حوارات

حوار مطول مع الشاعر السنوسي حبيب.. نحن نعيش في ظل ثقافة غير نقدية

حوار مطول مع الشاعر السنوسي حبيب

نحن نعيش في ظل ثقافة غير نقدية

لو كان في استطاعتي أن أكتب قصيدة كلها إيقاعات لكتبتها

انطفاء جذوة الحُلم تقود المبدع… إلى الشيخوخة الأدبية المبكرة

الإنسان ليس مشروعا مُنجزا.. إنه مشروع دائما يتحقق

إن كان الشعر ديوان العرب.. فالرواية ديوان البشرية

حاوره: علي الربيعي

تصوير: محمد فياض

الشاعر: السنوسي حبيب

– حدثنا عن البدايات؟! أي الأصوات الشعرية التي كان لها تأثيرها العميق على التجربة؟!

– إن التأثير يبدأ من المحيط. فهناك تأثير المحيط البيئي، أو المحيط السكني، أو محيط المدينة أو القرية أو الواحة، فأي محيط كان، سوف يكون له تأثيره بشكل أو بآخر. ثم يجيء المحيط الثقافي، ودور الثقافة في عمومها، والثقافة العربية خصوصا، وستجد تأثير ما يصل من مطبوعات، ومن منشورات ومما نقرأ، ومما نسمع، أو نعيش، فهذه العوامل كلها تدخل في تكوين البدايات، فمسألة تكوين البدايات ليست بالضرورة أن تكون محض الشعرية، إلا إن قصدت البدايات الشعرية، أو المؤثرين شعريا، أو المؤثرين من الشعراء، كلمن قرأت من الشعراء مثلا، أو أي من الشعراء الذي أحس بأنه أثّر في تجربتي بشكل مباشر، فتلك مسألة أخرى، لكن في تصوري، إن التأثير أو التأثر يتم عبر عدة قنوات، أو عدة أشكال، فالبيئة لها أثرها الكبير، فمثلا في شعري ستجد أن البيئة المحيطة لها تأثيرها الكبير. فهناك مثلا ً عنصر الرمل، فهي مسألة مؤثرة ومبكرة جدا بالنسبة لي، فهناك في بعض القصائد أتحدث عن الرمل وأثره عندما تستلقي عليه! فمن أين جاء ذلك التأثير؟! لقد جاء من مراحل الطفولة، فعندما كنا ننام، كنا ننام على فراش من الرمل، وهذا له علاقة بتكوين الحس، وتكوين الذائقة، وتكوين ذاكرتك أنت كمبدع، أو ذاكرة الشخص الذي سيكون له في يوم من الأيام أثر في التجربة، فمؤثرات البداية مؤثرات متنوعة طبعا!!

– لنتحدث عن الشعراء!

هنا يكون التأثير أكثر تحديدا، فمثلا أقول لك بوضوح كامل إن من الذين أثاروا وعيي مبكرا بالنسبة لعمري، هو الشاعر كامل الشناوي، فقد تستغرب لو قلت لك بأن أول مجموعة شعرية اقتنيتها، أو قرأتها، هي مجموعة شعرية لكامل الشناوي بعنوان لا تكذبي، وهي عنوان لإحدى قصائد المجموعة والتي غنتها فيما بعد نجاة الصغيرة، فأتذكر أني اشتريتها من مكتبة صغيرة كانت هنا بهون سنة 1964 أو 1965 حيث كنت بالمرحلة الإعدادية، ربما سنة أولى أو ثاني إعدادي لا أتذكر بالتحديد، فقد استهوتني المجموعة، وكانت من الشعر الغنائي أو الشعر القابل للغناء، وقد كانت من الشعر الحديث، وليست من الشعر المقفى أو العمودي ولكن هذا لم يمنع بأن يكون لدي اهتمام و قراءة متأنية ومتذوقة للشعر العربي القديم، فالمسألة مبكرة أيضا، وربما من الأشياء المهمة جدا، هي وجود دراسة أذكر أني قرأتها لعباس محمود العقاد عن ابن الرومي (حياته وشعره) فقد كان كتابا ضخما، قرأته وأنا في المرحلة الإعدادية، حيث لفت نظري لشعر ابن الرومي، وطريقته في الشغل، وشغله في الصورة، و في التأويل وفي التشاؤم وغيره. فكان ذلك مؤثرا ومهما لأنه نبهني لمسائل كثيرة. ثم تأتي مرحلة مهمة جدا هي مرحلة التعامل المباشر مع منظومة، أو بنية الشعر العربي الحديث، فلو خرجنا عن سياق حديثنا عن مجموعة لا تكذبي، فستأتي مباشرة ًمرحلة دخولي للجامعة في بنغازي سنة 70، حيث بدأت الإطلاع على شعر البياتي والسياب و أحمد عبد المعطي حجازي – والذي عرفته قبلهم بقليل – عندما كنت أدرس بثانوية سبها سنة 68 أو 69 من خلال مجموعته الأولى (مدينة بلا قلب )، وفعلا أثارتني وأثارت انتباهي لوجود شعر يختلف عن شعر القافية، فقد كان وجودها مبكرا أيضا، و لكن ربما التأثير المباشر والمهم جدا كان في جملة من الشعراء مجتمعين الذين كونوا كتلة الشعر العربي الحديث، أو الكتلة التي بدأت في بداية خمسينيات القرن الماضي كالبياتي وبلند الحيدري وبدر شاكر السياب وصلاح عبد الصبور وخليل حاوي، فهؤلاء كانوا البداية الأولى، تم يليهم محمود درويش وسميح القاسم وأمل دنقل وغيرهم من الشعراء.

– تقصد شعراء التفعيلة؟

بنية الشعر العربي الحديثة أو ما يسمى أو ما عُرف اصطلاحا بشعر التفعيلة هو نوع من التسمية للتقريب، لتقريب المسائل، على اعتبار أن هناك شعر القافية أو شعر العمود أو -الشعر ذي الأربع التفعيلات يمين وأخرى يسار يكونان شطرا للبيت الشعري- ولكن جاء بعد هذا النمط ما اصطلح عليه بشعر التفعيلة التي ربما كانت توصيفا خارجيا للقصيدة الحديثة بينما القصيدة الحديثة هي بنية متكاملة، ورؤية للفن وللواقع وللحياة وللطموحات، التي تشكلت في هذه القصيدة التي تم الاشتغال عليها من قبل الكثيرين، كنزار قباني وعبدالوهاب البياتي وبدر شاكر السياب وبلند الحيدري وخليل حاوي، ثم سعدي يوسف. فهذه المجموعة مجتمعة شكلت ما عرف بالقصيدة العربية الحديثة والتي وصفت بالتفعيلة فهؤلاء مجتمعين كونوا بالنسبة لي الذائقة الشعرية الحديثة، وليس بالطبع في إيقاعاتهم أو في الصور ولكن في جملة الاهتمامات والقضايا وجملة المطامح وجملة الرؤى التحديثية في محاولة لتحديث الحياة العربية بالنسبة إليهم من خلال الشعر، وطبعا ستكون مسألة مفروغ منها كون التحديث لن يكون تحديثا في الشعر فقط، أو ثورة فقط في الشعر. بل التحديث في المجتمع في عمومه وهذا سيكون مفتتح لمواضيع أخرى ربما سنواجهها من خلال أسئلتك القادمة!!

– أي أثر تركته الخيبات العربية المتتالية على وجدان الإنسان العربي وثقافته؟! كيف انعكست تداعياتها على الشعر؟!

– هذا السؤال مهم جدا! على اعتبار أني انتمي للجيل الذي فتح وعيه، أو بدأ يتكون وعيه سواء البسيط أو الثقافي أو الوعي السياسي، مع ما عرف بالمد القومي و التجربة الناصرية، فهذه التجربة حملت للشارع العربي في عمومه جملة من الآمال، وجملة من الطموحات، أي جملة من التوقعات، أو من الطرح، الذي ربما يكون مضخّما،عن مستقبل مشرق لهذه المنطقة أو لمواطن المنطقة. فنحن عشنا في مرحلة الخمسينيات والستينيات وحتى بداية السبعينيات تجربة ما عرف بالمد القومي وهي ما عرف في الشعارات الثلاثة،الوحدة والاشتراكية والحرية وكان هذا الكلام وهذا الطرح جميلا جدا، فهو يحمل طموحات جميلة، ولكن في الواقع جئنا في يونيو سنة 67 لنستيقظ على فاجعة كبرى، وهذا الاستيقاظ على هذه الفاجعة وهذا التطاير كان كما تتطاير الأوراق لمجمل البنية التي كانت سائدة في الخيال العربي وفي الإعلام العربي على أننا قادرون أن نكون أمة عربية وأن نهزم الكيان الصهيوني البسيط تلاشت جميعها، بضرب المطارات، وبضرب الجيش المصري والجيش السوري وبضرب الجيش الأردني وبتمدد إسرائيل من حدود الـ48 إلى أن وصلت لقناة السويس والجولان والخ.. وطبعا هذا الحدث خلق خلخلة رهيبة جدا عند المواطن العربي في عمومه والمثقف العربي بشكل خاص، مما أدى إلى حالة من التأزم العام، وربما كان من نتائجها، الإحساس بالانهزام والهروبية فمثلا عُرفت في المنطقة العربية بعد نكسة 67 الفلسفة الوجودية، وهذه الفلسفة رغم عدم اتخاذ موقف محدد تجاهها، كانت ذات رؤية محددة، بأنها لا تولي اهتماما للهم الاجتماعي العام، بل كانت تركز على الحل الفردي، وهو أن الإنسان مشروع نفسه، لذا كانت هذه الفلسفة الوجودية ملائمة جدا لانتشارها في تلك الفترة، ولهذا ازدهرت أوائل السبعينيات في الوطن العربي ليصبح الكتّاب المهمين بالنسبة للمثقف العربي والناشئ العربي، هي كتابات كولن ولسون وجان بول سارتر وسيمون دي بوفوار، ففي هذا الإطار كانت هناك محاولة للبحث عن رؤية جديدة للمنطقة، وهنا أصبح الشعر العربي الحديث أيضا في أزمة، أو في مأزق باعتبار ترافق نشأة الشعر العربي الحديث مع صعود المد القومي والذي تتوج في الناصرية بشكل واضح، فنكسة 67 أحدثت خللا في كل منظومة حقل الأحلام حيث حصل بها خلل كبير، بمعنى أن ما حُملنا عليه على مدى عشرين عاما أصبح في مهب الريح ولهذا حصل تأزم للمثقف العربي وللشاعر العربي. وكان فرسان تلك المرحلة شعراءً كبارا، كعبدالوهاب البياتي وبلند الحيدري وخليل حاوي وصلاح عبدالصبور، الذين أصبحوا في ربكة، لهذا كان من الأصوات المهمة التي ظهرت بعد النكسة ظهورا واضحا هو محمود درويش (رغم وجوده قبل النكسة) لكن ظهوره المهم جدا كان في السبعينيات كشاعر يعبر عن روح المقاومة الفلسطينية وبالتالي المقاومة العربية، وفي مصر أيضا ظهر أمل دنقل بشعر به دفعة جديدة وهي دفعة تنتقد المرحلة الماضية، وتبشر بمرحلة قادمة! فهذه الخيبات العربية _حسب رأيك _ وخيبات الواقع العربي انعكست بحدة على الشعر العربي وعلى الشعراء!!!

– قدّم عدد من شعراء العراق قبل أيام، مقاطع شعرية حملت عنوان ” مراثي الكتب ” فوق أنقاض شارع المتنبي احتجاجا على الإبادة الثقافية التي تعرض لها المكان! كيف تلقيت الخبر؟ هل لازلت متفائلا كعادتك بأن يطل طائر الفينيق من تحت الرماد؟!

– سنة 2001 تمكنت من الذهاب في زيارة إلى بغداد، ضمن فعاليات المؤتمر الواحد والعشرين للشعر العربي والمؤتمر العشرين – على ما أذكر- للأدب العربي ضمن أعمال اتحاد الأدباء العرب، وفي تلك الزيارة أذكر أني زرت شارع المتنبي واشتريت منه بعض الكتب التي تراها في مكتبتي، وهذا الشارع كمكان، فهو بسيط جدا، وهو متفرع صغير من شارع المأمون، ولكن تكمن أهميته في دلالته، فلا يتجاوز طوله المائة والخمسين مترا أو يزيد قليلا، وهو مفروش بالكامل بالكتب والمجلات وتباع بأسعار ملائمة جدا، وهذا الشارع المسمى باسم المتنبي والذي هو مكرس لبيع الكتب الثقافية، نتفاجأ بأن تأتي الأخبار باستهدافه، وكونه يُستهدف ويُنسف هو في حد ذاته امتداد لنفس كارثة الغزو، فمنذ اليوم الأول والثاني لسقوط بغداد، كان أهم ما تناقلته الأخبار والإذاعات هو حدثين لمكانين، أولهما انتهاك المتحف البغدادي، وثانيهما هو انتهاك أهم مكتبة في بغداد،لا أتذكر اسمها الآن والتي انتهكت ونهبت، مما يعطي دلالة على أن من بين مستهدفات الغزو هو استباحة الثقافة العربية، وطبعا دون تعصب ودون شوفينية ودون أي ترسبات نفسية فإن هذه المسألة مثيرة، فهي إعادة تتطابق تماما مع تلك الهجمة التتارية بقيادة هولاكو عندما اغرق نهري دجلة والفرات بالكتب، فأنا أراها بهذا الشكل، ويجب أن تُقرأ بهذا الشكل، وهنا أنا لا أدافع ولا أترحم إطلاقا على النظام الفاشي لصدام لحسين، ولكن نرفض تماما أن تستباح الثقافة العربية، ويستباح المواطن العربي ويستباح الطفل العربي. وتستباح المرأة البغدادية بهذا الشكل المهين ، إذا، فحادثة نسف شارع المتنبي هي جزئية صغيرة جدا من جملة عمليات تتم في العراق الآن، وليس غريبا إطلاقا على العراق ولا على بغداد هذا الصراع أو القتل أو الدم، فعبر تاريخ العراق كان هناك صراع، ولكن المستهجن والغريب الآن هو أن يتم تسويق هذا الصراع تحت عناوين غير دقيقة وغير صحيحة، فهل يعقل لكي نقيم ديمقراطية في العراق ولكي نحرر شعب العراق من طغيان ومن دكتاتورية صدام، نبيد ربع شعب العراق؟؟!!! هذا ما يحدث الآن، ويوميا نسمع عن مئات القتلى في العراق، فهل هؤلاء جميعا ضحايا إقامة الديمقراطية؟!! إذا لمن ستقام هذه الديمقراطية بعد أن يفنى نصف الشعب العراقي؟! وأما عن مدى تفاؤلي بأن يطل طائر الفينيق فهذا كلام شعري، ولكنه مؤكد، لأنه لا يوجد شعب يمكن بأن يُباد، خاصة عندما يكون شعب يملك رصيدا تاريخيا وكتلة سكانية كبيرة كالعراق، فمسألة أن يباد شعب بأكمله، فهذا غير ممكن، وأنا أذكر بأن كتب التاريخ تقول أن الثورة العباسية التي أتى بها بنو العباس والتي أقيمت على أنقاض الدولة الأموية قتل فيها قرابة السبعمائة ألف شخص بحد السيف، فلكي يسيطر بنو العباس على الدولة العربية الإسلامية والتي انطلقت من بلاد فارس باتجاه بغداد كلفت هذا العدد من العباسيين والأمويين من عدد سكان كان لا يتعدى المليونين أو الثلاثة ملايين، ورغم استهجاننا لهذا القتل وهذه الإبادة لكن في تاريخ هذا الشعب كان هناك مرور بتصفيات جسيمة جدا و لكنه تجاوزها وسيتجاوز فعلا هذه المحنة ولكن بثمن غير معقول، وخاصة في عصر نتحدث فيه عن الديمقراطية وعن المساواة والإخاء، وعن جملة من القيم الحضارية، ونحن لازلنا نتصرف بنفس الهمجية، فما نراه في التلفزيون من صور هو أمر غير معقول إطلاقا، فترى خمسين جنديا مدججين بأحدث الأسلحة يقتحمون منزلا بسيطا جدا، على امرأة وعجوز، وبعض الأطفال!!!! هذا ما نراه الآن! فأعتى أنواع الأسلحة استعملت في العراق! ماذا في العراق من قوة أو من قدرات لكي تواجه كل ذلك؟!

– حدثنا عن ثقافة الندرة ومراحل الانتقال إلى الوفرة والازدهار الاقتصادي؟! وانعكاس ذلك على الحراك الثقافي؟!

 – إن كنت فهمت هذا السؤال، فهل الندرة في الوسائل الثقافية؟ أم في المجلات والصحف وغير الوسائل؟ أم الندرة بشكل عام في المجتمع الليبي؟

– تحدث عن المجتمع الليبي بشكل عام قبل وبعد ظهور النفط وأثر ذلك على الثقافة؟!

– إذا.. لنتحدث عن الندرة الاقتصادية، وهنا سيأخذ الحديث منحى آخر! فأنا ولدت مع فجر الاستقلال وتحديدا أواخر عام 49 وعشت طفولتي في وضع اقتصادي تحت مستوى خط الفقر، فالمجتمع الليبي بالكامل كان عند هذا المستوى حتى سنة 64 فكان المواطن الليبي في عموم ليبيا، لا يستطيع إطلاقا بأن يتناول ثلاثة وجبات في اليوم وهذا في عموم المجتمع طبعا، وهذه الوجبات لا تتجاوز حبات من التمر أو صحن مشترك لأكل يخلو من اللحم، وفي الليل فالعشاء لا يتعدى القليل من الخبز و أي شيء آخر معه. فلم يكن المواطن الليبي حتى سنة 64 يستطيع تناول ثلاثة وجبات في اليوم وهنا تحضرني قصة شهيرة جدا، وهي قصة مساعدات الأمم المتحدة، فكل أطفال ليبيا بداية من الاستقلال وحتى عام 69 تلقوا التغذية المدرسية من اليونيسكو، بما في ذلك حبوب الفيتامينات لتتم تغذيتهم من أمراض فقر الدم، الذي كان متفشيا في تلك الفترة، بما فيها المبيدات الحشرية التي كانت توزع على المدارس. وأما عن شكل الثقافة في تلك المراحل فلقد كنت طفلا في عقد الخمسينيات ولا أفقه بالتالي شيئا في الثقافة، ولكن عندما نقرأ عن تلك المرحلة نجد هناك بصيصا من الثقافة المتمثلة في بعض الصحف. ولكن المفارق هو أن تصدر في ليبيا صحيفة، كصحيفة طرابلس الغرب وهي صحيفة تعتبر عريقة والتي صدرت إعدادها الأولى في نهايات القرن التاسع عشر وتحديدا في العهد التركي، لكنها استمرت ولو بتقطع، وأذكر أني قرأت منها بعض الأعداد الأخيرة وكانت غاية في الجمال في طباعتها في فترة الخمسينيات، فرغم كل ذلك التخلف الذي كنا نعيشه في تلك الفترة، كانت هذه الصحيفة كمطبوعة مهنيا وصحفيا جميلة للغاية، في إخراجها للمقالات، وفي تنسيقها، وهذا كان أمرا غريبا حقا.

– عاصرت صدور صحيفة الحقيقة؟!

– إن صحيفة الحقيقة أصبحت بالنسبة لنا كليبيين مثل واو الناموس، فواو الناموس هي الجنة التي فُقدت، فهي كصحيفة كانت مدرسة متميزة جدا،على مستوى الوطن العربي، وليس على مستوى ليبيا فحسب، سواء في عددها اليومي أو الأسبوعي ، وعندي مع هذه الصحيفة تجربة غريبة جدا، وتجربة الحقيقة بالنسبة لي – وقد سألتني في بداية الحوار عن البدايات – مثلت بداية مهمة جدا ولظرف معين كنت أحصل على أعداد الحقيقة مجمّعة في أربعين أو خمسين عددا أو أكثر بقليل، فكنت أحصل على هذه الأعداد دفعة واحدة لأتفرغ لقراءتها جميعا، وعبر هذه الأعداد القديمة والمجمّعة استطعت التعرف على الكثير جدا من الكتّاب الليبيين، كالنيهوم وخليفة الفاخري وعلي الفزاني ومحمد أحمد وريّث، وعددا آخر ضخما جدا عرفته من خلال الحقيقة عبر تلك الأعداد القديمة المجمّعة، فلقد قامت هذه الصحيفة بدور ليس بالبسيط وليس بالعادي بالنسبة لتاريخ الصحافة ولتاريخ الثقافة في ليبيا، بمعنى أنها لم تكن فقط محض صحيفة إخبارية – رغم كونها إخبارية – ولكن كان لها دور ثقافي، وكنت أذكر أن الصفحة الثالثة في العدد اليومي كانت مخصصة للصادق النيهوم كسلسلة لمقالات يومية، وله زاوية أخرى لمقالة أسبوعية ضمن العدد الأسبوعي الذي كان يصدر يوم السبت، وكان هذا العدد والذي عاصرت صدوره في سنة 70 و 71 يصل للمكتبات الساعة السابعة صباحا، لينفذ منها الساعة التاسعة صباحا من ذات اليوم، ولا يمكنك بعد ذلك أن تجد أي نسخة إطلاقا، فقد كان هناك النيهوم وخليفة الفاخري وجملة من الكتاب الرائعين الذين يكتبون من خلالها!

– كيف كان تلقيكم لأنماط التجارب الحداثية لقصيدة النثر في بداياتها التي أنتجها وقتئذ فرسان مجلة “شعر” ومن بعدها “مواقف” الشهيرتين؟! هل أدهشكم المنتَج؟!

– أستطيع أن أقول بأن تجربة مجلة شعر لم تكن معروفة بما فيه الكفاية بالنسبة إلينا في ليبيا، على اعتبار أن أعدادها لم تكن تصل، وإن كانت تصل فلعدد محدود من المثقفين، وأنا شخصيا لا أذكر بأني كنت من قراء مجلة شعر، أو أني كنت مواظبا على قراءتها في فترة ازدهارها أواخر الستينيات، ولكن فيما بعد اطلعت على بعض الأعداد وعن الآراء التي قيلت عن شعر وعن القضايا التي أثارتها شعر وكان المهم بالنسبة لي هو بعض الشعراء الذين أنتجتهم شعر، أو الذين برزوا عبرها كأنسي الحاج وتوفيق الصايغ ويوسف الخال، فتجربة الحداثة عن هؤلاء الأعلام استطيع القول بأنه تم الإطلاع عليها من خلال مجموعاتهم الشعرية، فلهذا كانت علاقتي بالمجلة من ضمن ما قيل،أو مما قرأنا عنها أكثر من علاقتي بالمجلة نفسها، وذلك راجع للظروف الموضوعية في ليبيا، والتي أهمها عدم تواصلنا بالشكل الجيد مع المنتج الثقافي العربي، وخاصة في مرحلة السبعينيات، وأما عن مسألة التلقي لدينا فيما يتعلق بهذا المنتج، فإنه في عموم تعاملنا مع منتج الثقافة العربية كان هناك تعاملا إيجابيا لأقصى درجة، ولكن قدرتنا على التواصل معه هي التي لم تكن عالية، فهي محصورة بشكل كبير في ظروفنا نحن المحلية، وبرغم التأثر المباشر و الكبير للمثقفين الليبيين بالمنتج الثقافي العربي، إلا أن وصول هذا المنتج لم يكن بالتدفق العالي، بمعنى أنه كان هناك عدد كبير من المطبوعات التي لا يتم الإطلاع عليها إلا في ظروف استثنائية وخاصة. ومن بين هذه الظروف التي توفرت لي شخصيا هي قسم الدوريات في مكتبة جامعة بنغازي فقد كانت تكاد تصله كل الدوريات العربية، فكانت فرصة لي لأن اطلع على أشياء كثيرة عبر هذا القسم على اعتبار أنه متخصص فيما يطبع من دوريات عربية، سوى متخصصة أو عامة ولكن هذه الفرصة ليست متاحة للجميع، وهي فرصة نوعية، ولكن ربما المسألة المهمة بالنسبة للمشتغلين بالهم الثقافي في ليبيا، هو قدرتهم على التعامل مع المنتج الثقافي العربي ، وهذه مفارقة طبعا، رغم شح المصادر ورغم عدم توفر وسائل الاتصال الجيدة والمريحة خاصة في تلك الفترة – فلم تكن هناك فرص جيدة كالمتاحة الآن – كالإنترنت -، فلتطّلع لابد أن تصلك المطبوعة، وأن تشتريها من الكشك أو المكتبة، وفي الأكشاك أو المكتبات لم يكن متوفر الكثير، لهذا كان السفر لمعرض كتاب في القاهرة أو تونس أو أي قطر عربي آخر، كان بمثابة فرصة تتيح لنا جلب مجموعة من الكتب. و قد يكون من الممكن أن يحالفنا الحظ بأن تدخل هذه الكتب بسهولة وقد لا يكون من الممكن، فكان هناك نوع من المعاناة حتى في الحصول على الكتاب أو المطبوعة فهنا استطاع المثقف الليبي أن ينشئ حركة من التواصل مع المنتج الثقافي العربي، والمنتج الثقافي الليبي تجده عند الجميع ذو ارتباط قوي جدا بالمنتج العربي وقد يعتبر البعض هذا من مناحي الضعف أو سمة ضعف ولكن على العكس تماما فهي سمة قدرة على أن يتمثل الحالة العربية ويتعامل معها.

– أعجبت بطه حسين والعقاد في البدايات! من يجذبك من رواد الأدب العربي الراهن؟؟

– لقد قرأت للعقاد في فترة مبكرة جدا، وتحديدا في مرحلة دراستي الثانوية ولا استطيع أن أقول بأنه يعجبني أو يستهويني، لكن قرأته لظرف معين وهو توفر وتنوع هذا الكاتب، وربما يعجبني أكثر ويؤثر فيّ أكثر، طه حسين على اعتبار أن طه حسين في رؤياه العامة هناك رؤية تنويرية وهو أكثر تنويرية من العقاد فهو ( طه حسين ) يعجبني في منهجيته وأسلوبه الأدبي والسلس والجميل، ناهيك عن تسميته بعميد الأدب العربي – حسب الإعلام المصري أو حسب المزاجية المصرية -. فهو مهم ومؤثر جدا، وشخصية أثرت في مجمل الثقافة العربية الحديثة، وفيما يتعلق بالجانب التنويري فهو من أهم التنويريين في الساحة العربية وأما عن من يعجبني من كتاب الراهن فهنا الإجابة يجب أن تكون ذات تقسيمات نوعية، فلدينا الرواية والشعر والترجمة ولدينا النقد الأدبي والقصة القصيرة، فهناك جملة من الأجناس وهي في مجملها تكوّن بنية الثقافة العربية المعاصرة أو الأدب العربي المعاصر وفيما يتعلق بمفهوم الريادة، فإن المسألة تغيرت عن المفاهيم القديمة، فنحن في مرحلة اختفاء الرواد الكبار الأعلام، كطه حسين أو العقاد، فهي تجربة لن تتكرر وهي في خصوصيتها تماثل بالضبط تجربة أم كلثوم أو فيروز في الأغنية العربية، لكن تظل هناك تفضيلات في هذه الأجناس الأدبية، كأن تقول من أفضّل مثلا في الرواية لمن قرأت من الروائيين العرب، فأقول بأني قرأت لمن وصلت يدي إليه من كتاب الرواية العرب، وأما عن التفضيلات لا أستطيع أن أجد تفضيلات لوجود تنوع في المنتج، فنجيب محفوظ تنويعة، وحنا مينا تنويعة أخرى، وجبرا إبراهيم جبرا تنويعة، وعبدالرحمن منيف تنويعة أيضا، لذا فإن هذه التنويعات جميعها تشبع عدة مناحي في الثقافة العربية المعاصرة وبالنسبة لي فهي تشبع جوانب معينة وربما من الأشياء المؤثرة، هي الرواية المترجمة.

– أمين معلوف مثلا؟! أو الطاهر بن جلّول؟؟!

– قرأت لأمين معلوف وللطاهر أيضا ولكني عرفتهم في العشر سنوات الأخيرة، لكنهم لا يدخلون في مراحل التكوين، وحين ندخل للمعاصرة سنجد بأن التنوع واسع جدا، لذا لا أستطيع حصر الأسماء التي أعجبت بها، أو التي أقرأ لها نتاجها أو اتعاطى معها، أو التي أُعجب لها بعمل معين فتجد ربما عند كل كاتب عمل أو اثنين فيهما تميز وفيهما دلالات معينة، فكما ذكرت لك سنجد مثلا جبرا إبراهيم جبرا عنده شغل جميل في الرواية، وعبدالرحمن منيف كذلك، وأما نجيب محفوظ فعنده كتلة رواية ضخمة، فهو ربما يمثل تقليدية الرواية العربية – ناهيك عن مسألة حصوله على جائزة نوبل – فهذه ليست المسألة، لكن في مجمل كتلة شغل نجيب محفوظ فهو اشتغل على امتداد واسع جدا، واشتغل بأنماط فنية متنوعة، وقد أثر في كثيرين جدا، فعند ذكر الرواية العربية، ستستحضر فورا نجيب محفوظ، لكن هذا لا ينفي وجود أسماء أخرى مهمة جدا، كحنا مينا فقد قرأت كل أعماله، ونجيب محفوظ كذلك، فهناك كثيرين لا تستطيع حصرهم أو أن تعدد كل الأسماء، ولكن بشكل عام ربما الذين كان لهم تأثيرهم المهم أو الذين لفتوا انتباهي باهتمام أكبر، هم كتاب الرواية الروسية، ديستوفسكي خاصة ً!!!

– دفعتك علاقتك كقارئ للأدب الروسي إلي اكتشاف الفكر الاشتراكي العلمي! ماذا وجدت؟!

– إن القراءة و الاشتغال في الأدب هو الذي دفعني باتجاه الفكر السياسي وليست الرواية الروسية، وكما ذكرت سابقا فنحن في منطقة عربية أصيبت بعدة خيبات، وهذه المنطقة في بنيتها الثقافية المعاصرة، كانت ملتحمة تماما بالهم السياسي ومهما كان الكاتب، فلابد من أن يجد نفسه على علاقة بالهم السياسي، وبالنسبة لي شخصيا في تجربتي، فقد وجدت نفسي عبر الأدب، اتعاطى مع الفكر السياسي وعبر الفكر السياسي وجدت نفسي أيضا في هموم المنطقة العربية من خلال الاستقطاب الحاد جدا لواقع المنطقة العربية، وعبر وجودها في نقطة تجاذب أثناء فترة الحرب الباردة طبعا، بين المعسكر الاشتراكي والبنية الرأسمالية أو المعسكر الرأسمالي، وأيضا عبر بلوة وجود إسرائيل أو خلق إسرائيل في المنطقة العربية فكل هذه المسائل تجعل أي مهتم بالشأن الثقافي العربي عندما يكون لديه الحرص والإخلاص لابد بأن يتعاطى مع المسألة السياسية، فلا يستطيع أن يشتغل أدب أو ثقافة بعيدا عن الهم السياسي، وعندما تدخل في هذا الهم السياسي، ستجد أمامك خيارات ومن بينها الخيار الاشتراكي الذي كان بشكل من الأشكال مطروحا في المنطقة العربية، حتى عبر شعارات وممارسات جملة من الأنظمة العربية التي أخذت صفة التقدم، وهذه الأنظمة طرحت مفردة الاشتراكية وكانت هذه المفردة مطروحة على المتلقي العربي. وضمن هذه المفردة كان هناك تنويعات من الاشتراكية. من الاشتراكية الطوباوية إلى الاشتراكية العلمية، وضمن كل هذا الخضم أجد نفسي منحازا للجانب المتقدم في الفكر السياسي وهو الفكر الاشتراكي وانحيازي هذا قائم على كونه منحازا لجموع الناس المقهورة، والناس التي تعاني والواقعين تحت الضيم وتحت الظلم، فكان الفكر الاشتراكي يمثل بالنسبة لهم أحد الخيارات المنقذة، أي أحد الخيارات التي تعطي أملا، وأما عن مدى نجاح أو فشل التجربة العربية في هذا المجال فتلك مسألة أخرى. كون التجربة الاشتراكية في عمومها انتكست في العشر سنوات الأخيرة فهي مسألة أخرى. لكن هذا الفكر طرح أمام المواطن العربي المذل المهان من نكبة 48 إلى نكسة 67 طرح أمامه خيار الفكر الاشتراكي!

– يقول نيرودا ” إن الخطأ الأكبر بالنسبة للشاعر هو أن يزج بنفسه في عالم الأفكار والمجردات وكأنه بهذا الصنيع يطفئ ضوء كلماته ويسكت نبضها ” إلى أي مدى تؤمن بذلك؟!

– لابد أن نفهم كلام نيرودا على ضوء شعلة نيرودا نفسه، و كشاعر إنساني عظيم وكمناضل استشهد من اجل قضيته، فأنت تعرف في انقلاب بينوشيت قُتل بابلو نيرودا الشاعر، و قتل سلفادور اللندي القائد السياسي، لذا لابد أن نفهم ما قاله نيرودا في ضوء شعلة نيرودا نفسه كونه شاعر وشاعر جميل جدا، ولكنه كان طوال حركته وطوال شغله يعي دائما هدفه السياسي، وهو لم يكن إطلاقا بعيدا عن هدفه، فهنا كلامه منطقي جدا، فعملية أن يكون الشاعر مشتغل على كلمات أو إيقاعات أو صور بتجريد فهذا لا يصح! بمعنى أن الشاعر مرغم على أن يكون لديه موقف من الحياة، ومما يدور، وأن يكون له انحياز مع أو ضد، وأما أن يكون شاعر للجميع ومع الجميع، فهذا غير ممكن!

– تكره التنظير وتكتب قصيدة النثر، هذا يجرني لسؤالك عن مفهوم الحداثة الشعرية لديك كونها ولدت من رحم أيديولوجيا التغيير والتجاوز؟!

– المسألة ببساطة هناك حداثة أو لا حداثة، في مجمل الشروط الموضوعية لحركة المجتمع. فهذا المجتمع العربي الذي ننتمي إليه بكل أحاسيسنا وبكل تفكيرنا وطموحاتنا، فهو في لحظة من لحظات التخلف المرعبة جدا. وللأسف رغم بصيص النور الذي انطلق من مائة وخمسين عاما مع محاولة تحديث محمد علي الكبير التي ضُربت أو انتكست أو التي لم يتوفر لها ظروف النجاح وامتدادا لهذا، فإن مجمل حركة البرجوازية العربية الهزيلة التي لم تستطع أن تقوم بدورها كبرجوازية. والتي منذ نشأتها كانت متصفة بصفة – الكومبرادور- أي التبعية للرأسمالية الأكبر، فلم تكن لديها الظروف الموضوعية لكي تكون برجوازية بنّاءة أو برجوازية ذات سمة محلية، و ذات سوق وذات مفاهيم وذات قيم فقد كانت محمولة على الخارج وظلّت إلى هذه اللحظة – وللأسف – وهي محمولة على الخارج لهذا حتى لحظات الإلتماع لهذه البرجوازية العربية سرعان ما تلاشت بضربة إسرائيل لها في سنة 67، وعندما نقول إسرائيل – ليست إسرائيل كتجريد بل إسرائيل بما تعنيه من كونها رأس جسر للإمبريالية الدولية – وتلاشت أيضا هذه البرجوازية العربية بظروفها، وبعواملها المحلية الخاصة بها، كونها لم تكن برجوازية أصيلة أو برجوازية متجذرة، وترتب على هذا أن مجمل منظومة ما طرحت من أفكار ومن قيم – ولا استطيع أن أقول قيم لانهيارها معها – وإننا لم نستطع أن نخرج قيد سنتيمتر واحد من دائرة التخلف التي نلف فيها حتى هذه اللحظة. إذا فإن أي شغل يحاول أن يخرج بالمواطن العربي أو بالوضع العربي أو بوضع المنطقة من حالة التخلف إلى حالة تقدم و إلى حالة أفضل هو شغل تقدمي بما فيها محاولات بعض أو أجزاء من البرجوازية العربية، أو ما يعرف بالبرجوازية الصغيرة بمعنى من المعاني، ففي كل شغلها، كانت أي مبادرة أو أي ممارسة تؤدي إلى تحسين شروط أوضاع المنطقة العربية فهي ضمن التقدم، فالحداثة هي تحديث المجتمع، لذلك أنا لست مع كلمة الحداثة التجريدية أو المجردة أو غير المرتبطة بالبناء الاجتماعي، فأن تكون شاعرا حداثيا، إذا لابد أن تكون متجذرا في حركة المجتمع، فلابد أن تعي إلي أين تؤدي حركتك، أما حداثة مجردة أو تنظيرية – ونعود هنا لكلمة تنظير – فوجود حداثة، بها فقط نوع من التماهي مع منتج الآخر فأنا لست مع ذلك، في ذات الوقت الذي أؤكد فيه على أن العالم وليس من الآن فقط، وعبر وسائل الاتصال الحديثة التي بدأت مع بداية القرن العشرين والعالم الحديث مع نشوء ظاهرة الاستعمار، فإن العالم أصبح متداخلا ومفتوحا على بعضه البعض وأصبحت مؤثرات الخارج تؤثر جدا على الداخل، التي لا تعتبر ظروف خاصة، بل هي على علاقة بالخارج، وبالرغم من هذا يظل هناك إمكانية لعمل يتسم بتعبيريته للواقع المحلي، رغم علاقته بالخارج، وهناك شغل آخر مستلب للخارج فقط. فأنا مع هذا الشغل الذي له علاقة بالعامل المحلي فهنا يتم التحديث، وهنا كانت تجربة التحديث العربي أو تحديث القصيدة العربية في أواخر الأربعينيات من القرن العشرين، وفي عقد الخمسينيات، فهذه التحديثات بقدر ما كانت متأثرة بمنتج الأدب الأوروبي والأدب الغربي الحديث بقدر ما كانت تحاول التجذر في الواقع، ومن أكثر الشعراء الذين أميل إليهم، بدر شاكر السياب لأنه استطاع بشكل كبير أن يحل مسألة العلاقة مابين الخارجي والمحلي، مابين مؤثرات الثقافة الحديثة الغربية، وبنية الأدب العربي، فقد استطاعت قصيدة السياب أن تحل هذه الإشكالية، وبأن يكون شاعر عربي حديث يحمل روح التراث العربي، وليس في الشعر فقط، بل في مجمل المسائل، في الثقافة، في الفلسفة، وفي مجمل قيم المنطقة، وكان قادرا على التعامل مع الطرح الحديث و منجزات الحضارة الغربية الحديثة، وكذلك بقية الشعراء على اختلاف التدرجات والاختلافات، من شاعر إلى آخر فشاعر كبير كأدونيس استطاع أيضا في الوقت الذي يشتط فيه مع الحداثة إلى أقصى حد، كان يغوص عميقا في التراث العربي، سواء في أعماله القديمة أو في آخر أعماله الآن، فأنا أعتبر أن هذا هو الشغل التحديثي أو شغل الحداثة الحقيقي، وأما بخصوص الأشكال الفنية والتي ربما تعتبر إجرائية في شكل كتابة القصيدة، وهل هي تفعيلة أم هي كسر تفعيلة، أو هي خروج من كل أنماط التنظيم العربي والإيقاع العربي، فهذه المسائل ربما اعتبرها إجرائية، ولكن المهم هنا، هي زاوية النظر ومجمل ما نتعاطى معه من مُثل ومن قيم وأفكار ليتم طرحها بالتالي. فكتلة الشعر العربي في عمومها تتناغم مع الحداثة أو مع التحديث، ونحن نسمع في السنوات الأخيرة عن الحداثة، وما بعد الحداثة وجملة من التنظيرات والمصطلحات، والتي كثير منها للأسف غير مهضوم سواء من قِبل من يعيد إنتاج هذه المصطلحات أو ممن يتلقونها، فكثير منها غير مهضوم وغير مبني على أسس علمية وفلسفية، فيتم في أحيان كثيرة جدا التعامل مع هذه المصطلحات وهذه الأشكال من الشغل بشكل سطحي، أو بشكل انتقائي خارجي، دون القدرة على الغوص في العمق الفكري أو الفلسفي لهذه التجارب، ودون الانتباه لتجلياتها الحقيقية في كتلة ثقافتنا العربية!

– يتردد بأن الشاعرية مسألة كونية! مما يستوجب بالضرورة لأن يكون الشاعر كونيا أيضا.. وبالتالي تلاشي الخصوصية! فهل تبدو الخصوصية الشعرية وهما؟! حدثنا عن ذلك؟

– إن كنت فهمت الكونية فإنها تبدأ من موضع قدمي، فمن أمام بيتي تبدأ الكونية باعتبار أني جزء من هذا الكون، فالكونية ليست شيئا خارجا عني، وبالتالي فالكونية تبدأ في أي ثقافة أو فكر أو أدب أو فن تبدأ من الخصوصية والخصوصية الفردية أيضا، وهنا الفردية لا تعني شغل الفرد لوحده، بمعني هذا الفرد المبدع المتمثل لعمق الحضارة التي ينتمي إليها ولمجمل الحضارات الإنسانية. فأنا هنا في هون على إلمام وعلى إطلاع وعلى علاقة بالفلسفة اليونانية التي نشأت منذ أكثر من ألفي عام في اليونان القديمة. إذا…! فالكونية تكوّن جزءا مني وأكوّن جزءا منها، لذا فهي ليست مسألة مجردة إطلاقا، وليست شيئا خارج الذات، فالكونية تبدأ من لحظة الخصوصية، فأي أديب حقيقي في أي مكان من العالم ستجده قادرا بأن يعبّر بشكل دقيق وصادق ومتين ذي قيم من المكان الذي يتواجد فيه، ولا توجد تراتبية في هذه الأماكن..

– هل أستطيع أن أفهم من حديثك بأن الإبداع مشروط بما يسمّى بالتفاصيل المحلية؟!

– الإبداع مشروط بالانتماء للإنسان، فالإنسان هو الإنسان. إنه ذات الإنسان في أي بقعة من الأرض، وأي بقعة من العالم، في أي لحظة من الزمن، سواء كان هذا الإنسان هو سقراط اليونان من ألفي عام، أو الإنسان السنوسي حبيب في سنة 2007، فهو نفس الإنسان والفرق يكمن في ماذا يترك كل فرد من أثر، وفي قدرة الشخص على الإبداع، وقدرته وتميزه وتفوقه على تمثل اللحظة الموجود بها وتمثل التاريخ الذي ينتمي إليه والتاريخ الذي يحيط به. هنا الفرق!! إذا..! فالكونية تبتدئ من المحلية أو من الشخصي، من أي مبدع في أي مكان، فمثلا في لحظة معينة كان هناك أهم الأدباء الذين يمكن لك أن تصفهم بالكونيين، الكولومبي غابرييل جارسيا ماركيز، فهو لم يلغ كون بيكاسو فنانا كونيا، أسباني المولد فرنسي المعيشة، يتساوون في الالتقاء في الكونية، فهذا ولد في اسبانيا وعاش وأبدع في فرنسا وماركيز ولد وعاش وأبدع في أمريكا اللاتينية،فأي شاعر آخر في أي مكان، ولو فرضنا في أصغر قرية أو جزيرة، توفرت له ظروف معينة وشغل معين، من الممكن بأن يكون مبدعا كونيا، إذا…! لا توجد مراتبية في تصوري بأن هذا المكان يتميز عن المكان الآخر، فاليونان التي كانت منبع الفكر الفلسفي ومنبع الأدب ومنبع المسرح منذ ألفي عام، عندما تقاس الآن على مستوى العالم فنتاجها ضئيل وضعيف جدا. ففي يوم من الأيام كانت اليونان هي منبع كافة الفنون والآداب، إذا..! في لحظة معينة، لمبدع معين، في استطاعته بأن يكون كونيا. إذا أخذنا بعين الاعتبار بأن الكون منفتح على بعضه البعض وربما – وأقول ربما – قد يكون هناك تضخيم في بعض المصطلحات أو على الأقل في تعاطينا نحن معها كثقافة عربية! لا أعلم!!

– “تأصيل العصرنة أم عصرنة الأصالة” تساؤل يبدو ملحّا تطرحه معطيات المرحلة الراهنة.. وبدا أيضا بأن الإجابة لا تقبل الحياد.. فهل يمكن أن يكون الشعر طرفا في معادلة العصرنة أو التأصيل؟!

– الشعر الحقيقي في تصوري لا يمكن إلا أن يكون عصريا وإلا سيقع في فخ إعادة إنتاج الآخرين، فعندما يتكئ الشاعر على الماضي ليعيد إنتاجه فهو بالتالي فقد سمة أنه شاعر، وهذا لا يعني بأن لا يشتغل على التراث، فمن الممكن أن تشتغل على التراث، لتعيد قراءة التراث، و لتعيد استنهاضه،ولتعيد اكتشاف بذور وأجنة موجودة في التراث متقدمة وعصرية جدا، لتشتغل عليها، ففي السنوات الأخيرة اشتغل ادونيس على نتاج المتنبي، ذلك المتنبي الذي أُشبع دراسة ًوتنقيبا وتحقيقا وبحثا وتبجحا من قبل الكثيرين، اشتغل عليه الآن ادونيس شغل جميل بالمرة ضمن كتاب في ثلاثة مجلدات، تضمن حوالي ألفين صفحة. إذا مسألة العصرنة لا تعني إطلاقا الانقطاع عن التراث أو القطيعة معه فأنا ضد فكرة القطيعة، فالقطيعة ربما تكون فيها حلول سهلة، ولكن أن تكون جذورك في هذا التراث وأزهارك وأوراقك في العصر فالمسألة فيها صعوبة كبيرة وتحتاج لكثير من الشغل!

– كيف أثرت مرحلة السجن على تجربتك الشعرية، وكيف كنت تتعاطى مع الشأن الثقافي؟

– لا شك في أن تجربة السجن تجربة مهمة وهي ليست مجال، لا للتفاخر، ولا للتباكي، لا لإدّعاء البطولات، ولا لاجترار الأحزان. فتجربة السجن بالنسبة لي كانت كجزء من تجربة الحياة الحياتية العامة، قبل السجن وأثناء السجن وبعد السجن. لكن يظل لهذه التجربة خصوصيتها، فربما من الأشياء المهمة في تجربة السجن، هي أنها تُعلم المرء رؤية نفسه من الداخل وقدرته على تأمل ذاته بشكل مريح وبشكل يستطيع أن يعيد فيه على نفسه الكثير من الأسئلة، فربما تجربة السجن توفر من الوقت ومن القدرات ما يجعل المرء يقف أمام ذاته بكثير من التجرد، وأن يمتحن الكثير من المسائل، كقدرته على الصبر وقدرته على التعامل مع الآخر سواء الآخر الزميل، أو الآخر السجان، وليمتحن قدرته على التسامح في لحظات الضيق، وعلى التسامح مع الآخر الذي ربما هو أيضا ضحية لظروف معينة، أو لتفكير معين أو لصدف معينة، فالسجن يُكشّف فيك قدرات غير عادية أو يحطم فيك كل القدرات، بمعنى أن هناك أحد خيارين فإما أن تكون قادر على التكيف مع الحالة السجنية وتطويعها وتحويلها إلى حالة حياتية عادية أو أن تحوّلك الحالة السجنية إلى شخصية مهزومة، شخصية يهزمها الزمن ويهزمها السجن، فبالنسبة لي ربما كانت من الأشياء المهمة أو الأشياء المنقذة باستمرار من أول لحظة وإلى آخر لحظة، هي أني كنت دائما محمول على فكرة أن السجن مداه قصير، وبأن السجن سينتهي قريبا، فعبر ثلاثة عشر عاما، كنت في كل أسبوع أرى إمكانية الخروج من السجن الأسبوع القادم، إلى أن خرجنا، وهذا سيخلق نوع من الحالة الحُلمية ومن حالة الأمل العالي جدا، وهذا لا يعني بالطبع بأن السجن مكان مريح وبأنه مكان للقراءة وللتأمل والنوم الكثير والنقاشات، لا طبعا، فالسجن حالة إنسانية تحت ظروف غير إنسانية، فهي ظروف استثنائية، وقدرتك على قهر حالة السجن تكمن في تجاوزك حالة السجن نفسها، ويظل بالنسبة إلينا كمشتغلين بالشأن الإبداعي والشأن الثقافي، هو كيفية النفاذ من حالة الوقت السائب، ذلك الوقت السجني المتخثر الذي يكاد يكون متكرر، فاليوم يشبه اليوم والشهر يشبه الشهر، والذي سميناه في لحظة من اللحظات باليوم المستنسخ على آلة -الإستنسيل- فالقدرة الجميلة والمهمة هي أن لا تتحول هذه الحالة إلى رتابة قاتلة ومميتة فيجب أن تكون قادرا على خلق مناشط واهتمامات وخلق قراءات وتأملات أو ألعاب تستطيع بها أن تقهر وقت السجن، فعلى المستوى الفردي كنت طوال الوقت أشعر بنفاذ الوقت، لهروب الزمن، وعدم توفره حتى في الحالة السجنية، وربما استطيع بأن اقسّم المرحلة السجنية إلى مراحل، فهناك مراحل يتوفر فيها الكتاب وتتوفر فيها الصحيفة أو المجلة أو النقاش الجميل، وهناك مراحل أو فترات تغيب فيها كل هذه المسائل، لكن طوال المرحلة ظل مرافقا لنا جهاز التلفزيون الليبي، وربما من حسنات السجن أننا لم ننقطع عن حركة المجتمع الليبي طوال الفترة السجنية، فكنا عبر التلفزيون نعيش حالة من التواصل مع المجتمع، لهذا عندما انتهت الحالة السجنية لم أجد نفسي غريبا عن حركة المجتمع، فكثير من المسلسلات وكثير من الأغاني وكثير من التعليقات ومن النشرات كانت حاضرة أمامي وجعلتني قادرا على التواصل مع الآخرين بعد انتهاء الحالة السجنية، على اعتبار أن ثمة مشترك بيني وبين الآخرين، فالعزلة لم تكن عزلة مطلقة. وربّ ضارة ٍ نافعة، ولاشك بأن بقاء التلفزيون معك طوال الوقت سوف يكوّن لديك حالة من الإزعاج لأن الجميع لن ينام في لحظة واحدة أو أن يشاهد الجميع التلفزيون في لحظة واحدة، فالتلفزيون مفتوح طوال فترة البث وأنت تريد أن تنام أو تقرأ أو تستريح أو… الخ. فالتلفزيون يشكل بالنسبة للسجين حالة إزعاج بالإضافة لكونه نوع من التسلية، لكن ربما من الحسنات الأساسية للتلفزيون، هي أنه وفر لي فرصة للتواصل مع حركة المجتمع الليبي رغم حالة العزلة، وتظل هناك محاولات من قبل الأفراد لتخفيف الحالة السجنية عبر الكتابة أو عبر النقاش أو عبر ما يتوفر من مجلات أو كتب أو ما يتوفر من أخبار في الإذاعة!

– هل كان الشعر خلاصا من نوع آخر؟

– ربما كان الشعر بالنسبة لي نوع من الممارسة القسرية، بمعنى أني كنت مرغما على كتابة الشعر، فهو لم يكن خيارا،على اعتبار توفر هذه الإمكانية وهذه القدرة في داخلي، وفي كل الظروف، فلابد من أن أتناغم مع داخلي وأن اترك لداخلي بأن يعبر عن ذاته وهذا التعبير عن النفس هو القصيدة، وهنا أذكر،أنه في مرحلة من المراحل كنت بصدد كتابة نص وأمامي ورق ولم يتوفر لدي قلم للكتابة وكل ما توفر هو ورق السجائر الفضي الموجود داخل العلبة ومسمار مرمي، فنقشت القصيدة بالمسمار عن طريق الحفر على ورق السجائر الفضي، وكأنها عملية نقش، فلا أستطيع بأن أُسمي الشعر خلاصا، ولكنه جزء من التجربة وهو أحد مسببات الحالة السجنية وأحد مفرداتها أيضا!

– كيف كانت ملامح العالم من خلف القضبان؟

– من الممكن القول، كيف كنت تسمع العالم؟! باعتبار أن وسيلة تواصلنا مع العالم هي الأذن، بمعنى أنك تسمع أخبار سواء في الراديو أو التلفزيون وتسمع ممكن تعليقات وأحيانا يتوفر لك بأن تسمع أحد يعرض كتاب، أو يقرأ كتاب فالمسألة ليست كيف كنت أرى العالم، وإنما كيف كنت أسمعه وكيف كنت أتخيل ما يجري من أمور، لأن حالة العزلة هذه هي حالة مكانية ونفسية أيضا، وحالة معلوماتية بالنسبة إلينا، فالعزلة تحجب عنك المعلومات، وربما يصلك جزء بسيط جدا من المعلومات فكنت أكمل بالتحليل وبالخيال وبتسقّط الأخبار لاستكمال المعلومات الناقصة، فلا يستطيع أحد في السجن أيا كان بأن يدّعي القدرة على الإلمام بما يدور في العالم، وربما كما أشرت سابقا، فقد كانت هناك القدرة بأن نكون على تناغم وعلى تواصل مع المجتمع المحلي، على اعتبار أن جهاز التلفزيون الليبي كان معبرا إلى حد كبير عن حركة المجتمع الليبي!

– كتبت الكثير من القصائد في فترة سجنك! ما الذي كان يدفع بالشعرية نحو التجدد في ظل الروتين والتكرار لذات الوجوه وذات المكان؟ هل كان أمل الخلاص أم كانت محاولة لإعادة رسم ملامح ذات الوجوه وذات المكان؟!

– إن الشعر أولا يقوم على مسألة مهمة جدا، وهي الخيال، ومن المنجزات المهمة للمدرسة الرومانتيكية هي إطلاق مسألة الخيال، أو ما يسمى بالخيال الأول، فالخيال هو القادر على خلق حالة من التواصل مع المستقبل، ومع الآخر ومع كل التصورات، فأنت لتكون شاعر فإن لعبة الخيال ستكون مسألة أساسية جدا، وربما الخيال هو العمود الفقري الذي يُحمل عليه جسد القصيدة، فلا يمكن أن تجد شاعر إطلاقا دون امتلاكه لخيال ٍ خصب، فعبر الخيال ستكون قادرا كمبدع على التعامل مع الحالة السجنية، ومن ثم، تجاوزها، فلهذا تستطيع أن تلغي الكسل أو الركود وكل هذه المسائل، وهناك نص كتبته يمثل الحالة السجنية القاتمة وهو نص “أغنية الفراغ “، فهذا النص يمثل حالة سجنية، ولكن أيضا فإن كتابة النص في حد ذاتها تعتبر محاولة لكسر هذه الحالة، فهي كفكرة التعاويذ، فالتعويذة عندما تقال فهي لأجل خلق حالة من التماهي مع الشيء المخيف، أيضا قصيدة “أغنية الفراغ ” هي نوع من تعويذة لحالة الفراغ ولحالة الركود، وحالة الاضمحلال السجنية،وكونها تُكتب كقصيدة فهي لأجل قهر هذه اللحظة، وهي بالتالي إلغاء لأن تكون في داخلي لتنخرني، فلذا يجب إخراجها وكتابة هذه الحالة في هيئة نص!

– كتبت عن طرابلس في السجن وكأنك جالس بأحد مقاهيها؟!

– هذا السؤال يكمل ما كنت أقوله ضمن الإجابة عن السؤال الماضي، وبالنسبة لي كانت اللحظة الواقعية، هي لحظة ملامسة شوارع طرابلس، وأنا كنت مقيّد كما تقول القصيدة ” القيد في رسغي “، فقد كنت في لحظة خروج من السجن،متوجها لعيادة برفقة الحرس، وفي لحظة ملامسة رجليّ لتراب شوارع طرابلس كانت هي ذات اللحظة التي اشتغل فيها الخيال، فانتقلت من لحظة واقعية إلى لحظة شعرية،فمن لحظة أقف فيها بقدمي ّعلى شارع من شوارع طرابلس، إلى لحظة أجوس فيها عبر الخيال!

– أي أثر تركته القضبان؟!

– لحظة من الصمت تلتها ضحكة كبيرة تبعها بجملة واحدة بدت جازمة: “ما نقوله الآن”!!!!

– لم تكن المرأة رمزا أو فكرة في شعرك! عن أي امرأة ٍ كتبت إذا؟

– أنا لا أتعامل مع المرأة إطلاقا كحِلية، أو كمعادل موضوعي، أو كرمز، فالمرأة جزء من التجربة، وهي ذات رديفة لذاتي، وهي جزء مكمّل،وتاريخ البشرية كلها يقوم على العلاقة بين الرجل والمرأة، لذا فوجودها مندغم مع وجودي، ولا أفضل بأن ُيحول إلى رمز خارجي، فالعلاقة مع المرأة هي علاقة مع جزء مني،وفكرة أن تكون المرأة شيء بعيد أو خيالي لا أحبذها، فهي جزء ملتحم بي، وربما لظرف معين أو لحالة معينة جعلت من هذا الجزء بعيدا عني،وهنا يأتي ما تحدثنا عنه فيما يتعلق بلعبة الخيال في الشعر،لأجعل المرأة موجودة معي، ولهذا في كثير من قصائد السجن تجد بأن وجودها فاعلا، وليس رمزا، فهي جزء من القصيدة وليست رمز لمسألة معينة، كما يرمز البعض للمرأة بالأرض مثلا، فعلى الأقل أنا شخصيا لا أحبذ هذا، ففي الحب هناك حب المرأة وحب الأرض وحب النبات أو السماء أو الشجرة الجميلة، فكل الأشياء الجميلة والممتعة للعين والذات قابلة بأن تّحَب، فأي معنى لحصر الحب فقط في المرأة؟!،وما معنى أن نربط الحب فقط بالجنس؟! فعندما تربط الحب بالمرأة وكأنك ربطت الحب مباشرة ً بالجنس، فيمكن لك بأن تحب شجرة جميلة أو عصفور ولا تمارس معه الجنس، بينما فيما يتعلق بالمرأة فالمسألة مرتبطة بالجنس عندما تجعل المرأة بعيدة، ولكن عندما تكون المرأة ملتحمة بك فالأمر يكون مختلفا!

– ذكرت بإحدى المقابلات بأننا نعيش ثقافة غير نقدية! ما الذي عنيته بذلك؟!

– يرتبط هذا السؤال بذات مسألة التحديث وبالأصالة وبالمعاصرة،فنحن نعيش في بنية ثقافية متخلفة، غير نقدية، بمعنى أننا نعيش على جملة من المسلّمات،فغير مسموح إثارة السؤال، وهذا في العموم وليس في الاستثناء، وغير مسموح بنظرة متشككة أو ناقدة لمجمل الحياة، فهناك أطر وهناك قنوات وهناك قيم، وهناك أساليب منتهية وجاهزة للاختيار، بمعنى “فصّل والبس “. إذا، هذه عقلية غير نقدية وهي سمة من السمات الموغلة جدا في ثقافتنا العربية في عمومها، وليست فقط في ثقافتنا المحلية!

– تبدو غير مكترث للنقد؟!

– لا، إطلاقا!!! لكن المؤسف هو أن النقد غير موجود، باعتبار أن الذهنية والعقلية السائدة في عمومها ونمط التفكير في عمومه والبيئة في عمومها غير نقدية، فهي لا تثير السؤال، فعندما يريد أي مشتغل بالنقد، وأعني النقد الذي يعني طرح السؤال، بمعنى وضع كل الأشياء على كفة الميزان، وعلى كفة التحليل والتجريح وهذا طبعا غير مسموح به، فالبيئة الثقافية لا تسمح بهذا، وليست الثقافية فقط بل الاجتماعية أيضا، فالطور المديني أو الحياتي، أو سمّه ما شئت، لا يسمح بطرح السؤال، فنحن نعيش حالة من القمع المركب ذهنيا وفكريا ونفسيا ومعاشيا أيضا، وهذا القمع المركب يلغي إلى هذه اللحظة إمكانيات النقد، ولا أقصد بالنقد ما يكتب من دراسات تحليلية أو للقصة أو للرواية أو للمسرح… لا! أنا أقصد السؤال النقدي في عمومه، والجرأة على التساؤل، وربما في تجربتنا العربية المعاصرة كانت اللحظات التي يوجد بها تساؤل كانت لحظات مؤلمة، ولا أريد أن أدخل في لعبة ذكر أسماء، أو أن من أثار تساؤلات جذرية وأساسية، كان إما مطاردا أو معتقلا، لذلك فإن التساؤل في بيئتنا العربية في عمومها غير مسموح به!

– ما هي أسباب غياب النقد الأدبي برأيك؟

– إن النقد الأدبي امتداد للمسألة النقدية في عمومها،وفيما يتعلق بمسألة السؤال والقدرة على التحليل. ويحضرني هنا ما قيل عن أن طه حسين جميل،فلماذا هو جميل؟! لأن هذا الرجل في لحظة تاريخية معينة قال بأني أريد أن أكون على نفس منهج ديكارت في الثقافة العربية، فقد أخضع كل المسائل لمنهج الشك، أي لمنهج السؤال،وهذه كانت عظمة طه حسين في هذا المجال، فهو حاول وضع كل الأشياء موضوع للتساؤل، لذلك فالنقد الأدبي متأثر بهذا الجو العام ولهذا – وإلا فينا نذر- فإن ما يُكتب وما يُنشر فهو ليس في إطار النقد الأدبي،وإنما في إطار التعريف والقراءات، وفي إطار البحث الأكاديمي،الذي لا يملك موقف! (شوف).. النقد الأدبي يحتاج إلى عدة مسائل، أولها، يجب وجود موقف فكري محدد تحاكم من خلاله النص، وثانيا، هناك مسألة مهمة، وهي وجود منهجية تحليلية معينة متسقة مع هذا الموقف الفكري لكي يتم محاكمة نص من النصوص،أو وضعه موضع التحليل، والأهم من هذا وذاك، هو وجود بيئة أو مناخ يسمح باستعمال هذا الموقف الفكري والمنهج الفكري المحدد! فمادامت البيئة لا تسمح بالسؤال العلمي الجريء، والسؤال الذي يستطيع وضع المسائل على طاولة التشريح، إذا، لا يوجد هناك إمكانية لأن يكون هناك نقد بالمعنى الحقيقي وبالمعنى العلمي للكلمة!

– كيف ترى انشغال بعض الشعراء بالنقد؟ هل يبدو ذلك تورطا؟

– أنا لا أعتبر ما يقوم به الشعراء من دراسات ومن كتابات -إلا فيما نذر ربما- أو ربما قد أكون غير مطلع عليها، لا أعتبره ضمن النقد الأدبي، ولكنه من باب محاولة تقريب النصوص للقراء، أو محاولة أحيانا يقوم بها لقراءة لعمل زميله من الشعراء،لأنه يجد في هذا الشغل الذي أمامه، بأن يعبر عنه هو، لوجود إحساس بأنه هو من كتب العمل، أو لإحساسه بأن الشغل في جزئية من جزئياته يعبر عنه، ليكتب عن العمل من باب التعريف ومن باب القراءات في شغل الآخرين، وأنا لا أستطيع أن أسمي كل شاعر بأنه ناقد، فهناك شاعر وهناك ناقد، وما نقوم به كلنا – في تقديري – هو نوع من الجهد الثقافي لصالح الثقافة بشكل عام، والجهد الناتج من اضطرار الشاعر بأن يكتب عن زميل له، هو من أجل تقريبه للناس وبأن يقول لهم ” انتبهوا.. فإن لديكم شاعر “، وقد يضطر الشاعر لأن يقوم بدور غيره، لأن غيره لم يقم بهذا الدور، فكأن نقول هناك شاعر أو قاص أو روائي يجب أن نقول هناك ناقد. بمعنى الكلمة للناقد، لأن موهبته نقدية ولأنه ربّى نفسه وثقف نفسه واشتغل لكي يكون ناقدا، قادرا على القراءة التحليلية والقراءة العلمية والأدبية والفنية الجيدة للنص الذي يشتغل عليه.

– إلى ما تعزو غياب تأثير التجارب الشعرية في ليبيا على المشهد الثقافي العربي؟

– أعزوها إلى تخلف وسائل النشر، والإعلام، والإعلان، والتسويق المحلي.!!!

– هل تحوّل الشاعر إلى فيلسوف كونه شرّع نوافذ السؤال غير مكترث للإجابة.. سيما وأن عديد التجارب شكلت نزعتها الوجودية ملمحا مهمّا تميزت به عن غيرها؟

– منذ بداية نشأة الشعر وحتى هذه اللحظة ثمة علاقة حميمة إن لم تكن مندغمة بين الشعر والفلسفة، فالشعر تجلي من تجليات الفلسفة، والفلسفة معنى من معاني الشعر، وربما لا أضيف جديد عندما أقول بأن أول من نظّر للشعر هو الفيلسوف أرسطو، وكل التنظير النقدي حول الشعر يعود لنظرية الشعر عند هذا الفيلسوف.وهو معروف كفيلسوف أولا، وكمنظّر للشعر ثانيا، فإذاً..! مسألة اقتران الشعر بالفلسفة تبدو كصنوان من أصل واحد، فلهذا أن يبرز التفلسف – إن فهمت من الفلسفة بأنها تعني طرح الأسئلة – فهذا شأن، وإن فهمت التفلسف على أنها الكتابة بلغة صعبة أو بلغة محمّلة بكثير من الأفكار لا يستطيع القارئ العادي الوصول إليها فذلك شأن آخر!

– أنا أتحدث تحديدا عن طرح الشعراء للأسئلة.!

– إن الشعر إن لم يكن بسؤال فهو ليس بشعر، فالعمل الشعري لابد بأن يحمل الأسئلة، و ليس بالضرورة بأن تكون أسئلة مباشرة،فهو- أي الشعر – يتعامل مع المجهول ومع الآتي فهو يتعامل معه عبر سؤال. هذا السؤال الذي له تجلياته في القصيدة، والقصيدة نوع من أنواع السؤال، وإلا تحولت إلى نوع متخلف جدا من القصيدة، وأنا لا اعتبر النظم أو الصنعة شعرا، بمعنى أن التمكن من اللغة ومن الإيقاع ومن القافية ومن كل هذه الأدوات الإجرائية، هو الذي يكوّن هذه الشاعرية، فالشاعرية تكمن في القدرة على إثارة سؤال، والقدرة على الحُلم، وهنا الفلسفة تقوم على سؤال والشعر أيضا يقوم على سؤال.

– لا تعتبر ما تكتبه نثرا وتشغلك البنية الإيقاعية في النص! هذا يجرني لسؤالك عمّا إذا كنت تبحث عن تأصيل الوعي في تجربتك من خلال اشتراطات تُقيمها على النص لحظة انجازه؟!

– أنا من النوع الذي يؤمن بأن ثمة شعر وثمة نثر. فالشعر كما أشرنا يقوم على مبدأ طرح السؤال وعلى مسألة الخيال، وأي أسلوب كتابة توفر فيه عنصرا السؤال والشغل بالخيال، فإذا،،،! هو امتلك الشعر، أما كونه يُكتب بجملة تفعيلات متناظرة ضمن عمود شعري معين، أو بتفعيلات غير متناظرة أو يُكتب بدون تفعيلات فهذه مسائل بالنسبة لي يمكن أن تُسمى بالمسائل التطبيقية،أو الأدوات أو المسائل الفنية لكتابة الشعر. في هذا الإطار أجد هناك شاعرية وأجد متعة، في قراءة قصيدة لامرئ القيس أو لطرفة ابن العبد أو لأبي تمام، أو للبحتري أو للمتنبي أو لأبي العلاء المعري، في نفس الوقت أجد الشاعرية في قصيدة لبدر شاكر السيّاب أو ادونيس أو أنسي الحاج،أو رامزالنويصري في ليبيا، فيجب أن تكون هناك شاعرية، وكما ذكرت في البداية، فالقصيدة يجب أن تحمل سؤال، ويجب بأن تكون متأسسة على مبدأ الخيال، وأما مسألة أن تحمل أدوات تعبيرية، فهي بالطبع مسألة مفروغ منها.

– حدثنا عن قصيدة “تهويم سوريالي” في مجموعة شظايا العمر المباح؟ هل كنت تبحث عن نص استثنائي بشكل ٍ ما؟

– إن قصيد ة ” تهويم سوريالي” مختلفة عن القصائد السابقة لها، لكنها متناغمة مع ما ولد بعدها من قصائد، وربما هناك شيء من التجريب في هذه القصيدة، وهو التجريب الفني في الشكل، وربما أيضا على مستوى الفكرة، هناك اختلاف، فكان فيها لعب على قصص أو خرافات تراثية، ولعب على العصرنة،على اعتبار أنك ستجد في نفس القصيدة قصة هدهد سليمان، وتجد الضارب على الكمبيوتر، خاصة ً في الوقت الذي كتبت فيه القصيدة، حيث كان دخول الكمبيوتر إلى المنطقة العربية حديث وهي قصيدة قديمة إلى حد ٍ ما، وهي ليست من القصائد الأخيرة، فربما كُتبت سنة 90، على ما أظن، فالقصيدة لها خصوصية معينة، سواء على مستوى الشكل أو على مستوى ما تتعاطى معه من أفكار، وفيها أيضا نوع من اللغة السياسية ، وأعني اللغة السياسية في الشعر، وليست اللغة السياسية المباشرة.

– قدّمت مدخلا شعريا كًتب في البدايات بعنوان “كان المغني” في ذات المجموعة ضمنته مقطعا باللهجة العامية راق للكثيرين، لما كانت الفكرة يتيمة؟

– أذكر إن هذا المقطع كان ضمن قصيدة كتبتها سنة 74، والآن لا أذكر القصيدة كاملة، لأنها لم تنشر ضمن أي مجموعة، وهذه القصيدة كان بها تضمين للأغنية الشعبية، وهي الأغنية الشعبية الشهيرة للفنان “عمر مسعود”، حيث كان أهم مقطع بها هو المقطع الذي يقول ” يا دنيا ديري الناس سوا.. واحد تعطيه وواحد لا “.ولا أدري، فقد استجابت مع بعض الجوانب في داخلي، فبدل أن أكتبها بالفصيح كتبت هذا المقطع في القصيدة، وربما تكررت مسألة التضمينات الشعبية في بعض القصائد الأخرى الغير منشورة ضمن المجموعات.

– ما دواعي كتابتك لصوت الإيقاع في نص “نانا مليحة” المنشور ضمن مجموعة المفازة؟

– لأن هذا النص بالنسبة لي كان المحرك له هو محرك إيقاعي، بمعنى، أن رقصة نانا مليحة في ” القنقا “، المعروفة في زلة، يمكن القول بأن طقسيّة أو شعيرة نانا مليحة كانت عبارة عن رقصة القنقا، وهي عبارة عن مجموعة إيقاعات، من آلة الإيقاع الشعبي ” الكربك ” بالإضافة إلى الطبلات، ثم تدخل رقصة قرع العصي وهي شبيهة “بالكسكا “، فهنا كان الجو إيقاعي. وبالنسبة لي لو كان في استطاعتي أن أكتب قصيدة عبارة عن إيقاعات لكتبتها، لكن لم يكن باستطاعتي ذلك، فلهذا استخدمت الإيقاع كمدخل للقصيدة، وكعمود فقري يرفع القصيدة…أي الإيقاع مباشرة ُ وهو.. شك شك بم.. وهي الأصوات الإيقاعية القادمة من الآلات سواء كان الإيقاع ” تك ” الناتج من ضرب الراقصين للعصاوين أو إيقاع آلة الكربك.

– حدثنا عن تحولات النص من خلال تجربتك؟

– إنك هنا تلمس تجربة الكتابة الشعرية بالنسبة لي. وطبعا أصبح هناك عمر لهذه التجربة، فعندما أحسب النصوص التي اعتمدتها كنصوص، من سنة 70 إلى الآن ونحن في عام 2007، فإن المدى الزمني يتعدى 35 سنة، وهنا أستطيع أن أذكر أحد المسائل المهمة في تجربتي، وهي أن الإيقاع مهم بالنسبة لي، وإن لم يكن ضرورة الإيقاع المنتظم،أو الإيقاع التقليدي، فأنا لدي حرص على موضوع الإيقاع، والبناء الشعري فيه مسألة الإيقاع مهمة جدا، ولكن هذا لا يعني التقيد بتقطيع معين للإيقاع، فهناك الإيقاعات العالية وهناك الإيقاعات المنخفضة، وهناك المركبة، فهناك تنوع في الإيقاع، فبالنسبة لي الإيقاع مهم، لكن لا يعني بالضرورة الانتظام على شكل معين، وليس من الضرورة بأن يتوزع الإيقاع في شكل وحدات، كما في توزيع الخليل ابن أحمد الفراهيدي، عن طريق أربعة توقيعات على اليمين وأربعة أخرى على اليسار أو ثلاثة ونصف وثلاثة ونصف،،،، وإلى آخره من تقسيمات بحور الشعر، وليس لدي أيضا الإصرار على الالتزام الكامل بوحدة إيقاع التفعيلة، كما هي تجربة الشعر الحديث، فالشعر الحديث كما هي عند السياب والبياتي وإلى آخره من الرواد، الذين اعتمدوا وحدة التفعيلة، سواء فعول ٌ أو مفاعيل ٌ أو مفعلة ٌ أو فاعلات ٌ وإلى آخره من التفعيلات الخليلية الأصلية. وبالنسبة لي لا توجد لدي مشكلة في التعامل مع مجمل هذه التقطيعات للإيقاع، فأحيانا أستعمل التقطيعات الخليلية، وهذا يحصل إلى الآن، ففي قلب القصيدة تراني أكتب بالتقطيعة الخليلية ، بثلاثة على اليمين وثلاثة على اليسار أو أربعة على اليمين وأربعة على اليسار، وتجد هذا في قصيدة المفازة مثلا، فتجد مقطعا كاملا تستطيع أن تعتبره عموديا كأساس لوحدة البيت التقليدي، وبشكل عام، تجدني أكتب بالتفعيلة الحرة، حيث لا أهمية لعدد التفعيلات في السطر الواحد، فقد تكون هناك أربع تفعيلات أو ستة تفعيلات أو تفعيلتين أو تفعيلة واحدة أو أحيانا حتى نصف تفعيلة، كتفعيلة فعول ٌ بأن تستخدم منها فقط – فعُو – أو أستخدم – لُن – فقط… وإلى آخره،، فالإيقاع مهم بالنسبة لي، ولكني غير ملتزم بنمطية محددة، وأيضا من ضمن تجربتي – وذلك حسب تصور الدكتور كمال أبو ذيب – هو الشغل على البنية الإيقاعية، والبنية الإيقاعية العربية على الأقل كما أفهمها، تقوم على مبدأ الساكن والمتحرك وهو التقطيع الصوتي، وهو ساكن ومتحرك أو متحركين وساكن، أو متحرك وساكن ومتحرك، فهذه كلها تقطيعات صوتية، فبالنسبة لي فأنا أشتغل على هذه الجزئية، أي أشتغل على الصوت، بمعنى التقطيع الصوتي الذي يحوي حركة وسكون، أو حركتين وسكون،أو حركة وسكون وحركة، وهذا ما أعتبره وحدة البناء الإيقاعي، بالنسبة لي، أما عن كيفية تلبّسها في السطر الشعري أو المقطع الشعري، أو كيفية تلبسها في القصيدة الشعرية، فإن ذلك يتم وفق كل لحظة شعرية، أو كل تجربة شعرية لكل قصيدة من القصائد، ولكن هناك مسألة أخرى أراها مهمة في تجربتي، وهي ما أطلق عليه “القصائد الأمهات “، فلابد بأنك لاحظت بأن هناك بعض القصائد التي لا تنتهي عند نهايتها، فالقصيدة تنتهي، ولكن عندما تكمل قراءتها تشعر بأن لها امتدادات غير موجودة، تم تقرأ قصائد أخرى، لتجد أجزاء أو بعض مسائل معينة متكررة معك من قصائد سابقة، كقصيدة العاصفة، وقصائد أخرى كثيرة كقصيدة المفازة، فهي من قصائد الأمهات، ومثل القصيدة التي أشرت لها في أحد أسئلتك وهي ” تهويم سوريالي “،فهي من قصائد الأمهات، لوجود امتدادات لها تجدها في قصائد أخرى،فتتولد بعدها قصائد أخرى ذات علاقة عضوية بهذه القصيدة الأم، والتي غير منقطعة الصلة عنها، وهناك قصائد أخرى ليست لها أي علاقة بغيرها من القصائد.

– هل يمكن للتجربة -أي تجربة- بأن تشيخ أو تتراجع؟ ما الذي يقودها لذلك بنظرك؟

– إن أي تجربة قابلة لأن تشيخ، ولكن هناك الشيخوخة المبكرة، التي تتجسد وتتمثل في سرعة تكرار النفس، بأن يصل الكاتب أو المبدع في أي مجال من المجالات بأن يكرر نفسه، ولكن في وقت مبكر، وأسباب ذلك بالطبع عديدة، كالكسل في الشغل، الذي يعتبر سبب من الأسباب المهمة، وأيضا الاستنامة للمنجز، كأن ينجز أحدهم في بداياته عملا ما، كرواية متميزة أو مجموعة شعرية متميزة،أو مجموعة لوحات متميزة، ليستنيم بأنه أنجز شيئا، ليعيد تكرار نفسه، ليصل بأن يشيخ شغله مبكرا، بالإضافة إلى انطفاء جذوة الحلم عند المبدع، فبعد فترة معينة هناك من يشعر بأنه أنجز، وبالتالي يصبح غير قادر على تجاوز نفسه،فهنا تشيخ التجربة مبكرا أيضا، ولكن عندما يكون المبدع حريص باستمرار على تجاوز نفسه،وعلى إعادة النظر في تجربته، وبقراءتها بشكل واعي، بعد إنجازه لها، ليسأل نفسه عند إكماله لمرحلة معينة، هل عليّ أن أدخل مرحلة أخرى أو أن أتوقف؟!! فيفترض به كمبدع بأن يجعل هذا السؤال أمامه دائما، فكثيرون جدا توقفوا عند مرحلة معينة لتنتهي تجاربهم، ولدينا هنا المثال الشهير جدا للشاعر الشهير أيضا “رامبو “، الذي لم يتجاوز شغله السنة أو السنتين، ليتوقف، فانتهى ثم مات بعد ذلك، ليخلّف وراءه مجموعة شعرية أو اثنتين لا أكثر، ولكن كان أثره مهما جدا، فمن الممكن جدا بأن يتوقف المبدع، ليتفادى مطب تكرار نفسه ولو بأشكال مختلفة.

– ما الذي يمكن أن يضيفه المكان على التجربة؟

– إنك هنا تلمس مسألة مهمة بالنسبة لشغلي كله… وهي مسألة المكان، وطبعا أنت لاحظت بأن لدي مجموعة شعرية كاملة تحمل اسم ” ذاكرة المكان “، والتي ستصدر قريبا إن شاء الله، فالشغل على المكان أو ذاكرة المكان، ربما هي من الأشياء التي ولدتها لدي الحالة السجنية، فأول فكرة للاشتغال على ذاكرة المكان تمت في السجن، وربما أول نص بالنسبة لي تُذكر فيه فكرة ذاكرة المكان هو نص كتبته في السجن، وأذكر بأن هناك مقطعا صغيرا ضمن قصيدة كاملة عن المكان “السجن” كان يقول :

“ربما، صار هذا المكان مسرحا أو حديقة..

ربما يلتقي العاشقان..

ربما قرأ ذكريات المكان.

فمن هنا تولدت لدي فكرة ذاكرة المكان، وبدأت تتطور، والتي من ضمن تطوراتها هي أني كلما ذهبت في السنوات الأخيرة لأي مكان، يلفت انتباهي البحث في ذاكرة هذا المكان،ليتم البحث في ذاكرة هذا المكان من خلال شواهده المهمة، ففي كل مدينة أو قرية ستجد شاهدا مهما جدا، كرمز لهذه المدينة أو القرية أو لهذا المكان، فهو يثيرك وتستطيع بأن تُلخص فيه المكان، كما تتلخص باريس مثلا في برج إيفل، وكما تتلخص مصر مثلا قي الأهرام، أو تتلخص ليبيا أو طرابلس في السرايا الحمرا، فهذه التلخيصات تتم عبر ذاكرة المكان.

– اشتغلت في سنوات عديدة بما سميته بـ”الثقافة التطبيقية”.. هل كانت مشروعا بديلا؟ ما الذي تحقق من خلالها؟

– بعد عودتي إلى هون سنة 88، تولدت لدي فكرة الاشتغال على ذاكرة المكان، وطبعا الاشتغال عليها ليس شعريا، ولكن بنمط آخر، وهنا تولدت فكرة تأسيس مكان يهتم بذاكرة هذا المكان، وهي القرية أو البلدة أو المدينة التي ولدت بها والمغمور بها، فأسست مع مجموعة من مثقفي المدينة، ذاكرة المدينة، وهي تهتم بالشأن الثقافي، وبالشأن التراثي العام لهذه المدينة، والتي هي جزء من هذا الوطن – ليبيا -، وهنا وجدت نفسي في مجال ما أطلق عليه الثقافة التطبيقية، فلم يعد الاهتمام الأساسي هو النص الشعري ، بل أصبح الاهتمام منصب في البحث في إمكانية تنمية المكان، المكان كحيز، والمكان كتاريخ متجسد على هذا المكان، بمعنى البحث في هذا المكان، وعن ماهية قيمته الإنسانية، في مكان يعتبر ظاهريا طاردا جدا، لتنشأ حياة وينشأ استقرار، وتنشأ فنون وآداب في هذا المكان، فأصبح السؤال بالنسبة لي، هو البحث في هذا المكان ومحاولة البحث في ذاكرة هذا المكان، والذي ترتب عليه تأسيس ذاكرة المدينة، ثم التوجه إلى المدينة القديمة والعمل فيها باليد مباشرة ً، في صيانتها، في ترميمها، وفي البحث فيها، في المحافظة عليها… وإلى آخر هذه المشاريع، وتولد عن هذا الاهتمام بالثقافة التطبيقية عدة اهتمامات.

– ماذا على المنجزات التي تحققت؟

– وأما عن الإنجازات الأساسية المتحققة من خلال هذه الثقافة التطبيقية هو كما ذكرت لك سابقا تأسيس ذاكرة المدينة، وبدون تبجح، فهو المكان الوحيد في ليبيا إن لم يكون الوحيد في الوطن العربي، فلا يوجد مكان يسمى ذاكرة المدينة، فهذه الفكرة شاعت عندنا واستعملت قبل حتى أن يصدر أول كتاب يحمل هذه الفكرة، وهو كتاب “ذاكرة ملك”، للملك الراحل الحسن الثاني، الذي صدر منتصف التسعينيات من القرن الماضي، فذاكرة المكان، أول إعلان عنها كان سنة 89، وتم التأسيس سنة 92، وقد شاعت في الثقافة العربية في السنوات العشر الأخيرة،فكرة البحث في الذاكرة، وعندما نرجع لتاريخ الثقافة العربية المعاصرة،ستجد أن استعمال مصطلح الذاكرة بهذا الشكل حديث جدا، ولا يتجاوز عمره العشر أو الخمسة عشر عاما، فنحن كنا فعلا من المبكرين جدا في طرح هذه الفكرة، ففي السابق مثلا، كان يستعمل مصطلحات كالتراث أو التاريخ أو الفلكلور، لكن فكرة ذاكرة المكان أعتبرها من خصوصيات هذا المكان (هون).

– لو شطحنا بالحُلم حد الرغبة في تدريس قصيدة النثر إلى جانب العمود في مدارس التعليم الأساسي! هل يبدو الحلم مشروعا؟! أم أن الفكرة لا تتعدى حدود العبث وجنون الطموح؟!

– إن الفكرة منطقية جدا…! فأن يتم تدريس أحدث أنماط القصيدة ضمن مناهج المدارس!هذا منطقي جدا..! فأنا أذكر في أوائل السبعينيات، تجرأ بعض الأساتذة الليبيين على تدريس الشعر الحديث من ضمن المقررات الجامعية، ففي منتصف هذا العقد كانت أشعار السياب تّدرس في الجامعات الليبية ضمن النصوص الشعرية، وهذه تعتبر نقلة متطورة طبعا في سنة 75، بالرغم من أن الشعر الذي كان مسيطرا هو شعر القافية والعمود. فمنطقي جدا أن تدخل كل الأنماط الحديثة ضمن المناهج التعليمية، وتظل المسألة هي أي النصوص التي يتم انتقاؤها، وأي النصوص المعبّرة عن الحالة فعلا، فليس كل نص يمكن بأن يُدرّس، بمعنى أنه لابد بأن يكون في النص جماليات معينة، وفق نمطه هو أو مدرسته هو، فلا يجب أن يكون نصا هشا مثلا أو نصا ضعيفا، وفق المدرسة التي ينتمي إليها، كأي مدرسة من المدارس الشعرية، لذا يجب أن يتم اختيار أجود ما فيها من نصوص، فهذه الفكرة ليست بالحلم، وليست بالعبث، بل من الواجب تطبيقها،ودخول هذه النصوص ضمن مناهجنا الثانوية، لعدم وجود ما يمنع من تطبيقها إطلاقا!

– تبدو دائم البحث عن الحلم! ما الذي تحقق من الأحلام على مدى يزيد عن الثلاثين عاما من الشعر؟

– كما ذكرت سابقا، إن من يشتغل على الهم العام،أو في الثقافة،أو من يشتغل على الشعر، لابد أن يكون دائما ممتطي مهرة الحلم، وإن قصدت في سؤالك ماذا تحقق من مشاريع، ستجد بأن المسألة المهمة هي بأن يكون الإنسان متساوق مع نفسه، فالتساوق مع الذات عملية مهمة جدا، فأي فنان غير متساوق مع ذاته، فإنه بعد رحلة معينة، تقصر أو تطول، سيصاب بالإحباط وأحيانا بالعزلة، وأحيانا يكفر بكل شيء، لكن عندما يكون لديه درجة عالية من التساوق،فستكون بالتالي لديه درجة عالية من الرضا على النفس، ولا يوجد طبعا المنجز الكامل، فالإنسان مشروع دائما يتحقق، والإنسان ليس مشروع منجزا، ففي كل مرحلة عمرية يمكن أن بكون قد حقق جزء معين،وقد يكون هذا الجزء هو أفضل ما لديه، فليس بالضرورة بأن تكون مثاليا أو نموذجيا، لكن المهم هو أن تكون متساوقا مع ذاتك،وهذه هي المسألة المهمة، وبالنسبة لي على الأقل، فأنا لا أشعر إطلاقا بالحسرة،أو بالندم،على مجمل التجربة، بكل مشاكلها ومتاعبها، وبكل ظروفها، فلدي درجة عالية جدا من هذا التساوق معها، وهي لا تؤثر على أدائي اليومي أو أدائي في حياتي العامة. لذا…! فأنا راضي جدا!

– ربط هيجل ازدهار الرواية بالثورة البرجوازية! إلى ما تعزو انتفاض عنقاء السرد من جديد؟ هناك اعتقاد بأنها ستلتهم غيرها من أجناس الأدب؟! كيف ترى الأمر؟!

– ربما من المسلمات الثقافية، هي أن الرواية فن العصر الحديث، وعلى طريقة العرب في إطلاق الشعارات، عندما يصفون الشعر بديوان العرب، فعلى هذا المنوال، فإن الرواية هي ديوان البشرية، فالرواية أحدث جنس أدبي وأكبر منجز، في الأدب، فرغم أهمية المسرح، ورغم أهمية الشعر، والقصة، إلا أن الرواية إلى الآن تلعب دوراً كبيرا جدا في الأدب، وكتابتها ليست من البساطة بمكان، فلها شروطها، ولها مصاعبها، ولها إمكانياتها، فمنجز الرواية، مقارنة بغيرها من الفنون الأخرى كالمسرح،أو الشعر، تبدو حديثة طبعا، فهي من منتجات القرن الثامن عشر، أما الشعر، فيتجاوز عمره الألفين أو الثلاثة آلاف سنة، ولو رجعنا للطقوس الفرعونية أو السومرية، فسنجد أن الشعر هو الأقدم بكثير، وأيضا هناك الشعر العربي، فهو جدا قديم، ورغم أن الرواية في عمر فتوتها الآن، لازلت ذات زخم عالي، ولازالت تسيطر على الساحة بشكل واسع، ولازالت تلبي الكثير من مطالب المبدع، ومن مطالب المتلقي، فالرواية إلى الآن هي أكثر الفنون قدرة على استيعاب الهموم الإنسانية، وبشكل أوسع من القصيدة، على اعتبار أن الرواية تتعامل مع شريحة من الحياة ضمن زمن ذي امتداد معين، فمن سماتها اشتغالها على الزمان، بالإضافة إلى المكان، فهذا الاشتغال على هذين العنصرين، يعطيها فرصة أكثر من غيرها من الفنون الأخرى، ولتعدد التجارب الإنسانية فيها أيضا فهي تقوم بتسجيل جملة من التجارب في إناء واحد، وهو متن الرواية، وهي لازالت معبرة عن هموم الطبقة الاجتماعية الأكثر تحققا…

– تقصد المهمشين والمظلومين و…؟

– لا لا.. إنه ليس حتى بهذا المعنى، بمعنى أن الرواية إلى حد كبير، هي من إنتاج ذهنية البرجوازية الصغيرة، أو البرجوازي الصغير، سواء في عصورها القديمة أو الآن، فلابد لمنتج الرواية، بأن يكون على قدر لا بأس به من المستوى التعليمي، والفكري، وبأن يملك من الإمكانيات التي تؤهله لكتابتها، ومن الوقت المتاح أيضا، ولابد بأن يسمح وضعه المعيشي بأن يشتغل على الرواية.

– هل الشعر مهدد… كما يسود الاعتقاد؟

– أنا أرى بأنه لا يوجد فن يهدد فن آخر، فطالما وُجدت الإنسانية، وطالما هناك بشر يحيون على سطح الكرة الأرضية، فسوف تظل كل الفنون قادرة على أن تجد مبدعيها، وأن تجد متلقيها أيضا، فالرواية لا تمثل تهديدا للشعر إطلاقا، بدليل أنه حتى هذه اللحظة، نسمع عن عشرات الروائيين،وعن مئات الشعراء، فلا يوجد تنافس بين الرواية والشعر…!

– هل هناك هواجس لتحول أدواتك نحو السرد؟

– إن الكتابة في كل أصنافها تكمن في تحقيق إشباعات معينة، وربما في لحظة معينة تلجأ كمبدع لنمط من أنماط الكتابة، لشعورك بأن هذا النمط هو الذي سيكون قادرا على إيصال ما يعتمر في داخلك، من فكرة ومن رغبة في تحقيق هذه الفكرة، فتشعر في لحظة معينة، ضمن هذه الفكرة، أو هذا النزوع المعين، بأنك غير قادر على الكتابة في شكل قصيدة، وربما تفكر بكتابته بشكل سردي، أو على شكل حوار، ولا أستطيع أن أدّّعي بأني بصدد كتابة رواية،أو مسرحية، ولكن يبقى لدي مشاريع معينة، تتعلق بالسرد بشكل من الأشكال، وبالحوار بشكل من الأشكال، فهناك مشاريع أقلّبها من سنوات، وأفكر فيها، وربما ستجد الوقت الملائم للاشتغال عليها…

– هناك محاولات لاستنساخ تجربتك.. كيف ترى الأمر؟

– يفترض لأي كان، عندما يمارس الكتابة، بأن تكون هذه الكتابة ذات تأثير، وخاصة ً في الشعر، وهذا التأثير، من بين تجلياته، بأن يأتي غيرك ليعجب ربما بشيء من شغلك، فيتسلل إليه هذا الجزء من شغلك، إلى شغله هو! سهوا أو عمدا.. فتستوي هنا العملية، وبالنسبة للمبدع أو المشغول بالهم العام والهم الثقافي وبالشعر. لا تمثل له هذه المسألة – وهي التأثير – مسألة مهمة فمجرد كتابة النص ومن ثم نشره، فهو بذلك يخرج عن – أُبوّتك – له كمبدع، ولن تتعامل معه كما تتعامل مع أحد أطفالك، أو أخوتك، بل يصبح النص ملك للجميع، وربما لو تحدثنا بأكثر أريحية، ولو رجعنا لكتلة الشعر العربي القديم، ستجد أن المشترك وأن ما يتم تداخله بين الشعراء كثير جدا، فلو أخذنا مسألة مثل مسألة الوقوف بالأطلال، عندما يقول امرؤ القيس ” قفا نبكي من ذكرى حبيب ٍ ومنزل ِ.. “، فهو يوصف بأنه أول من وقف وأول من بكا على الأطلال، ولكن هذه الفكرة تم تداولها عند الكثير من الشعراء، ولم يعِب ذلك امرئ القيس ولم يُغظ أيضا امرئ القيس، ولم يعب من اشتغلوا على هذه الفكرة،أو على هذا السياق، ففي الأدب، وفي الشعر تحديدا، أنا شخصيا أرى بأن مسألة التسرب أو الاستعارة من الآخر داخل شغله، هي من المستساغات، وربما تكون لدي شخصيا، وبدون وعي تسربات من شعراء آخرين، وهنا أقول ربما،،! ولن أنزعج من ذلك لو أشار لي أحد ما، بوجود شطرة من شاعر معين،أو بيت، أو فكرة، فلن أنزعج من ذلك نهائيا، فربما تستطيع أن تسميه إنجاز مشترك للعصر أو للفترة أو للمرحلة، وربما تستطيع بأن تسميه، التغطي بلحاف واحد، وهو لحاف الشعر، بل يجعل من المستساغ ومن المستسهل بأن يتسرب إليك أشياء من الآخرين أو العكس، ولكن القبيح في الأمر، هو وجود، ما عُرف بالسرقات الأدبية، أو السرقات ذات التعمّد، وذلك بأن تتم سرقة شطر من بيت أو مقطع، والأدهى من هذا، هو بأن يدّعي بأنه صاحب السبق فيما سرق، فهنا يكون هناك إزعاج، وبالنسبة لي لا أحس إطلاقا بهذه المسألة، سواء في تعاملي مع منجز الآخرين، أو عندما أنسجم معه، وأشعر بأنه دخل في داخلي، ولا عندما أجد أحيانا وأنا أقرأ، بأن أجد هناك ظلا لإحدى قصائدي، في قصيدة لشاعر آخر!

– كنت تؤمن بأن إنسان القرن الواحد والعشرين ستشرق من عينيه الشمس؟

– ربما مسألة الحلم التي أشرنا إليها أكثر من مرة، هي التي تدفع باتجاه تورط الشاعر في كتابة تاريخ محدد، لمنجز معين، وربما عبر حداثة التجربة في عام 74 أو 75 هي التي قادتني لأن أتورط في كتابة قصيدة تتنبأ بأن أطفال القرن الواحد والعشرين، هم أطفال جميلين، وأطفال بهيين، ورائعين ومتخلصين من كل الآلام والمشاكل،بينما يثبت التاريخ الآن، وبعد دخولنا للقرن الواحد والعشرين، ونحن في العام السابع منه، أن البؤس لازال موجودا، بل ربما زاد البؤس بؤسا ولا زال الأطفال مشردون، في فلسطين وفي العراق،وفي الصومال وفي أمريكا اللاتينية، وربما حتى في أمريكا وفي أوروبا، فأطفال القرن الواحد والعشرين ليس بالضرورة بأن يكونوا أطفالنا نحن العرب، أو المسلمين، أو الأفارقة، بل أطفال كل العالم، فهل أطفال العالم الآن هم أسعد من أطفال القرن العشرين؟! لا أظن! فمعدل الرعب الذي يمارس، والذي يجرح رؤية الأطفال، ليتغلغل في ذاكرتهم، ربما يكون الآن أعلى من تلك المعدلات التي كانت في نهايات القرن العشرين، وما تعرضه تلفزيونات العالم الآن، من صور الرعب والدمار، والقتل والتشرد ربما أعلى مما كان يعرض في تلك السنوات، فهي حالة نبوءة أو حالة حلم، والشعر فيه حلم، وفيه تنبؤ دائما بمستقبل أفضل وأجمل!

– أخيرا.. هل الشعر بخير؟!

– أكيد الشعر بخير، بدليل أنه لازال هناك شعر، ولازال هناك مؤتمرات للشعر ومنتديات للشعر، ولازال هناك الإنسان المتذوق للشعر، بتشكلاته المختلفة،فالشعر ليس بالضرورة بأن يكون قصيدة المنبر أو الأمسية، ففي الإنترنت نقرأ عشرات القصائد يوميا، وتقام في العالم العديد من المهرجانات للشعر، فالإنسان لن يستطيع أن يعيش دون الحلم، والشعر حلم، وهو كغيره من الفنون في الحياة فهو ضرورة من ضرورات الحياة وإمكانية من إمكانياتها، فالشعر موجود، وسيظل موجود،وطالما هناك حياة إنسانية، وهناك إنسان سوف يكون هناك شعر، فهو موجود في كهوف الإنسان الأول، وموجود الآن في قُمرات المراكب الفضائية وفي أحدث استوديوهات العالم، سواء في أغنية، أوفي قصيدة ، أو في لقاء جميل!

*عن موقع ليبيا اليوم

مقالات ذات علاقة

الشاعر الليبي عبد الله زاقوب: الـشـعـر مـوحـد الـشـعـوب

المشرف العام

الناقد: أحمد الفيتوري/ إبراهيم الكوني يلخص العملية النقدية في ليبيا

المشرف العام

خيميائي مصراتة محمد بن لامين: لستُ فناناً سياسياً​​​​​​​

المشرف العام

اترك تعليق