الشاعرة حواء القمودي، في إصدارين شعريين.
النقد

حواء القموي .. أشواك عسلية

في المطلق أنا منحاز للمرأة،وفي المطلق أنا منحاز للشاعرة الليبية وبما لا يعني مصادرة الشاعر،ذلك لأسباب ثقافية لها علاقة بالتخلف الذي كان ومازال يأخذ بخناق مجتمعنا، لذلك كنا لا نترك فرصة نشيد فيها بالشاعرة،وعندما كنت رئيسا لتحرير مجلة الفصول الأربعة أصدرنا عددا خاصا بالمشهد الشعري في ليبيا وقد حفل بأسماء أكثر من ستين شاعرا وشاعرة بعضهن ينشر لأول مرة،وفي هذا العدد ظهر اسم حواء القمودي لأول مرة وكانت قبله تنشر باسم دلال المغربي،ومن هذا العدد عرفت حواء الشاعرة الحقيقية وتابعت اكتشاف لغة الجسد،ولعلي لم أكن مهيأ بعد لهذه اللغة الشعرية من شاعرة ليبية،ولعلي اعترفت لها بهذا،طبعا لم يكن هذا موقفا مني فأنا حتى لا أعترف بتقسيم الشعر بين رجالي ونسائي لأني أراه تقسيما سخيفا،ثم صرت من قرائها المداومين على رصد كل ما تكتب،وهنا سأكتب عنها بما لست راضيا عنه،لأني على يقين بعجزي عن الوصول إلى لغة أفضل ترضيني،لكن لا بأس ولتعذرنا بنت سوق الجمعة وبنت السانية وبنت طرابلس وبنت ليبيا.

الشاعرة حواء القمودي، في إصدارين شعريين.
الشاعرة حواء القمودي، في إصدارين شعريين.

ميزتان في قصيدتها، فهي أولا من السهل الممتنع،أراها تكتب بتلقائية شفيفة لأن الذي تصفه وتتحدث عنه لا يملك إلا لغة واحدة،عملية بوح طفولي لكنها زاخرة بالانتظار وبالشهوات والاحتراق،وهي ثانيا ليست وحدها في بوحها لأنه تعبير عن ” الأخرى ” بصفة عامة وصارت لغة الجسد لغة كل الكائنات حولها.
عرفتها قبل زمن أراه بعيدا،كان ذلك في جريدة الطالب حين كتبت نقدا لمجموعتي القصصية ” ضمير الغائب ” قلت لها عندما التقينا..أنت ناقدة،لأن ما كتبت كان نقدا واعيا لضمير الغائب وبالرمزية المعروفة في معظم ما نشرت من قصص قصيرة والتي رأى فيها البعض غموضا،ثم حدث أن اختارت قصيدة النثر تعبيرا عن أسئلتها لأنها كانت رافضة للجاهز والمتفق عليه،وبحكم العمر الصغير والوعي واحتراق أسئلة الجسد كان لا بد أن أكتب عنها هكذا لأنها هي بدأت هكذا،ولم تكن صوتا نشازا فقد كانت هناك أصوات أخرى لكنها كانت صوتا مختلفا،هي كانت هكذا،قدمت حقيقة الجسد أي جسد،حقيقة الإنسان،عليك أن تتجاوز ما ألفت لتكتش أن ما تعبر هي عنه ليس بالضرورة أن يكون ما تتوقع أنت.

البداية كانت وردة تنشب شوكها ” القبلة رحلة معراج ” وضمير المخاطَب هو المعني بالأسئلة، الأسئلة ومنذ البداية كانت أسئلة ضاجة وجريئة لم يقرأها عقلي في المشهدية الشعرية الليبية،خاصة خاصة النسائية منها وفي ذلك الزمن الذي كنا فيه نشيد فيه بكل صوت شعري نسائي يظهر ويتردد صداه فكيف إذن بصوت يقتحم بيت الشعر بقلة أدب بتعبير ذاك الزمن..؟ الشاعرة الليبية انتصرت لخوف الشاعر الليبي الذي بقي يتأمل الجسد بعين الريبة والوجل ويتمنى أن يكشف مستور الجسد،هذه أداة استفهام مهمة نتوقعها ممن يكتب عن الشعرية الليبية، أما حواء القمودي ومنذ قصيدتها الأولى أعلنت ” تحررت روحي ” وعلينا أن ننتظر ونتوقع،وما نتوقع لن يكون إلا ” هو ” لأنها لا تعيش إلا لأنها تحبه وليس لها من أمنية إلا أن تجد نفسها فيه كلما فتحت أبواب روحها.
قصيدتها الجسد في الواجهة بلغته وتفاصيله من رغبات ولهفة وانتظار.
كل الأصوات خافتة
فقط
صوت جسدي.
البنت
تتلمس نهديها
وترقبك
فقط هو الجسد حتى في صمته الصاخب نسمعه.
كانت حقيقية وكانت صادقة في التعبير عن كل ما يراه الآخرون خجولا،كانت رائدة في التعبير عن صوت الأنثى شعرا وبوحا.
يا الولد لقبلتك طعم زيت الزيتون الحار
القبلة صغيرة على الفم الواسع
أنا مأدبة تتهيأ لأصابعك.
هكذا،قصيدتها تتمادى في بوحها دون التفكير في ما نوافق عليه نحن أو لا نوافق،هي مزقت أثواب هذا التابو الذي صنعناه دون حقيقة،تخاطب هو بعفوية طفلة.

الجسد كان هو البداية لكنه لن يكون النهاية لأنها لم تستسلم لأسر الجسد رغم فردوسه المراهق بأحلامه،فقد عرفت جسدا آخر وروحا أخرى،كانت تنتظر ضمير الغائب لأن الجسد يعيش فيه ثم اكتشفت ضمير الغائبين،عرفت صخبا آخر ومن أرواح أخرى وفي كل مكان وآن للجسد أن يهدأ،فقد عرفت طرابلس والشط والسانية والبنت الليبية،ذهبت إلى الناس والبلاد وعرفت حرية أخرى غير حرية الجسد ثم عرفت أن الوطن ليس حرا وتحولت القصيدة عندها إلى وطن،ثم تتسع الرؤيا لتكتشف أن ” هذا العالم الخرب لكن الشمس تشرق،هكذا ولدت قصيدة أخرى قصيدة جديدة، ضمير المخاطب لم يعد هو ضمير المخاطب الذي كان يهطل في الجسد بل في الروح، ولنا أن نسألها..ماذا سيكتب الجسد بعد هذين الديوانين. هل سيكرر نفسه…؟

مقالات ذات علاقة

قراءتي في رواية توقف نمو

المشرف العام

مداخلة قصيرة حول الغزالة

يونس شعبان الفنادي

حطّاب الليل.. رؤية في رواية سراب الليل للكاتب منصور بوشناف

أمينة هدريز

اترك تعليق