من أعمال التشكيلي صلاح غيث.
المقالة

حكايتي لأحفادي بعد خمسين عاماً..

من أعمال التشكيلي صلاح غيث.
من أعمال التشكيلي صلاح غيث.
الصورة: عن الفيسبوك.

بعد خمسين عاماً ــ إن أمدّ الله في عمري ــ سأكون عجوزاً قد تجاوز المائة عام.. وسأجلس ذات قمر صيفي تحت شجرة الخروب الهرمة التي تنحني أمام بيتي.. وسيكون عكازي مركوزاً أمامي بين يدي المرتعشين.. وسأجعله يشطر القمر.. فالحكايات لابد لها من خلفية مناسبة.. وسأفترض أن أبنائي لن يضعوني في دار رعاية المسنين.. ولأن العجائز لا يجيدون شيئاً سوى الحكايات.. فسأحكي لأحفادي ولأولاد الجيران..

ستكون حكايتي متقطعة بسبب السعال.. سأضيف الكثير من البهارات لحكايتي حتى تستساغ.. فإن لم تكن حكايتي مشوقة فسيشرع الأطفال بفرقعة أصابعهم.. أو بالتثاؤب.. أو الحك خلف آذانهم.. فالأطفال لم يكتسبوا بعد عادة المجاملة..

سأحدثهم عن زماننا.. سأحدثهم عن الثورة.. وأننا في لحظة ما غضبنا.. فالمرء ــ مهما كان خائفاً ومستكيناً ــ لابد أن يغضب في لحظة ما.. تماماً كما تفعل القطة.. التي تهرب وتختفي تحت قطع الأثاث.. لكنها تضطر في آخر الأمر أن تخبش دفاعاً عن وجودها الهش.. وأن غضبنا قادنا إلى الشوارع.. لأننا ــ ببساطة ــ لم نجد مكاناً آخر لنذهب إليه.. وأن الزعيم -سامحه الله- نعتنا بألفاظ نابية.. ونحن أيضاً لم نقصّر.. فرددنا له الصاع مائة صاع.. قذفنا وجهه بالأحذية.. بالإضافة إلى أن قاموسنا الشتائمي لا يضاهينا فيه أحد.. فمن يسمعنا نتحدث في السياسة يعتقد أننا نتحدث في الجنس..! فلهجتنا الليبية -خاصة في لحظات غضبنا- مفخخة بكل ما يجرح الحياء.. وأننا صفّقنا للزعيم أكثر من أربعين عاماً.. ثم وضعنا في مؤخرته عصا في نهاية المطاف..

بالطبع لن ألقي هذه الجملة على مسامع الأطفال بهذه الصياغة الجارحة.. سأجد طريقة أخرى لتهذيب العبارة.. ولن أزيّف لهم التاريخ.. بل سأقول لهم بأننا لم نكن نجيد صنع الثورات.. كنا فقط حفنة من الحالمين.. وأن سقف أحلامنا كان مرتفعاً جداً أعلى من قمة إيفرست.. كنا نحلم بإقامة فردوس في صحرائنا القاحلة.. وحين ذهب عنا الغضب لم نعرف ماذا نفعل.. فأخذنا نتلفت.. وتشاجرنا مع بعضنا.. لأننا ــ ببساطة لم نجد مع من نتشاجر..

ولكنني سأختم حكايتي بأن الأمور في النهاية أصبحت على مايرام.. على الرغم من كثرة الأوغاد الذين يسرقون الثورات والثروات والأضواء.. وحتى الكحل من العين.. وأننا لم نستطع إقامة الفردوس في صحرائنا القاحلة.. فالصحراء الجرداء التي يتسكع فيها السراب لا تتحول إلى فردوس إلا في خطابات الزعيم.. لن أتعب رؤوسهم الصغيرة بكثرة التفاصيل.. سأقول لهم ببساطة إن الله تعالى لم يتخلّ عنا.. فالرب لا يتخلى عن عباده لمجرد أنهم لا يجيدون صنع الثورات..! هل تظنون أن أحفادي سينصتون حتى نهاية الحكاية..؟!

 

2014

مقالات ذات علاقة

حول الشعر والكلام والمكان. من الصمت إلى الإيقاع المتناغم.

نورالدين الورفلي

هذه تجربتي أنا

الصادق النيهوم

قبل أن تقرأ: هذه قاعدة مؤسفة وثمة استثناء !

أحمد الفيتوري

اترك تعليق