك الحرارة تجعلك تفقد كمية هائلة من الماء بالعرق.

أهمية المكان إذن حيوية، يعتمد عليها بقاء الكائن، لأن المكان يوفر له الطعام والمشرب والحماية من البيئة ومن الآخرين. ولذلك نجد هذا الإدراك لدي الحيوانات.. أولا لاحتضان صغارها، وأوضح مثل على ذلك بناء الطيور لأعشاشها.. بل تدافع عن مكانها كما في حالة الوز. الحيوانات الأخرى تحدد أقاليم لها.. فالكلب أو القطة وغيرها، تحدد إقليمها بالتبول عند نقاط معينة.. تحمل فيرمونات (وهي إفرازات تخرج في البول ولها رائحة مميزة.. تقول للمارة من نفس النوع.. أن هنا يسكن فلان.. وإذا صادف أن اخترق أحدهم تلك الحدود غير المرئية تصدى له صاحب الإقليم. وأنت إذا اقتربت من مزرعة أو نجع به كلب.. لن يواجهك إلا إذا اقتربت مسافة معينة، عندها يهددك بالنباح.. وإذا تراجعت يطاردك.. إلى حدود إقليمه، ثم يتوقف، ويلوي عنقه ويطوي ذيله ويعود أدراجه. وهناك دراسات عديدة وعميقة في هذا المضمار، ضمن مشروع علم النفس التطوري. وقد ترجمت مؤخرا كتاب “العدوانية” للعالم النمساوي كونراد لورينز.

إذن المأوى أساسي.. وقد ظهر مع تطور الكائنات الراقية، وصولا إلى الإنسان.. الإنسان احتاج واخترع المسكن قبل أن يدرك معنى الزمن.. فالتجأ إلى الكهوف، وابتنى الأكواخ بين الأشجار.. ثم الخيمة في الصحراء والكوخ الجليدي في القطب المتجمد.. والبيت حين استقر للتجارة والصناعة أو .. أو.

وتدريجيا طوّر الإنسان مفهوم المكان وأسبغ عليه إضافات وقيم عقلانية.. من التغني الشعري.. إلى الصياغة القانونية كالملكية والإيجار والتوريث.

* بهذا المعنى أنت هنا تأخذنا إلى المعنى الفلسفي للمكان؟

للمكان تبديات كثيرة في ثقافة الإنسان.. مثلا  قاسه بالشبر والذراع والقدم، وبعد ذلك بالمتر والياردة. ونقسم المكان إلى غرف ومطبخ وحمام، وفق احتياجاتنا الفسيولوجية.. ونقسم الغرفة إلى دواليب ومكعبات.. وهكذا.

كما اهتم بمعالم المكان.. تلك الكدوة أو المنحدر، هذه الشجرة أو النخلة، أو ذاك البئر.. وفي الثقافات البحرية كانت معالم اليابسة أساسية للملاحة الآمنة بمحاذاة الشواطئ. نعبر الوادي أو نصعد الجبل، ونقطع النهر.

ورفع إنسان أشور ومصر الفرعونية الأرض إلى مصاف الآلهة، بل مصدر الحياة.

ونصطنع بدورنا أمكنة.. جرة، زير، صحن، كوب، فنجان، قفة، قارب عربة..الخ.

المكان يسكننا أيضا.. تجويف الفم والحلق والأمعاء والحنجرة مصدر الصوت والأذن والعين والرئتين..

لكن أغرب الأمكنة هو ما لا نستطيع الوصول إليه: السماء والكواكب والنجوم والسحب.. فاختلق الإنسان مبكرا  شتى الأساطير وأسكنها كائنات خيالية.

وأسكن الإنسان  حتى الأماكن المألوفة بكائنات خفية.. فالأرواح تسكن الشجر، الآبار، الكهوف، بل الخلاء / الهواء. هنا نصل إلى إسقاطات العقل البشري على المكان. ربما قدس شجرة أو صخرة طمعا في الحماية.

علاقة الإنسان بالمكان إذن قديمة.. بعض جوانبها بيولوجي محض.. أي قيمة المكان في تعزيز البقاء.. وبعضها صيغ تجريدية لاستثمار تعلق الإنسان بالمكان من أجل تحقيق غايات أخرى مثل تحقيق تماسك القبيلة وتعبئة أبنائها للدفاع عنها.. وبعضها الآخر وهمي تماما.

* هل تعتقد أن التطورات العلمية والإنسانية ساهمت في تعميق مفهوم المكان؟

*الثورة الصناعية أعادت صياغة المكان بشكل جذري..

ظهور المدن الصناعية حول المناجم وحيث مصانع نسج القطن، وغير ذلك. كانت مدينة الثورة الصناعية بائسة، مكتظة، قذرة وملوثة. وقد وثقت مظاهر وحياة المدينة الصناعية الأولي في الروايات الرائدة لتشارلز ديكنز وبلزاك وغيرهم. وكرس الشاعر الإنجليزي وليم بليك عطاءه لإدانة المصانع التي أشار إليها بالطواحين الشيطانية. لعل لكنها قادت إلى إصلاحات من جهة: مد شبكات المياه النقي، والصرف الصحي وظهور إدارات الصحة العامة، وأيضا مفهوم الرعاية الاجتماعية من ضمان وتعويض وإعانات. المدن الصناعية كانت مراكز جذب، وأغرت بالهجرة إليها، فظهر المجتمع الحضري الذي قلص الارتباط بالمكان وخلخل الروابط الأسرية.. فالشاب أو الشابة يغادر أسرته من أجل العمل أو الدراسة، وكان ذلك التوجه بداية تحرر الإنسان من الأسرة.. وطبعا تحرير المرأة، وما رافق كل تلك التحولات من قيم حداثية جديدة ما تزال موجودة حتى اليوم.. نسميها ثقافة أوروبية، منحلة.. الخ لكنها تواجهنا بتحديات

• الصناعة كما نعلم قادت أيضا إلى ظهور الدولة القومية، وهي دولة قائمة على حماية صناعتها وأسواقها أساسا مهما كانت التسويغات الأيدلوجية.

وقادت أيضا إلى تشويه دلالة المكان فالتوسع الاستعماري بحثا عن المواد الخام  والأسواق، قاد إلى مواجهات ودمار.. احتلال الهند ومصر، حرب الأفيون مع الصين، تجارة الرقيق الأفريقي وتوطينهم في مزارع القطن والسكر بجزر الكاريبي وجنوبي الولايات المتحدة. لكن نفس التوسع الاستعماري هو الذي فتح أبواب اليابان الإقطاعية للحداثة. لكن الاستعمار أجج أيضا روح الوطنية واكتشاف سكان المستعمرات لمفهوم الوطن. ورغم الدمار والصراعات الدامية ، جلب الغزو الأوروبي إلى المستعمرات مخترعات ونظم الصناعة إلى المستعمرات.. التلغراف، الصحافة، الطباعة والكتاب.. ونظام الدولة من إدارة و شرطة وبريد..الخ.

• اختراع المحرك البخاري، ثم القطار حقق اختزالا للمكان.. فأمسى بالإمكان الانتقال بسرعة أكبر من وسائل النقل القديمة على الأقدام، أو الحصان أو العربة.

• اكتشاف الكهرباء وما قاد إليه مع نهاية القرن التاسع عشر، التلغراف، التلفون، ثم في منتصف القرن العشرين انتشار الراديو ثم التلفزيون. وسائل الاتصال الحديثة هذه جعلت من الممكن تواصل الناس، وانتقال الأخبار، وظهور الصحف الحديثة.

* هذا على مستوى التطور التقني العلمي، وماذا عن التطور الإنساني؟

نعم أفرز العقل البشري تأملات المكان، ففكر مبكرا في الخط والزاوية والدائرة والنقطة، واختلق علم الهندسة لتعريفها وقياسها واستغل تلك المعلومات ليبني البيوت والأهرام ويمهد الطرق ويحفر الترع والقنوات والجسور.. ثم لقياس وتقسيم الأراضي التي يغمرها الفيضان النهري، وهذا ما عرفته مصر الفرعونية والهند والصين.

وبلغ هذا المنحى ذروته في اكتشاف نيوتن لقوانين الجاذبية.. على أساس أن العالم آلية هائلة تعمل بدقة حسابية متناهية الدقة.. من سقوط ثمرة من شجرة، إلى مسار قذيفة، إلى حركة المد والجزر في البحر.. وحتى دوران الكواكب حول الشمس. هذا الانتصار العظيم للمنهج العلمي، كانت له تأثيراته الواسعة على الفكر والفلسفة.. وأدى في أحد جوانبه إلى ظهور مفهوم الحتمية التي تشبعت بها فلسفات وأيديولوجيات، ومنها الماركسية، وطبعا دون أن تمتلك الفلسفة بالطبع دقة وصرامة العلوم الطبيعية.

لعدة قرون رأى الإنسان المكان في أبعاده الثلاثة.. لكن الفيزياء الحديثة تشكك في مدى صحة هذا التصور.. وثمة ما يدعو إلى القول بأن للكون أكثر من ثلاثة أبعاد مكانية. وبالطبع دمجت نظرية النسبية التي صاغها آينشتاين في بداية القرن العشرين، المكان والزمان، ليصبح زمكانا منحنيا!  وقبل عقود بينت المشاهدات الفلكية أن ضوء النجوم يظهر ما يسمى بالانزياح الأحمر.. الذي يعني ابتعادها المتواصل.. أي أننا نعيش في كون في حالة توسع وتمدد مستمر!

وهكذا، ومنذ بداية القرن العشرين، غيرت الفيزياء الحديثة معنى المكان والقوانين التي تحكمه، وبالطبع لم يؤثر ذلك مباشرة على الإنسان العادي، لكن الرؤى الجديدة أثرت على الفلسفة، وأيضا على الفنون.

لكن أغرب تحول، جاء من دراسة تركيب الذرة.. ودراسة مكوناتها كالإلكترون والنيوترون والبوزيترون.. خاصة حين تبين أنها ليست جسيمات محددة كما حبات الرمل.. أو غيرها من الأشكال التي اعتدنا عليها في عالمنا المحسوس.. بل إن أصغر مكونات المادة هذه هي أشبه بخربشات ملونة متداخلة ودائمة التغير.. فالضوء مكون من فوتونات التي تبدو جسيمات أحيانا وموجات في أحيان أخرى. وكذلك الإلكترون الذي تبين أنه جسيم وموجة في آن واحد. هكذا تقول المشاهدات والتجارب العلمية. وهذا ما قاد إلى تأسيس ما يسمى بمبدأ عدم التيقن.

* كتابك هدرزة في بنغازي، وحكايات تفاصيل عن العلاقة بالمكان، من رجل جبالي إلى شارع دبي انعكاس لحالة من الود بينك وبين بنغازي، لماذا بنغازي بالذات؟

كتابيْ الهدرزة.. هدرزة في بنغازي وهدرزة في السوق أو دكان الشايب، محاولة استكشاف لدلالة المكان.. تاريخ اجتماعي نعم.. توثيق غير مباشر لمدينة بعينها، لنمط الحياة كما تتبدى في العلاقات والقيم.. وتحولاتها مع الزمن… وأيضا تلمس البعد الرومانسي.. للتعلق بالمكان.. لك أن تسميه أوهام الحب!

لكن بنغازي أيضا نموذج لمدن أخرى، قد يعتقد أهلها أن ما شهدته مدينتهم فريد.. وهذا جزء من أوهام المكان، لكنه مشروع، ويتكرر في كل المدن والقرى.. كل مكان متفرد في عقول أبنائه.

الهدرزة حوار حميمي، في مكان.. على ناصية شارع، في دكان، أو مربوعة. تبادل ذكريات وسرد تاريخ.. محاولة بناء تاريخ مشترك.

بنغازي من ناحية أخرى.. تنتمي لفصيلة المدن الحضارية.. مدينة تجارية، ولذلك فهي مدينة تجار أو تجارة.. وبالتالي فهي مدينة متسامحة.. علاقاتها الداخلية تقوم على التسامح.. على عكس البادية التي تصور علاقات الناس فيها على أساس السلف المشترك، وتنزع إلى الصراعات والثارات.. ليس ثمة أحياء في المدينة موزعة على قبائل.. القادمون إليها يأتون للتجارة.. ويبيعون ويشترون ممن يتيح لهم تحقيق الربح.. وهكذا تخترق المصلحة كل الحواجز الأخرى.. لكن هذه الأنماط تدريجية..

وهكذا استوعبت بنغازي مهاجرين من الغرب الليبي، ومن درنة. ولهذا شاعت التسمية ” بنغازي ربّاية الذايح ” أي كافلة المتشرد.  وإضافة إلى الليبيين كان ازدهار التجار التوانسة الذين  أمسوا من أثريائها. وكذلك اليهود كتجار وصنايعية عاشوا في أمان كامل في بنغازي.. حتى أن المثل شاع أن “سوق من غير يهود ، كمبيالة من غير شهود”. ففي عصر ما قبل المصارف كان التبايع بالدين يعتمد على توقيع ورقة أو كمبيالة تقر فيها بما في ذمتك للطرف الآخر والقيمة المطلوبة. وبالطبع كان يوقع عليها شهود. تلك هي الضمانات. ولهذا فإن كمبيالة دون توقيع شهود لا قيمة لها. وكذلك فإن غياب اليهود يربك تجارة السوق.

* وطرابلس؟

تطور طرابلس كمجتمع حضري لا يقل إثارة عن بنغازي، بل أكثر. لأن طرابلس ولدت كقاعدة بحرية في زمن الصراع في غرب البحر المتوسط منذ القرن 16 (وعندئذ شيد فرسان القديس يوحنا أو فرسان مالطا قلعتها)، أي بعد الكشوف الجغرافية التي قادت إلى هيمنة أسبانيا والبرتغال على العالم، ثم من بعدهما انجلترا وهولندا وفرنسا. ولهذا نالت اهتمام البندقية، الدولة الملاحية الهامة قبل الكشوف الجغرافية.. كممر إلى أفريقيا ومصدر للملح الذي كان هاما قبل أن يستحضر كيماويا بعد القرن 19.

ثروة طرابلس هذه واهتمام العثمانيين بها، حولها تدرجيا من واحة نخيل إلى مركز سلطة، وعاصمة لإقليمها. وتوالى عليها الدايات والولاة بدرجات مختلفة من الاستقلالية والمبادرة. سلسة من الطغاة، الذين قلما تذكر أسماءهم ناهيك عن محاسنهم. كان الولاة يأتون بمؤامرة، ثم ينتقمون ويقمعون.. ثم ينهبون.. وحين تنضب الموارد وتتسع دائرة الخصوم، يختفون عبر انقلاب داخل القلعة.

وفي عهدي درغوت ويوسف القرمللي، بلغت طرابلس ذروة مجدها العسكري، نحت راية القرصنة الجهادية. لكن يوسف باشا لم يمتلك صدق وشجاعة درغوت.. فقد كان يتعامل مع القوى الأوروبية بخوف وطمع، يخفيهما وراء ستار من الشراسة حيال رعيته. لكنه عمل على توحيد شقي ليبيا  الشرقي والغربي.

الأهم في اعتقادي أن طرابلس بفضل كل هذه الخصائص أمست  مجتمعا انصهاريا، في حالة من التمازج الدائم، بقدر لم تعرفه بنغازي.

وشهدت أيضا مجئ وانصهار جماعات من الخارج: عرب ويهود الأندلس، المقاتلين الانكشارية، المسيحيون من بحارة ورقيق ومرتزقة. وكل هؤلاء امتصهم مجتمع المدينة، ورغم اختفائهم كجماعات أو ثقافات متميزة، إلا أن قيمهم  نبتت في نسيج ثقافة طرابلس لتعيد تشكيل رؤية ‘‘الطرابلسي / ولد المدينة ’’ لذاته وللآخرين. من ذلك ما يتسم به أهل طرابلس من مرونة وصبر في التعامل مع السلطة، وغياب الحدّة والانفعال في استجاباتهم. وليست هذه إلا تعميمات، ثم أن تلك التحولات كانت بين مد وجزر مع امتصاص المدينة، للوافدين من الدواخل، ومعهم قيمهم، وهؤلاء كانوا تيارا متصلا لم ينقطع عبر السنين.

* هل تفسر هذه الاعتبارات ارتباط طرابلس المدينة الحميم بالبحر، مقارنة ببقية مدن الساحل الليبي؟

نعم بما في ذلك مجاورتها تاجوراء في الشرق وجنزور والزاوية في الغرب، حتى على مستويات بسيطة ويومية، مثل ثقافة الطعام .. فالسمك أساسي في غذاء طرابلس، أو كما قال أحد أصدقائي: ” نعزموا بيه ونضيفوا بيه ونطهروا بيه! “.

تظل طرابلس مثيرة وتاريخها الاجتماعي شيق، وقد حاولت الإشارة إلى بعض جوانبه في دراستي ” عندما يجد الوطن عاصمته”، لكنني أتطلع لقراءة من سيكتب لنا من أبناء المدينة ويحلل هوية طرابلس في مراحلها الجنينية.

* هل في رأيك العلاقة مع الأوطان عموما تحمل سؤال غامض وكبير في نفس الوقت؟

المكان، في بلادنا ليبيا، مشوب بالقلق، ليبيا أرخبيل مترامي الأطراف.. جزر نسميها مدنًـا أو قرى أو واحات.. تجمعات بشرية تفصلها فيافي قاحلة.. طبيعة الجغرافيا.. فزان، الجبل الأخضر، الجبل الغربي، البطنان، الجفرة بمدنها الثلاث هون وسوكنة وودان، سهل طرابلس من مصراتة إلى زواره .. مناطق حددت الجغرافيا بيئتها ومناخها ومناشط أهلها وبالتالي لهجتها وبنيتها الاجتماعية وقيمها .. ناهيك عن التقسيمات الثانوية أي الواحات.. بضع أشياء توحدها لعل أولها المناخ أيضا يقسم ليبيا إلى بيئتين اجتماعيتين: زراعة موسمية وزراعة السواني .. لكل ثقافتها وقيمها.. لكن المناخ أعطانا محصولا يتمحور حول القمح والشعير وبالتالي حدد غذاءنا من الخبز إلى البازين. ويمكنك أن تتابع هذه التباينات.. الضان والإبل، وثقافة السمن حيث المراعي والزيت حيث السواني. كل وطن له مثل هذه الخطوط الثقافية. وهي مصدر ثراء.

ولعل الشعر الشعبي كان الروح الخفية التي اخترقت حواجز لمناخ والجغرافيا وشكلت وما زالت تشكل الخلفية الثقافية التي توحد الليبيين. وهذا ما قصدته حين كتبت دراستي عن ” سيدي قنانة ” نبع الشعر الشعبي الأسطوري، كأحد روافد هويتنا الوطنية.

القبيلة نظام اجتماعي يتواءم مع بيئتنا القاحلة، وكانت مصدر أنفة وقوة، كما حدث في مواجهة الغزو الإيطالي. لكن القبيلة كانت أيضا مصدر صراع وشقاق. وقد تناولت هذا الجانب في دراسة بعنوان ” الهوية فسيفساء ” نشرت في مجلة عراجين.

كيف نتعامل مع هذا الواقع. في الغالب نتحاشى طرقه أو نقاشه للأسف، بحجة الحفاظ على الوحدة الوطنية.  لكننا في الواقع نتجاهل ايجابياته.

والمطالعُ لمناهجنا الدراسية والمتابع لبرامج المرئية، والمراقب للفوارق في وتيرة التنمية بين العاصمة والدواخل.. سرعان ما يدرك أننا نعاني من فقدان مشاعر الانتماء إلي وطن كبير..إلي ليبيا. فلا مقررات المدارس ولا برامج التلفزيون تولي اهتماما بتعريف التلميذ أو المشاهد العام بوطنه .. فماذا يعرف هؤلاء عن الحياة في سوكنة أو نالوت أو طبرق أو براك مثلا ؟!

عن موقع ليبيا اليوم

مقالات ذات علاقة

الروائي محمد الأصفر: لا أكتب لغرض الترجمة ولن أرضخ لمواصفات ناشر

زكريا العنقودي

الشاعر صلاح عجينة/ الحركة الشعرية في ليبيا تحرز تقدما ملحوظا

المشرف العام

عفاف عبدالمحسن: ”نحن نكتب لأننا بحاجة للنسيان“

المشرف العام

اترك تعليق