السيدة حميدة بن عامر.
شخصيات

حميدة بن عامر رائدة من بلادي

فايزة بن سعود


خالتي (شقيقة والدتي الكبرى) حميدة محمد بن عامر1، ولدت في بنغازي 1922.. تلقت تعليما ايطاليا وعربيا.. واستفادت من ثقافة والدها المتنور، وتعليمه إياها منزليا، وإحضاره الكتب والمجلات المصرية والإيطالية المتوفرة آنذاك ببنغازي عبر (مكتبة بوقعيقيص)، أو المهربة من مصر لها (أيام الاحتلال ).
 
هي أول اعلامية ليبية (لم تكن مجرد مذيعة راديو، بل شاركت في كتابة المواد المقدمة).. سبقت السيدة “خديجة الجهمي” رحمها الله ببضعة أشهر.. اتجهت الى قطاع التعليم بعد سنوات من العمل الاذاعي، ويالتالي خرجت من دائرة الضوء، رغم استمرار حرصها على العطاء الاجتماعي.. بالإضافة إلى أنها كانت زوجة وأما لعشرة من الأولاد.

السيدة حميدة بن عامر.
السيدة حميدة بن عامر.

 
رشحتها معلمتها الرائدة النسائية الأولى في ليبيا السيدة “حميدة طرخان” (العنيزي) لهذا الدور (تقديم ركن المرأة) عندما طلب منها المرحوم “محمود مخلوف” عنصرا نسائياً للراديو، بعدما لمست فيها الشجاعة الأدبية والوعي الذي ميزها عن بنات جيلها عام 1954.. مما يؤهلها لهذا الدور في مبنى الإذاعة الذي أنشاته الإدارة الإنجليزية في معسكر البركة .

في نفس العام اشتركت هي وخمس ليبيات أخريات، برئاسة الرائدة الـولى “حميدة طرخان” (العنيزي)، ثم “بديعة الجربي” حرم “علي العنيزي” محافظ بنك ليبيا، و”زكية المنقوش”، و”تركية بن سعود”، وبعض زوجات القناصل العرب المقيمات في بنغازي وفي بيت الرائدة الأولى، بتأسيس أول جمعية نهضة نسائية في ليبيا.. تبعها تأسيس جمعية طرابلس بعامين أو ثلاثة تقريبا.
 
اهتمت بتثـقيف المترددات عليها من الفتيات والنساء، والصدقات للمحتاجين، الكثير آنذاك.. وتعليم الأعمال اليدوية النسائية.. بل وتعليم مهن للنساء الفقيرات يعشن منها.. والأهم نشر الوعي الاجتماعي، بقضايا تعليم المرأة وزواج القاصرات، وغلاء المهور، والعنف ضد المرأة وطرق التربية والتدبير المنزلي الخ……
 
خالتي رحمها الله التي جاوزت التسعين من العمر، أنشأت حساباً على الفيس بوك قبل أن أنشاه أنا.. تواصلت مع الصحف وصولا الى الإنترنت، بمثابرة نادرة لمن في عمرها.. رغم السنوات القاحلة ايام القذافي للثقافة عموما و للعمل العام.. وكان آخر نشاطاتها حرصها على التصويت لانتخابات المؤتمر الوطني.. مما لفت أنظار مصوري الفضائيات.. فاجروا معها لقاء سريعا.

كانت تلفتني بشغفها بالحياة.. ورغم ريادتها لم تتماهى مع النسويات المتطرفات العربيات او العالميات في التمرد.. فقد كانت حريصة على التقاليد والأعراف خاصة في مجتمع محافظ وفي عائلة محافظة.. حرصت على اتاحة افضل التعليم لأولادها وإظهارهم بمستوى اجتماعي لائق وكل من عرفهم، سيفهم معنى كلامي جيدا .
 
مما تختزنه ذاكرتي عن تلك السيدة التي كتب لها صديق والدها الشاعر “أحمد رفيق” قصيدة خاصة بمناسبة زواجها… صوتها الذي كان يشبه صوت أمي.. احتفاظها بصور تذكارية مع شهيرات النساء من؛ جيهان السادات وأم كلثوم وزوجات الرؤساء العرب.. مرورا بمثقفات عربيات أيام تصديها للعمل العام.
 

السيدة حميدة محمد طرخان رحمها الله

منذ بضعة سنوات، أعجبت شقيقتي بمفرش صغير من صنعها، على طريقة الكروشيه في بيتها (والدتها قريتلية الأصول)، فوعدتها أنها ستصنع شبيها له وتهديه لها، وأن عليها أن تعطيه لابنتها (هي درست مادة الأشغال اليدوية للطالبات في المدارس الإعدادية قرابه عشرين عاما بعد اعتزالها العمل الإذاعي).. وعندما انتهت من صناعته وجاءت شقيقتي لاستلامه، ترددت فجأة في إعطائه لها..  فقد تذكرت لتوها، وهي في الثمانينات من عمرها، أن شقيقتي أنجبت ابنتين وليس ابنة واحدة.. وأحست بواجب آخر.. ثم ابتسمت، وأقسمت جازمة أنها ستصنع لها مفرشا آخر للبنت الأخرى إن شاء الله، وأن هذا يسعدها ولن يتعبها.. وقد أبرت بقسمها رغم تعب النظر والجسد.
 
أما سبطها (حفيدها).. فقد روى لنا أول الثمانينات أن شرطي المرور أعطاه مخالفة وكان صغير السن آنذاك.. وعندما سأله عن صاحب السيارة، الذي يقودها عادة، رد أنها جدته.. فنهره الرجل بشدة وظنه يسخر منه، لأنه لا يعقل في ذلك الوقت أن تكون تقود الجدات السيارة في بنغازي أو ليبيا .
 
عاشت مع المرحوم ابن عمها “حسين بن عامر” 63 سنة.. وكان ذلك الرجل الذي وصفه الدكتور “محمد المفتي” في أحد كتبه عن بنغازي، بالأنيق الوديع المبتسم دائما.. أما هي ففي نظري كانت مثالا بالنسبة لظروفها وظروف البلاد.. كانت إمرأة استثنائية رحمها الله طال عمرها وحسن عملها.. ولا ازكي على الله احدا .
________________________________________
1- هي ابنة عضو مجلس ادارة برقة ايام الانتداب البريطاني المحامي الشرعي، وصاحب أول مكتب محاماة ببنغازي، والوحيد الذي كان يسمح له بالترافع في القضايا المدنية مع الشرعية، محمد محمد بن عامر.. وحفيدة مفتي بنغازي وقاضيها محمد بن عامر الاسمع القزيري، المعين من قبل الدولة العثمانية.. وهو من أنشأ أول دار رعاية للبنات المسلمات في بنغازي بعد عام الكوليرا وفقدانهن ذويهن بتبرعات تجار بنغازي .  

مقالات ذات علاقة

في ذكرى التي لم تعد وحيدة (2/1)

حواء القمودي

علي الخمسي.. «لورد» المسرح الليبي

أسماء بن سعيد

حدث في مثل هذا اليوم: رحيل الفنان هاشم الهوني

محمد عقيلة العمامي

اترك تعليق