المقالة

حكايتي لأحفادي بعد خمسين عاماً…

بعد خمسين عاماً ــــ إن أمدّ الله في عمري ــــ سأكون عجوزاً قد تجاوز المائة عام.. وسأجلس ذات قمر صيفي تحت شجرة الخروب الهرمة التي تنحني أمام بيتي.. وسيكون عكازي مركوزاً أمامي بين يدي المرتعشين.. وسأجعله يشطر القمر.. فالحكايات لابد لها من خلفية مناسبة.. وسأفترض أن أبنائي لن يضعوني في دار رعاية المسنين.. ولأن العجائز لا يجيدون شيئاً سوى الحكايات.. فسأحكي لأحفادي ولأولاد الجيران.. ستكون حكايتي متقطعة بسبب السعال.. سأضيف الكثير من البهارات لحكايتي حتى تستساغ.. فإن لم تكن حكايتي مشوقة فسيشرع الأطفال بفرقعة أصابعهم.. أو بالتثاؤب.. أو الحك خلف آذانهم.. فالأطفال لم يكتسبوا بعد عادة المجاملة.. سأحدثهم عن زماننا.. سأحدثهم عن الثورة.. وأننا في لحظة ما غضبنا.. فالمرء ــــ مهما كان خائفاً ومستكيناً ــــ فلابد أن يغضب في لحظة ما.. تماماً كما تفعل القطة.. التي تهرب وتختفي تحت قطع الأثاث.. لكنها تضطر في آخر الأمر أن تخبش دفاعاً عن وجودها الهش.. وأن غضبنا قادنا إلى الشوارع.. لأننا ــــ ببساطة ــــ لم نجد مكاناً آخر لنذهب إليه.. وأن الزعيم ــــ سامحه الله ــــ نعتنا بألفاظ نابية.. ونحن أيضاً لم نقصّر.. فرددنا له الصاع مائة صاع.. قذفنا وجهه بالأحذية.. بالإضافة إلى أن قاموسنا الشتائمي لا يضاهينا فيه أحد.. فمن يسمعنا نتحدث في السياسة يعتقد أننا نتحدث في الجنس..! فلهجتنا الليبية ــــ خاصة في لحظات غضبنا ــــ مفخخة بكل ما يجرح الحياء.. وأننا صفّقنا للزعيم أكثر من أربعين عاماً.. ثم وضعنا في مؤخرته عصا في نهاية المطاف.. بالطبع لن ألقي هذه الجملة على مسامع الأطفال بهذه الصياغة الجارحة.. سأجد طريقة أخرى لتهذيب العبارة.. ولن أزيّف لهم التاريخ.. بل سأقول لهم بأننا لم نكن نجيد صنع الثورات.. كنا فقط حفنة من الحالمين.. وأن سقف أحلامنا كان مرتفعاً جداً أعلى من قمة إيفرست.. كنا نحلم بإقامة فردوس في صحرائنا القاحلة.. وحين ذهب عنا الغضب لم نعرف ماذا نفعل.. فأخذنا نتلفت.. وتشاجرنا مع بعضنا.. لأننا ــــ ببساطة لم نجد مع من نتشاجر..ولكنني سأختم حكايتي بأن الأمور في النهاية أصبحت على مايرام.. على الرغم من كثرة الأوغاد الذين يسرقون الثورات والثروات والأضواء.. وحتى الكحل من العين.. وأننا لم نستطع إقامة الفردوس في صحرائنا القاحلة.. فالصحراء الجرداء التي يتسكع فيها السراب لا تتحول إلى فردوس إلا في خطابات الزعيم.. لن أتعب رؤوسهم الصغيرة بكثرة التفاصيل.. سأقول لهم ببساطة إن الله تعالى لم يتخلّ عنا.. فالرب لا يتخلى عن عباده لمجرد أنهم لا يجيدون صنع الثورات..! هل تظنون أن أحفادي سينصتون حتى نهاية الحكاية..؟!

مقالات ذات علاقة

حدث فى يوم السبت 7 مارس 1964

المشرف العام

خوضاً من بحر الظلام الى بحور الظلمات

محمد علي المبروك

أين ليبيا التي عرفت؟ (28)

المشرف العام

اترك تعليق