متابعات

حزمه نجوم تنير

كما هو الحال دائما ومثلما هي عادة البشر في أفكارهم ومواقفهم وسلوكياتهم، نلقانا وقوفا عند الحكمة القائلة (كل إناء بما فيه ينضح) ونرى أنه فيما اختار بعض الليبيين أن يخمدوا أنفاس الحياة ونور الشمس والعقل معا، واكتفى الكثيرون بالأنين والتأسف عما حدث ويحدث وعما يعاث في الوطن من عبث وإفساد منقسمين فيما بينهم بين متباك على ماض مازال يعايش وهم زهوه وأمانه، ويائس من غد يراه بائسا شظفا، اختار قلة قليلة منا أن يضيئوا شمعة بدلا عن أن يكتفوا بلعن الظلام وأن يزرعوا بذرة محبة وأمل، علهم يبثون شيئا من انفاس الحياة في الأم الثكلى التي أتعبها عقوق الجانحين من أبناءها، ويقنعوا  شفاهها بالإنفراج عن ابتسامة تزين وجهها الذي استوطنه الكمود والكدر.

الشاعر الغنائي أحمد الحريري
الشاعر الغنائي أحمد الحريري

قلة هم بعض من مثقفي هذا البلد التقوا دون رسميات ولا مراسيم وبمعزل عن الشكليات والمظاهر المبهرجة والدعايات، واتفقوا على هدف أن يقدموا شيئا فيه جدوى لليبيا الثكلى وإنسانها المغدور والمغيب، إنهم (أصدقاء دار الفقيه حسن) بما استنوه من سنة حميدة نرجوا لها الاستمرارية والدوام، وهي عقد لقاء ثقافي اختاروا له الثلاثاء الأول من كل شهر، يطرح فيه في كل مرة موضوعا حول مبدع من مبدعينا الراحلين، الذين لا يظن أن الجهات الرسمية ولا موظفوها يعرفون كثيرا منهم، حيث تقدم ورقات حول حياتهم وابداعهم ليصار من بعد إلى مناقشتها والتعليق عليها من الحاضرين من مثقفين ومبدعين عرفوهم وتعلموا منهم.

الفنان الراحل سلام قدري
الفنان الراحل سلام قدري

الثلاثاء الأول من أمس 7/4/2015 كان الثلاثاء الأول من هذا الشهر وقد شهد احتفاءا بقامتين ابداعيتين سامقتين، فقد احتفى أصدقاء دار الفقيه حسن مع بعض المثقفين والمهتمين بالشأن الثقافي بالمرحومين الشاعر والصحفي والكاتب أحمد الحريري والفنان االملحن والمطرب سلام قدري حيث قدمت ثلاث ورقات أعدها الأساتذة مفتاح سويسي، مصطفى حقيه، وفريده طريبشان، تطرقوا فيها إلى سيرة كل من المبدعين الكبيرين وإلى جوانب من تميزهما وابداعهما، وقفى على الورقات المقدمة ببعض التعليقات والنقاشات ادارها الأستاذ مفتاح قناو وشارك فيها الأساتذة الأمين مازن، اسماعيل العجيلي حسين المزداوي، ابراهيم حميدان، وأسماء الأسطى، والذين تناولوا بتعليقاتهم وملاحظاتهم ماجاء في الورقات المقدمة، وتطرق بعضهم إلى ذكريات شخصية كانت لهم مع المبدعين الكبيرين.

ولعله من اللافت أن يصادف الثلاثاء الذكرى المأساوية لمذابح السابع من إبريل والتي دعيت من قبيل الإمعان في المغالطة والتجهيل بثورة الطلاب، وجاءت امتدادا واستكمالا لما زعم من ثورة ثقافية لما نزل نجني زقومها حتى يوم الناس هذا، حيث استهدفت بذرة الحياة والإبداع في النفس الليبية وحاولت وأدها بتجفيف منابع الفكر والأدب والفن وإحراق الكتب والأدوات والآلات الحاوية ثمار الفكر والإبداع الإنسانيين والمعبرة عن طموحات وأحلام وأماني الإنسان، واستهدفت كذلك تهميش المثقفين والمبدعين الذين استنكفوا عن الإنسياق مع تيار الظلام والعدم الذي جاءت به الأيديولوجيا التي أريد التمهيد لها بتصحير العقل والوجدان الليبيين وتحويلهما إلى يباب لايوافقها وسط غيره، والذين رفضوا الإنخراط في جوقات الصبية الأغرار الرافعين أعلامها وشعاراتها والمطبلين لها.

وهي مصادفة تنطوي على مفارقة نحتاج من أجل أن نحسن قراءتها وكي لا نسيء فهمها، إلى أن  نوليها ما تستحق من اهتمام وإمعان تأمل، وهي تبدوا أشبه باختراق لحجب الموت وغيوم الظلام والعدم الرائنة على راهننا، حتى ليبدو من وراءها مبدعانا المحتفى بهما.. ورغما عن تلك الذكرى المؤلمة .. سعيدين مستبشرين، ليس فقط لأن هنالك من لا يزال يذكرهما ويحبهما ويحتفي بإبداعهما، ويبادلهما المودة التي زرعاها في الوجدان الليبي، ولكن أيضا لأن هذه الأمسية قد أتاحت لهما أن يفيا ولو ببعض مما وعدا ليبيا به عندما ترنما سويا:

(لو تأمريني فوق نسمه نطير
ونجيبلك حزمه نجوم تنير
تضوي طريق الحب للإنسان
ياليبيا وتزرع ترابك خير…)

والحق أنها هدية لا تقدر بثمن ووحدها ترتقي إلى ما تحلم به ليبيا وتطمح إليه، وهاهم نجومها الحقيقيون مثقفوها ومبدعوها يواصلون جهادهم المستميت لمحو الظلام والعدم اللذين ظلا يهيمنان على آفاقها ويلوثان هواءها ويعشيان بصرها منذ ما يجاوز أربعة عقود من الزمن، ويضيئون طريق ليبيا والليبيين نحو غدهم المأمول، الذي مازالت للاسف تملأه وتعرقل السير فيه أكوام خردة الأفكار العنصرية والأسلاك الأيديولوجية الشائكة.

_______________

نشر بموقع ليبيا المستقبل

مقالات ذات علاقة

صدور العدد الجديد من مجلة البحوث الإعلامية

المشرف العام

ندوة حول مشروع الدستور الليبي بطرابلس

المشرف العام

أمسية عربية  للشاعر الفلسطيني جميل حمادة على منصة السعداوي

المشرف العام

اترك تعليق