الروائي د.أحمد إبراهيم الفقيه
النقد

حصاد ذاكرة الفقيه

الكاتب أحمد إبراهيم الفقيه يؤكد أن أغنية ‘خذوا عيني شوفوا بيها’ للطفي بوشناق من إبداع الفنان الليبي الشهير بشير فهمي، الذي عاش جزءًا من عمره في تونس.

ميدل ايست أونلاين

القاهرة ـ من أيمن محمود

الروائي.. أحمد إبراهيم الفقيه

ما إن تقع الأحداث وتنتهي حتى تنتقل في التوِّ واللحظة إلى خزانة الذكريات.. تلك الخزانة الكبيرة في المخ البشري، التي تتسع حاملةً من الصور والمشاهد ما يتوثق الإنسان إلى رؤيته من جديد، وفي هذا الكتاب يُخرج لنا الكاتب أحمد ابراهيم الفقيه الكثير من خزانة ذكرياته، ليخرج مجموعة من المقالات، اختار لها عنوان “حصاد الذاكرة”.

وقبل الخوض في تناول الكتاب، لا بد من الوقوف ولو قليلًا أمام سيرة الكاتب، فهو من مواليد بلدة فرده الواقعة على ضفاف صحراء الحمادة الحمراء، جنوب طرابلس عام 1942، نال درجة الدكتوراه في الأدب العربي الحديث من جامعة أدنبرة عام 1982، والتحق بالعمل الصحفي منذ وقت مبكر، بدأ ينشر قصصه القصيرة في الصحف الليبية منذ عام 1959، وأسهم أحمد إبراهيم الفقيه في تأسيس عدد من الصروح الثقافية والأدبية في بلاده، وتولى عددًا من المناصب من أهمها منصب مدير عام إدارة الفنون والآداب وعضوية اللجنة الدستورية العليا للاتحاد بين مصر وليبيا.

ويشير الفقيه إلى أول تلك الصور أو اللقطات الإنسانية التي التقطها من شريط الذكريات الذي لم تمحه آفة النسيان فيرى أنه لا أحد بمنجاة من أمراض هذا العصر إلا إذا كانت الأقدار قد منحته ضعفًا في الشعور وبلادةً في الإحساس يستعين بهما على مقاومة هذا الزمان، وإذا كان صاحب الحس البليد قادرًا على أن يسمع الإهانة فلا يتأثر بها، ويقرأ أو يسمع مسخًا للحقائق التي بحياته فلا يثير ذلك غضبه، سيعيش طوال حياته ضحية الكوارث والأزمات مغنيًا مع طرب اللوعة والأسى:

ليت يا يوم مولدي ** كنت يومًا بلا غدِ

وهي أغنية كنت شخصيًا أستغرب كيف أنها وجدت مؤلفًا يكتب كلماتها، وملحنًا يلحنها، ومطربًا استطاع أن يغنيها، ثم جمهورًا يتحمس لها ويصفق لكل ما تحمله من بؤس وإحساس بالعدمية والغناء.

ويشير المؤلف إلى مقال آخر قائلًا: ابدأ بنفسك! هكذا قلت بيني وبين نفسي مستعيدًا أسلوب فارس من فرسان العصور الوسطى، فقد نما في يقيني أن الأمم لا تتقدم إلا بمقدار ما توليه من احترام للوقت، وأن سرَّ ضعف أمتنا العربية إنما يأتي من استهتارنا بالوقت واستهزائنا به، بالرغم من أن تراثنا كله يعني الوقت ويحضُّ على احترام المواعيد، ورغبة في أن تبدأ هذه الأمة مرحلة الصعود واستعادة مجدها التليد قررت أن أطبق المثل: ابدأ بنفسك!

ويخاطب المؤلف في مقال آخر قائلًا: تصور مشهد طبيب جراح يتعامل دون وجل أو خوف بمشرطه مع رءوس الناس وقلوبهم وأجسادهم، أو قاضٍ يجلس للقضاء، وقائد عسكري يدير المعارك العسكرية، ويصدر أوامر الموت، فتتساءل بينك بين نفسك من أين يستمد أصحاب هذه المهن قواهم الخارقة القادرة على التعامل بمصاير البشر وأرواحهم؟

وتصور نفسك في موقف واحد من هؤلاء، وأمام أناس ينتظرون على يدك الخلاص أو يخشون الهلاك، وأن حياتهم معلقة بكلمة منك، لكن الإنسان يحتوي على قدرات مؤهلة للتكيُّف مع كل الحالات، تستحضر صورة توباز في المسرحية الفرنسية الشهيرة الذي كان رجلًا، فإذا به يتحول عندما جاءت الفرصة إلى رجل خارق الذكاء يسخر ويتندر بالآخرين، وليس جميع الناس “توباز” وليس ضعفًا أن تكون مهنتك إصلاح المراجيح في روضة للأطفال، فالبشر لم يحققوا ما حققوه إلا بتمايزهم في المواهب والكفاءات وتنوُّع خبراتهم وقدراتهم ومعارفهم.

• حياة الشظف

ويقول المؤلف: كنا في قريتنا لا نأكل شيئًا إلا وهو ممزوج بالتراب، فقد كانت رياح “القبلي” التي تهبُّ من الصحراء محملةً بالرمال والأتربة لا تعرف هدنة إلا خلال أشهر الشتاء التي تمنحها عطاءً كريمًا للرياح المقبلة من جهة البحر، كي تجلدنا بسياط منقوعة في الملح، ولم يكن هذا الشيء الذي نأكله موائد غنية متنوعة يتأسف الإنسان إذا مسَّها التراب، إنه إن لم تكن بعض الحشائش والأعشاب وحبات البلح المجفف، فهو كسرة خبز مما نطهيه على كوانين النار.

وبالرغم من حياة الشظف والضنك فإن التذمُّر لم يكن في تلك الأيام نغمةً يجيد الناس عزفها بمثل ما هو الحال الآن، لم يكن يعرف الناس هذا النوع من الأنين والشكوى من أحوال الدنيا، الذي ونحن نجلس إلى أكثر الموائد ازدواجًا ما بالصحون المليئة بكل ما تشتهي الأنفس، بل إن تلك الأيام بفقرها وترابها تبدو الآن وكأنها جزء من عالم جميل مفقود، ويأخذنا الحنين باعتبارها أكثر مراحل العمر بهجة وهناء.

ومن “حصاد الذاكرة” يقول المؤلف: لم يكن أحد من أهلنا في القرى التي عرفت طفولتنا قد اعترف صراحةً أمامنا بأنه شاهد الغولة، ومع ذلك فإن كلامهم لنا كان يمتلئ بالتحذير منها.. كائن خرافي أسطوري، لا وجود له إلا في أذهاننا التي عبأتها تلك التربية بالغيلان، ندرك على وجه اليقين أنه ليست هناك غولة في الدنيا ولكن شيئًا في نفوسنا يأبى التصديق، لقد التصق ذلك الكلام بعقلنا الباطن وصار جزءًا من تكويننا النفسي.

كبرنا ورأينا غيلانًا كثيرة أخرى تظهر في الضوء والظلام وتقتنص ضحاياها من بين صفوفنا، ولكن مع ذلك كله فإن خوفنا الأكبر محتفظ به لتلك الغولة الخفية المجهولة التي لا تراها العين.

ويتنقل المؤلف في حديثه عن فترة عمله بالإذاعة قائلًا: عندما كنت في بداية الستينيات أكتب برنامجًا صباحيًا يوميًا للإذاعة كان أهل قريتي “فردة” يستمعون إلى هذا البرنامج، ويأتون لمعاقبتي عندما أزور القرية، متأسفين لأنني لا أقيم اعتبارًا لقريتي، ولا أذكر اسمها مقرونًا باسمي بمعنى أن أضيف “المزداوي إلى اسمي” وفاءً للقرية التي أنجبتني وقدمتني للدنيا، ولا أدري ما شعور أهل القرية عندما يسمعون ويعرفون أن ما اسمته مجلة “المجلة” الغزو الليبي لعالم الموسيقى والغناء في مصر اقترن باسم هذه القرية، فمؤسس هذه الموجة الفنية هو “ناصر المزداوي”، وهو فنان صاحب موهبة وثقافة، وهكذا صار اسم “مزده” رمزًا وعنوانًا لهذه الظاهرة الفنية، وصار اسمها يحقق شهرةً وانتشارًا بفضل هذا الابن الذي لم ينسَ أن ينسب اسمه إليها، وأغلب هذه الألحان التي لاقت قبولًا هي ذلك النوع الذي يسميه أهل الفن في ليبيا “المورزقاوي” نسبة إلى المدينة التي كانت عاصمة الصحراء وملتقى القوافل الآتية من أفريقيا.

• سهر ومؤانسة

وفي مقال آخر من “حصاد الذاكرة” يرى الكاتب أنه بالرغم من البرامج الثقافية والفنية والترفيهية الكثيرة التي تقام في شهر رمضان على امتداد الوطن العربي، فإن الذي يحظى بإقبال الناس واهتمامهم خلال هذا الشهر الكريم، يبقى دائمًا هو “التلفزيون” بمواده الكثيرة المتنوعة، وسهراته التي تمتد حتى مطلع الفجر، ولكن الموائد الرمضانية التلفزيونية كثيرة ومتنوعة، والإنسان مهما بلغ شغفه بالجلوس أمام التلفزيون لا يستطيع أن يرى كل شيء، وإذا قمنا بحسبه عشوائية لوجدنا أن هناك ألف ساعة إرسال تذيعها القنوات العربية فقط فكم ساعة يستطيع أيُّ شاهد تخصيصها يوميًا؟

ويضيف المؤلف: صارت مشاهدة المسلسلات التي يعرضها التلفاز جزءًا من برنامج السهر والمؤانسة في رمضان، ورغم حبِّي لمتابعة هذه المسلسلات إلا أن انشغالات والتزامات كثيرة أخرى لا تسعفني لمشاهدة كل ما أحبُّ أن أراه، ولذلك فإنني لم أستطع عبر الحصاد الوفير لهذا العام أن أتابع غير أحداث اثنين من مسلسلاته، أحدهما اختياري، هو مسلسل “الملك فاروق”، والثاني مسلسل “يتربى في عزو”، الذي يقوم ببطولته الفنان يحيى الفخراني.

أغنية “خدوا عيني شوفوا بيها” يقول المؤلف: على مدى ما يقرب من عشرين عامًا وأنا أسمع هذه الأغنية التي جلبت لمطربها التونسي السيد لطفي بوشناق الشهرة والمجد، منذ أن قدمها في مهرجان الموسيقى العربية في دار الأوبرا المصرية، التي تقدم على أنها لحن وكلمات من التراث الشعبي التونسي، بينما كان عدد من فنانينا الكبار سنًا ومقامًا يعرفون أن الأغنية من إبداع الفنان الليبي الشهير بشير فهمي، الذي عاش جزءًا من عمره في تونس، وكان صاحب إسهام كبير يعترف به التونسيون في حركة الإحياء في فنون الغناء.

الأغنية مثل صارخ ومعروف للسطو على حقوق التأليف، ونعلم أن حقوق التأليف هو أمر ثابت، وبوفاة المؤلف فإن حقوقه من التأليف يجب أن يتقاضاها أهله وأبناء أسرته الأحياء، وأتمنى إذا تأخرت العائلة عن المطالبة بحقوقه، أن تقوم نقابة الفنانين بأخذ توكيل منها وتحصيل هذه الحقوق، بل والمطالبة بتعويض عن إنكار اسم المؤلف وإهماله والإصرار على إسقاطه والتنكُّر له رغم أن هناك من أهل الفن، أمثال الراحل كاظم نديم، من ذكر به وذهب إلى مختلف المحافل والمهرجانات الفنية، يطالب بإنصافه.

يذكر أن كتاب “حصاد الذاكرة ” للكاتب د. أحمد إبراهيم الفقيه ؛ صدر عن دار أخبار اليوم بالقاهرة، ويقع في نحو 176 صفحة من الحجم المتوسط. (خدمة وكالة الصحافة العربية).

مقالات ذات علاقة

قراءة نقدية فكرية في المجموعة القصصية {التـــــــــماهي } للكاتب محمد المسلاتي

عزة رجب

الوظيفة السامية للتخريف

محمد الترهوني

المقهور .. الذاكرة في نثر المدينة

عبدالسلام الفقهي

اترك تعليق