طيوب النص

حربُ الأطباقِ البِتْرِيَّة

Tasha Sturm / Cabrillo College / Via microbeworld.org

نحن الميكروبات كائنات حية مثلنا مثل البشر والقطط والكلاب والسحالي والبطيخ الأصفر؛ لماذا يُصر الإنسان على إبادتنا ويتفنَّن في تدليل القطط والكلاب والبطيخ الأصفر!؟ أنا ميكروب بكتيري ويزعجني هوس الإنسان بملاحقتي وإفساد نشوتي اللاجنسية الناتجة عن ممارسة الانقسام الثنائي البسيط، والرغبة في تطهير “البدائيات الـمُمْرِضة” باسم الوقاية التي هي خير من العلاج.. أولا أنا لستُ بدائيا بل (كائن بدائي النواة) وهناك فرق… ثانيا الإنسان هو البدائي؛ لأنه حديث عهد في مشواره التطوري ولأن كل خلية فيه على حِدَةٍ عاجزة عن الاستقلال البيولوجي، وما الإنسان إلّا مستعمَرة خلايا أولية على غرار “فولفوكس” و”سبيروجيرا”، لكن هذه الخلايا تعتقد أنها كائن واحد وتتصرّف على هذا النحو متخيلةً نفسها شاحنة من لحم يقودها سائق يسمونه (روحًا).. (أيها الإنسان البدائي الطارئ لا وجود للروح إلَّا في خُرافات أديانك ورؤوس مشعوذيك).

للمزيد:

..

الحياة ليست إلَّا توصيفًا مجازيًّا لسلوك كيميائي.. الروح – أيها الفولفوكس السمين – لا تذهب إلى أي مكان بعد الموت (لأنها لم تكن موجودة أصلًا)، أين تذهب ذاكرة المحسوس حين ينطفئ الجسد؟ هل يُـحَـلِّق نظام تشغيل “ويندوز” في الفضاء بعد تحطم اللابتوب.؟ أم هل تَــحِلُّ “عمليةُ القطع” في سكّين آخر بعد تلف السكين الأول (القاطع)؟.. ما النار إلَّا توصيفٌ شِعريٌّ أنيقٌ لجملة تفاعلات مادية..؟

(1)

أنا ميكروب من خلية واحدة منتبه بعناية إلى محيطي، صحيح أنني غير منتبه إلى حقيقة انتباهي لكن هذا لا يُنقص شيئًا من قَدْري ولا يجتزئ حقيقة أنني – على رغم كوني خلية واحدة – خليةٌ لها شخصيتُها وكيانُها المستقل، بخلاف خلايا الإنسان الـمُستَلَبة شخصيتُها كألواح سفينة ثيسيوس.. أنا ميكروب عريق، نظام كيميائي مُغلق مُكتفٍ ذاتيًّا، تطوّر تدريجيًّا عبر ملايير السنين عن أنظمة كيميائية غير حية.. وهذا التفاعل الطارئ الذي يُسمي نفسه إنسانًا ليس أكثر من ظاهرة بيولوجية مؤقتة وهشّة في عمر الأرض، ستندثر في أول اختبار بيئي حقيقي؛ لأنها ببساطة (مثل الديناصورات) تجهل أبسط أساسيات التكيف الاحترافي مع الكوارث.. إنه أيضا قليل انتباه بخصوص أن سباق التسلّح التطوري بين الميكروبات وبين جهازه المناعي (الذي هو أيضا خلايا ميكروبية لا تختلف عنَّا إلَّا في إمَّعيَّتها) يميل مع الزمن باتجاه انتصار واضح وساحق لمصلحتنا نحن الميكروبات التي تقاوم هذا التلوث الـمُمْرِض. نعم.. أنا نسيت أن أقول لكم إن البشر أكثرُ تلويثًا وإمراضًا مِنَّا؛ أعداد الميكروبات التي لقيت حتفها بسبب مجازر الإنسان لا تمكن مقابلتُها بضحايا الإنسان الناتجة عن دفاعنا المشروع عن أنفسنا. لهذا وجب تأديب هذه الآفة الطارئة ووضعها في حجمها الطبيعي. (لاحظوا أننا لا ننوي إبادتها بل توبيخَها بيولوجيًّا فقط). وهذا التوبيخ حتمي فقد ساهم الإنسان نفسه في مستقبله الكارثي بتسريع تطورنا ضد مضاداته الحيوية التي نعرف كيف نتجاوزها كل مرة. سيُهزم الإنسان بسبب غبائه الـمُفرط في استعمال ذكائه.

(2)

قلتُ أنا ميكروب أجسّد الحياةَ في أوضح صورها (نظام كيميائي مُغلق مكتفٍ ذاتيًّا قابل للتطور الداروني) وقادر على تحليل كل إنسان وإعادته إلى عناصره الكيميائية الأولية (حجمِه الطبيعي). وسيكونُ لِزامًا على الحياة أن تقِفَ وتنتظر حتى يُعاد تجميع هذه العناصر من جدولها الدوري بواسطة النبات (الـمُنتج الحقيقي الوحيد في هذا الكوكب) ليجيء إنسان مُستهلك آخر يتغذى كعادته على عَرَقِ جبين البناء الضوئي. إنه – حتى – غير قادر على تحضير غذائه بنفسه.. أما موتُه فهو فضيحة بيولوجية أخرى، إذ يكفي أن تعجز خلاياه عن التواصل فيما بينها (لأي سبب) لتدرك كم أنها بدائية وغير قادرة على الاستمرار، وكم أن الوعيَ هشٌّ..

(3)

أنا ميكروب أتكاثر بأقصرِ الطرق وأسهلِها. أكونُ كائنًا واحدًا فأنشطرُ وأغدو كائنين اثنين دون أن أكون أيًّا منهما (على رغم أن كلًّا منهما ما زال أنا). هل خَبَرَ الإنسانُ هذا التعقيدَ الوجوديَّ؟ هل يشَطِرُ نفسَه جزئين مثل البلاناريا التي يستقِلُّ كلُّ شطرٍ منها لاحقًا ويغدو كائنًا منفصلًا.؟ هل يُعوّض أطرافَه الناقصةَ كما يفعل نجمُ البحرِ؟ هل يزرعُ نفسَه (أو جزءًا منه) شجرةً أو يبادِلُ فروعَهُ مع أقرانٍ أخرى؟ لا يخلِدُ الإنسانُ مثل قنديل البحر الذي لا يشيخُ ولا يموت..! لا يعرفُ الصحوَ الدائمَ؛ إذ لا بد له في كل يوم أن يغرقَ في ظاهرة غيبوبية يسميها (النومَ)، وأسميها أنا (الموتَ المؤقتَ للوعي).

(4)

يجهل البشر أنني أحاصرهم من كل جانب. أنا أحيط كلَّ خلية من خلاياهم حتى بات لكل إنسان على حِدَةٍ بصمةٌ ميكروبيةٌ خاصةٌ به تُفَرّقه عن غيره، بصمة يتركها على سطح أحمر شفاهه أو موس حلاقته. عدد الميكروبات في جسده أكثر من خلاياه المسجّلة رسميًّا في جسده. أنا أنتج له كثيرًا من الفيتامينات والبروتينات التي يعجز هو عن إنتاجها. وأستهلك كثيرًا من البروتينات التي برمجتُهُ على إعدادها لي خصيصًا دون أن تكون ذات فائدة مباشرة له. أنا أساعده في عمليات التخمر المعقدة التي هي عمليات تنفُّس ذكيَّة لا تتطلب وجود الأكسجين، تعجز خلايا الإنسان عن القيام بهذه الوظائف دون مساعدة الميتوكندريا (التي يمكن النظر إليها تاريخيًّا على أنها ميكروب دخيل على خلاياه).

(5)

الإنسان حيوان غير قادر على التفريق بين القَرَفِ والتلوّث. لكنه أيضًا حيوان قادر على تمرير الخِبرة من جيل إلى جيل وتبادلها مع الأقران ومَيْكَنَةِ هذه الخبرة ونمذَجَتِها في أنساق منظّمة مثيرة للقرف والضحك؛ إذ تكفي عادةٌ مُريبة كهِوايته الشاذة _ مثلا _ في تخليق السلالات البكتيريَّة مَعمليًّا لجعله أضحوكة لنفس البكتيريا التي يُـخَلِّقها، تلك التي ليس لها أسلاف حيَّة ولا داعٍ أصلًا… نعم، يُـخَـلِّقها (حرفيًّا)، إنه فرنكشتاين مبدع جدًّا في توظيف الهراء العلمي الخاص به..! قلتُ سيُهزم بسبب غبائه الـمُفرط في استعمال ذكائه.

مقالات ذات علاقة

الكلام النيء

حواء القمودي

في ظل جدار

المشرف العام

نص لن يكتمل

أحمد الفيتوري

اترك تعليق