المقالة

حكومة .. وكفى !!

>

حكمة عمرها أكثر من ثلاثين سنة حفظتها عن ظهر قلب من مجموعة من كبار السن فيما يعرفون بالمتقاعدين من مختلف القطاعات .. كانوا يمارسون هوايتهم المفضلة وهي لعب الشيزة والكارطة بعد صلاة العصر كعادتهم دائما إلى دخول وقت و موعد آذان المغرب.. فيما كنت انتظر كل يوم سبت وصول سيارة البريد القادمة من بنغازي التي تحمل إلى قريتنا رسائل الأحبة والجرائد والمجلات .. لا يوجد في قريتنا الناعسة في حضن الجبل أي مكان ترفيهي من الممكن أن أهدر فيه أوقات الفراغ بما يفيد سواء اللوذ بشياب الشيزة والورق .. كانت لأحاديثهم بين الحين والآخر متعة نادرة باستثناء الكلمات النابئة التي كانوا يتبادلونها فيما بينهم في غياب الحياء وحضور الشيطان .. قال أحدهم : عندما يكبر الأبناء يجب أن يدرك الرجل جيدا أن البساط قد سحب من تحته .. فلا سلطة له لا على البيت .. ولا على السيارة .. ولا حتى على (العجوز) – وكان يقصد مجازاً ( الزوجة) – كما لو أن الأمر أنفلت من يده ببلوغ الأبناء سن الرشد .. وهي إشارة صريحة إلى أن الزوجة قد تتحمل نزق وسطوة الرجل سنوات تحت مؤثر الصبر إلى أن يشب أولادها ويتحملوا قدرا من المسؤولية ومن ثم لم تعد تأبه بعنترياته وعربدته.

كانت هذه الحكاية تطرق تفكيري باتصال وكنت حريصا على القبض وبشدة على زمام الأمور بعد دخولي –طبعا- إلى عالم الزواج .. وكانت أحاديث كبانية الشيزة والورق تتراءى أمامي في كل موقف مشابه .. ربما لأني شرقي الطبع والتطبع .. أو لأنني بدوي قح .. على وجه التحديد لا أعرف من أين ورثت هذه القسوة ؟… المهم ..(عدي يا زمان .. تعال يا زمان) كبر أبنائي وبدأت ملامح سقوط ديكتاتوريتي تتراقص بوضوح.

ذات يوم وبعد تناول وجبة غداء متواضعة خرجت لاستقل سيارتي فلم أجد مفاتيحها ولا السيارة ولا وزيرة الداخلية المتمثلة في حرمنا المصون .. وأدركت أن ثمة مؤامرة قد نسجت خيوطها أثناء تناولي كوب الشاي الأخضر .. وهنا تذكرت القرية و حلقات الشيزة والكارطة وتلك الحكايات الحبلى بالخبرة والتي لم ولن يجدها باحث أو مجتهد في بطون الكتب والمراجع ..شعرت بأسى وحنق شديدين ولعب إبليس –لعنه الله- لعبته الوقحة لكنني احترمت عامل السن وتوقعات الهزيمة المؤكدة فأصررتها في نفسي .. إذ من غير اللائق أن أثير مشكلة خاض غمارها شياب مسه ولم يلقوا لها بالا .. وكانت محل تندر في بث مكنوناتهم ولواعجهم . على كل حال..ليس أمامي سوى الخضوع للأمر الواقع والمحافظة على هدوئي والسيطرة على انفعالاتي .. ولأن خروجي كان ملحا.. وقفت على ناصية الشارع وما هي إلا لحظات حتى وقفت حافلة ربع بها مجموعة من الشباب يبدو أنهم كانوا في خضم حوارات ساخنة حول شكل الدولة ونظام الحكم بعد سقوط النظام .. ركبت ثم جلست مستمعا لنقاشاتهم المثيرة ..قال أحدهم وكان عشريني: أنا لا يهمني شكل الحكومة .. ليبرارية .. إسلامية .. علمانية .. كرنكاطية .. المهم السيد رئيس الدولة لا يتجاوز بقاءه في الحكم أكثر من أربعة سنوات وفق دستور وقوانين ولوائح مجمع عليها .. وبعد ذلك (يربح) .. أيضا لا أريد أن أعلق صورته في المربوعة .. أو تحتويها أطر فخمة في المكاتب أو في الساحات والميادين .. ولا أرغب في أن أرى له قشرة وجه سواء في التلفزيون أو على صفحات الصحف والجرائد .. غايتي حكومة (مقنطة) تهتم بالصحة والتعليم والسياحة والبنية التحتية والبيئة .. وتولي قطاع الشباب رعاية خاصة .. وتؤمن بالتعددية .. وحرية المرأة .. وبالعربي الفصيح نريد العيش كما يعيش سكان الكرة الأرضية في حرية و أمان وسلام وطمأنينة .. عندما سمعت عبارة حرية المرأة شعرت بأن ما تبقى من شعيرات رأسي قد انتصبت و ارتفعت درجة حرارة حسدي وأحسست بأن الدم يتدفق في عروقي بقوة وقلت في ذات نفسي : هذا جيل صعب جدا .. رغم تدني ثقافته الموروثة عن أربعين سنة من الظلام والجهل والتخلف إلا أن طموحاته تفوق الخيال ..وتذكرت التضحيات خلال ثمانية أشهر متتالية من أجل تحقيق أهدافهم وتحرير كامل تراب ليبيا .. وقررت تسليم مفاتيح السيارة لابني ومعها إذن تجول مفتوح .. بالطبع لا يخفى على عاقل .. لمن الإذن المفتوح ؟ وسلامات يا رؤوسنا !!.

مقالات ذات علاقة

الإختلاف السياسي يفسد للود قضية!

علي بوخريص

الشخصية الليبية …العداء مع التاريخ (محو الماضي)

المشرف العام

من دستور العملية التعليمية.

يوسف الشريف

اترك تعليق