من أعمال الفنان محمد الشريف.
قصة

حدريس

الإهداء للأديب الليبي الكبير زياد علي

Mohammad_Esharif (4)

(1)

خمسون يوماً من المسير إلى الشمال، عابراً قرارة الأبنون، إلى سرير القطوسة، ومنه إلى جبال الهروج.. مائة عام أو يزيد، عن آخر رحلة لأسلافه نحو الشمال  “حدريس أبنو كي ها” آخر عنقود سلالة المشواشيين الأقحاح، الذين عمَروا مدينة الماندو قبل آلاف السنين.. ليبي القسمات، دست الشمس لونها في ثنايا وجهه، وحقنته بالإصرار والعزيمة.. اليوم غادر أوشاز الأبنون تنفيذاً للوصية الكبرى.. ألف عام من الكمون، ومائة عام من السيول، ثم مائة، لتعود الماندو سيرتها الأولى، عاصمة لأقار العظمى.

“يخرج من صلب المشواشيين، آخر سادات الصحراء، ليجر الشمس إلى الشمال، ويعيد الطائر المفقود إلى وطنه.. يدخل بيت آخر الطغاة في أبهى حلة محاطاً بحراسه كملك متوج”

 هكذا قالت تانيت.

في اليوم السابع، من الشهر السابع، في العام السابع بعد الألف، من التقويم المشواشي، تعود المدينة التائهة في بحار الصحراء إلى الظهور من جديد.. خمسون يوماً تقول الوصية، حين يغرق الشمال في المطر والدم، يكون الحائل بين “حدريس” وقصور المرة1، مبيت ليلة واحدة.. أمضى ليلته بجوار كنيس الآلهة نفوسة.. ثم انسدل في الصباح عابراً نحو الشمال، حيث لم يعد يفصله عن القصور سوى صبر ساعة.

(2)

نصب الليل خيمته في أرض الموعد، على مرمى حجر من قصور المرة، وبدأ ينفخ رويداً في جلباب الوقت ليكشف عن سيقان الفجر.

 هنا دفن أبنو الأول مفتاح العودة

 هكذا قالت تانيت.

مع أول شعاع أزرق يضرب الأرض، ضرب “حدريس” بفأسه مثنى، وثلاث، ورباع.. ولكن لا شيء حتى بعد المائة الثانية

 صدقت تانيت وكذبت يا حدريس

هكذا خبّر نفسه مرات، ومرات، قبل أن تقبض عليه سرية الإسناد الأولى بالمنطقة الغربية.. تعالت أصوات المتطوعين عبر أجهزة اللاسلكي، عن مشعوذ ينبش الأرض في قصور المرة، كما عهدت هذه المنطقة مراراً.. بسر “حدريس” لوهلة من هول الصدمة، ولكنه سرعان ما أقبر خوفه، واستسلم لإرادة الله.

 سأله شاب بدين يعتمر كوفية مموهة، ويمسك باليسرى سلاحاً – لم يره “حدريس” من قبل – عن اسمه؟

 فرد بعد عدة محاولات: حدريس.

– شنو؟ قال البدين

– حدريس أبنو.. رد هو

ضحك الجميع فيما أضاف البدين بلهجة متهكمة: (مقنيته)

أي ما أجمله.. لم يجد “حدريس” صعوبة في التعرف على سحنات معتقليه، تروي قصص الأبنون عن مستعمرين كثر جاؤوا من الشمال، والشرق للاستيطان في تمازيغت.. سالت الدماء في الشمال، وأبيد كثر من أبناء عمومته، وحفظ الله الماندو، بأن دسها تحت تراب تشوينت، التي ستزيحه السيول، والدماء القادمة من الشمال، لتعود المدينة المفقودة للحياة، بعد أن يحضر “حدريس” المفتاح من أرض الموعد في قصور المرة.

(3)

اقترح مسلح مبادلته بأحد الأسرى، لدى كتيبة الشيوخ.. سيكون هذا المشعوذ صيداً ثميناً لهم.. هز البدين رأسه موقعاً على صلاحية الفكرة، وذابت سيارة الدفع الرباعي في الأفق.

إن القيود تأبى أن تلامس معاصم الليبيين الأحرار، ولكنه قيد وألقي كالشاة في صندوق السيارة الخلفي.. المشواشي الأربعيني، الذي قضى عمره متخفياً بين كاف الجنون، ومدخنتوش، ليحقق نبوءة أبنو الأول في تحرير أرض الليبو من الغزاة، يساق إلى حيث لا يدري، متحسراً على ما أنفقه من الدماء والدموع.. تذكر أنه لم يسأل عن صدق نبوة تانيت.. هل يدخل حقاً بيت الملك السابق، في أبهى حلة محاطاً بحراسه كملك متوجّ!!

 

(4)

ظهر في عدة مناطق على امتداد الصحراء، ليوفر لشعبه الذي لا يزيد عن الألف، المأكل والشراب، وتعلم لغة العرب وقليلاً من فجاجتهم.. ولكنه احتفظ بلغته التي يزيد عمرها عن أثني عشر ألف عام.. أطلقوا عليه العديد من الألقاب، ولكنه لم يعرف نفسه كمشعوذ إلا الآن.. وصل إلى سرية الشيوخ، بعد مفاوضات عدة، ولكن أسير الكتيبة كان قد غادر إلى المشفى، بعد أن اختبر كل أنواع التعذيب، ليتضح صباحاً أنه ليس الشخص المطلوب.. خاف البدين من لعنة السحر، فباعه بطلقات معدودة وكان فيه من الزاهدين.. شعره المنسدل، ولحيته الكثة، وملابسه الرثة دفعته مباشرة إلى حجرة الاستقبال.. قُيد من قدميه ليتدلى رأسه للأسفل، فيما يداه مشدودتان إلى كعبيه، وبقى كذلك حتى فقد وعيه.. وفي اليوم التالي عرف من رجل تبدو عليه علامات الصلاح أنه لم يبد أي نوع من الإحساس.. عرف “حدريس” أن الرجل الصالح هو من أشرف على تعذيبه.

أين خبأت عقد السحر؟ ولصالح من سحرت من؟

أعاد الرجل الصالح من كتيبة الشيوخ سؤاله، فيما قال أنه يعيده للمرة الألف.. ولكنه لم يحصل على أي شيء.. أمضى “حدريس” أسبوعاً كاملاً في ضيافة سرية الشيوخ، جسداً بلا إحساس.. إلى أن قررت السرية تسليمه للجنة الأمنية العليا، بعد أن ضاقت ذرعاً من عناده؛ فهي المرة الأولى التي يصمد فيها شخص أمام فنون التعذيب المتعددة هنا.. كان البحث في طرابلس عن ساحر مكين ليحل ألغاز القذافي قد اشتد، بعد اكتشاف حجرة تحت الأرض، في معسكر باب العزيزية، أبلغ عنها أحد أعوانه المجلوبين من نيجيريا.

(5)

مشطت اللجنة الأمنية المكان مرات ومرات، إلى أن تمكنت -حسب الوصف- من اكتشاف الغرفة التي تم إخفاؤها بطريقة مذهلة.. كان البحث جارياً عن مستندات غاية في السرية أبلغ المجلوب عنها؛ ولكن الحجرة التي لم يكن لأحد غير الأكسجين والقذافي مسموحاً بالدخول إليها أذهلت الجميع.. سبعة أمتار بالطول، والعرض، والارتفاع، يوصل إليها نفق بطول سبعة أمتار أيضاً.

(6)

بعد أن اقتيد إلى أحد فنادق الدرجة الثالثة التي تسيطر عليه إحدى الكتائب، اقتيد “حدريس” ليعاد تصنيعه من جديد.. هكذا قال (الدحية) أحد أمراء الكتيبة محدثاً آخرين عبر جهاز اللاسلكي.. لقد أرادوا لطائر الشبهات أن يحلق بعيداً؛ فحدريس بشكله هذا قد يجلب المشاكل.. أمضى اثنان من الحلاقين، أربع ساعات في توضيبه، وإعداده ليبدوا كأحد حراس الحدود.. ثوب أزرق طويل وعمامة بيضاء تغطي ثلثي وجهه.. حقاً بدت فيه ملامح الليبيين الأحرار.. وصل إلى باب العزيزية محاطاً بحراس، وشعر بالفعل أنه ملك متوج.. هناك كان في انتظاره رجال من كتيبة أمنية قيل له أنها تتبع درع الوسطى.. الرجل الذي بادره بالتحية كان أقصر المتواجدين، عرف بعد ذلك أنه أكثرهم سلطة.. لم يضيع الوقت ليعرض عليه اتفاقاً مغرياً.. كان يناديه يا شيخ، وهو ما أذكى غرور المشواشي الأخير.

– هذه حجرة القذافي معبية سحر.. جبنا من قبل أربعة شيوخ وكلهم ماتوا بعد يوم أو يومين من دخول الحفرة.. المليح فيهم قعد في الداخل خمس دقائق وطلع ايعيط.

هز حدريس رأسه معرباً عن فهم وقبول الصفقة، ورد بلهجته الليبية المشواشية:

– نعمو.

(7)

كانت المرة الأولى التي يسمح فيها لحدريس أن يسمع صوته.. أضاف زعيم المجموعة المسلحة تفاصيل أخرى عن عرضه القيّم.. إبطال السحر.. إخراج الوثائق.. مقابل الإفراج، ومبلغ من المال، وسيارة تعود به من حيث أتى.. يعرف “حدريس” مسبقاً أن نفقاً مثل هذا لم يفتح لسنوات، ولم تدخله الشمس، أو الهواء ما هو إلا شهادة وفاة لكل من يدخله.. روت له جدته “شعلوبة” عن قصص اكتشاف مغارات، ودواميس كانت مقفلة لسنوات، وكيف أن من دخلوها فقدوا عقولهم، لا لسحر فيها؛ ولكن لانتشار الهواء السام.. هكذا أخبرته الجدة، ونصحته دائماً بإضرام النار لساعات، وترك المكان أسبوعاً حتى يكون صالحاً للولوج.. لكن الفكرة برمتها لم تعجب المسلح، والذين معه؛ الذين كانوا أشداء على حدريس، وإن كانوا رحماء بينهم.. لقد رأوا في ذلك مجازفة بوثائق مهمة.. أخيراً وجدوا الفكرة المناسبة لحل المعضلة.. بعد ساعة واحدة وصلت سيارة الدفاع المدني بعدد من الأقنعة، واسطوانات الأكسجين، ليجد “حدريس” نفسه في مغارة القذافي.. أرفف عديدة، وصور لنساء، ومخالب لم يرها من قبل.. جميع أنواع السحالي التي رآها تقريباً تنتشر في أرجاء المكان.. أعاقته اسطوانة الأكسجين فقرر الاستغناء عنها.. الأصوات في الأعلى بدت خافتة.. الجميع متشوق لكشف أسرار المكان.. بعد أن ملّوا الانتظار، قرروا سحب الحبل، الذي تم لفه بإحكام على اسطوانة الأكسجين فخرجت، وبقى “حدريس” في الأسفل.. قرون ودان.. حرباوات.. منديلان حمراوان كأنهما دم غزال.. كتب عدة، وأكواب تجاوزت الأربعين، فيها صور صغيرة لأناس لم يرهم من قبل.. بدأ المكان عفناً، رائحة البول تثيره بشكل مستفز.. عادت الأسطوانة للظهور في سقف الغرفة فتلقفها، وشد الحبل ليعلن أنه مازال على قيد الحياة.. اكتسحت ابتسامة عريضة وجه زعيم المجموعة ليصدح دون إرادة:

– حي الكلب !! أي مازال حياً

لم تكن تلك الغرفة هي كل شيْء؛ ففي إحدى الزوايا باب صغير قاد “حدريس” إلى غرفة صغيرة أخرى، ما كان ليدخلها لولا أسطوانة الأكسجين، ورغم ما يعرفه من حروف ليبية قديمة؛ إلا إنه لم ير مثل هذه الحروف من قبل.. تمعن جيداً في المكان وكأنه في حلم.. عملات ذهبية قديمة.. خرائط مبهمة.. وفي ركن قصي لم تخطئ عينه ما كان يبحث عنه في قصور المرة.. هول المفاجأة أسقطه أرضاً.. حقاً إنه مفتاح مدينة الماندو المفقودة.. الآن لم يعد أمام نبوءة تانيت إلا القليل.. دس المفتاح بين ثنايا ثوبه، وحزم ما استطاع من وثائق، وشد الحبل إلى الأسفل ليجره الرجال بحماس إلى أعلى.. دفع لهم بالوثائق، وأبلغهم أنه أبطل مفعول السحر:

– السحرو خلاص!!

بهذه الكلمات انتهت شروط العقد.. الرجال بدأوا بالنزول لإخراج الوثائق، فيما ذهبت بعض اللقى للمنازل، وغادرت الوثائق إلى مقر جهاز المخابرات.. طالب “حدريس” بما وُعد به، ولكن رئيس جهاز المخابرات الذي كان يتابع العملية، مع رئيس المؤتمر الوطني، عبر الهاتف طلب مقابلته.. سرعان ما تسرب الخبر عن ساحر مكين.. فعل ما عجز عنه الأولون.

(8)

اقتيد “حدريس” إلى مكان مجهول خوفاً عليه من الصحافة.. وبدأت القنوات الليبية ببث أخبار مجتزأة، عما حدث في باب العزيزية.. ظهر في شريط قناة العاصمة الإخباري، أن شيخاً جاء من تمبكتوا، كشف كل أوراق القذافي السرية.. فيما بثت قناة أخرى، مقطعًا صوره أحد الجنود الذين أشرفوا على فتح مغارة القذافي، ووجد طريقه لليوتيوب؛ ففي ليبيا لا يوجد شيء سري على الإطلاق.. دبت حركة غير عادية في المؤتمر الوطني، وقيل إن بعض الأعضاء طلبوا عقد جلسة عاجلة لوضع حد للغط الذي أخذ ينتشر بين الناس.. فصفحات الفيس بوك تدفع كل يوم بمعلومات جديدة عن “حدريس” الذي كشف علاقات مشبوهة لبعض الأعضاء، مع أجهزة مخابرات عربية ودولية.. بعد خبر إلقاء القبض عليه لتكميم فمه، ظهرت عدة صفحات أهمها (كلنا حدريس الذي فضح المؤتمر الوطني).. نشرت صحيفة فبراير تقريراً مطولاً عن أمة الأبنون التي عاشت في ليبيا منذ آلاف السنين، وقيل أن الرمال طمرتها.. البحث الذي كتبه باحث شاب من مدينة تمسة، قدم عدة روايات شفهية عن قبيلة ظهرت في فترات متفاوتة، بمنطقة الهروج، وواو الناموس وقرارة سعدة.. وقيل إن الباحث الإيطالي موري، كان قد التقى بشخصية غامضة من قبيلة تسمى أبنو، وقدم بحثاً لنشره في جامعة روما؛ ولكن البحث اختفى في ظروف غامضة!!.. قالت بعض الروايات، أن (ابو المعارف) الذي ظهر في رملة هون منذ سنوات، لم يكن إلا حارسا لهذه الأمة.

(9)

خلال شهر واحد تحولت قضية “حدريس” لقضية رأي عام، وقد تلقفت السفيرة الأمريكية (ديبرا جونز) خيوط القضية، وأرسلت تقريراً عاجلاً لمكتب الرئيس الذي كان يقضي إجازته في منتجع Horse tooth في مدينة فورت كولنز.. قطع الرئيس إجازته على عجل، وطلب من مكتب الأقليات العرقية، في وكالة المخابرات الأمريكية إعداد تقرير مختصر في ظرف 24 ساعة، وفي اليوم التالي، خرج ليتحدث في مؤتمر صحفي، عن قضية “حدريس”، سليل قبيلة المشواش الليبية الأصيلة، وطالب أوباما من المؤتمر الوطني منح حق الحياة لليبيين بالتساوي، واحترام الثقافات، والخصوصيات الإثنية.. كان “حدريس” حينها مستلقياً في إحدى غرف فندق كورنثيا، قريباً من رئيس الوزراء، يتابع صندوقاً كبيراً اعتقد في بادئ الأمر أنه نافذة، فيما باءت كل المحاولات بالفشل لإقناعه بأنه تلفزيون.. مصادر مقربة من رئيس الوزراء قالت إن دولة الرئيس كان يخطط لاستخدام قدرات “حدريس” في إزاحة المؤتمر الوطني عن المشهد السياسي.. ولكن الكلمة الفصل كانت لصقور المؤتمر، الذين عرفوا من خلال عيونهم المنتشرة حتى في دورة مياه رئيس الوزراء، عن مخبأ الشخص الذي صار هاجس جميع الليبيين؛ فقرروا إظهاره للعلن، علهم يصيبون حمائم المؤتمر في مقتل، تسليماً بأن لدى “حدريس” معلومات قد تغني عن قانون العزل السياسي.. احتشدت وسائل الإعلام المحلية في فندق ركسوس، فيما أرسلت عدة قنوات أجنبية مراسليها لتغطية الحدث.. بعض الناشطين اصطفوا أمام الفندق يحملون اللافتات (كلنا حدريس الذي فضح المؤتمر الوطني).. دخل القاعة كأنه ملك مهيب يتوق الجميع لمصافحته.. وتعلم هو في فترة إقامته في فندق كورنثيا -قريباً من رئيس الوزراء- كل شيء عن ليبيا، كما تعلم بسرعة مذهلة فن التعامل مع الناس.. أحضر له وزير الثقافة عددًا من المثقفين ليسردوا له تاريخ البلاد منذ كتابات أكاكوس، التي يصعب فك طلاسمها، حتى كتابات جدران باب العزيزية التي يصعب فكها أيضاً.. ولكنه بدأ تاريخاً خالياً من أي ذكر لأمة الأبنون.

(10)

علمه حراس دولة الرئيس الكثير من الألفاظ النابية، ولكنه نادراً ما كان يستخدمها حتى في أشد حالات ضيقه باستثناء كلمة (الزفت) التي طوعها لتناسب لهجة الأبنو لتصبح (الزفتو).. قيل له أيضاً إنه غير مرحب بأي إثنيات غير العربية، وإن هذا التقليد متعارف عليه منذ أربعة عقود، وأصبح من التراث الأصيل.. قدموا له الرشى لكي يقول ما لقنوه ولكنه رفض؛ لأنه لم يكن لديه سوى هدف واحد هو العودة بالمفتاح الذي سيقوده لمدينة الماندو، التي ستكشفها السيول، فتعود للحياة من جديد.

– جدو قالوا في جيبك فلوس.. في رقبو حبل!!

هكذا قال لهم، أنت عبد للذي وضع في جيبك المال.. رغم بساطته إلا إنه قد أحكم القبض على مغاليق الحكمة.. شق الطريق بصعوبة داخل المؤتمر، وكانت التعليمات أن يتم قطع الصوت في حال تحدث بغير ما خطط صقور المؤتمر الوطني.. تهامس عضوان من الأمانة العامة للمؤتمر، أحدهما يسأل الآخر وهو يحمل دكتوراه في التاريخ الليبي من جامعة كمبوديا:

– تعرف أمة الأبنون؟

رد الآخر:

– كيف لا!! هاذي أمة عريقة!!

تفرق الأعضاء بين سائل ومجيب، فيما تطوع أحد الصقور للترحيب بحدريس، طالباً منه الكشف عما عنده، وألا يخيب آمال الليبيين، الذين جاؤوا من كل فج عميق، فيما ملايين أخرى عبر البث المباشر تنتظر الجواب الشافي.. تفحص الوجوه عله يجد من يشاركه الملامح وصرخ في وجوههم:

– الزفتو ما فيكمش واحد ليبو!!

 

(11)

عرف بفراسته أن جميع الحاضرين جاؤوا إلى هذه البلاد التي لم تكن يوماً لهم.. تطوع صقر آخر ليسأله ضد مَن مِن الأعضاء يملك أي إثباتات إدانة، كما جاء في وسائل الإعلام وصفحات الفيس بوك؟ ساد الهرج والمرج.. واتهم بعض الأعضاء بمحاولة الاصطياد في الماء العكر.. حتى إن البعض آثر الصمت، وغط في نوم عميق.. أخيراً قرر “حدريس” ترك لاقط الصوت الذي ما عرفه يوماً، ووسط ذهول الجميع أخذ يفتش جيوب أعضاء المؤتمر الوطني.. كلما مر على جيب صرخ بأعلى صوته:

قطرو – إماراتو – دولارو – يورو – حتى مر على أغلب العملات الأوروبية تقريباً.. ولم تخلُ القائمة من عملات أفريقية أيضاً.. صرخ بأعلى صوته:

– حتى السودانو يا معفنو!!

شعر الجميع بالخجل وهو يضيف:

– تمنيت لقيت فلوس ليبو!!

لم يكن لحدريس ما يضيف؛ فقد أفاق عضو كان قد أمضى ثلاث ساعات تقريباً في النوم.. تحسس جيبه ليتأكد أن الفيزا كارد مازالت في مكانها.. وأن القصة برمتها ما هي إلا كابوس.. أخذ نفساً عميقاً وسأل زميلاً بجانبه:

– شن البند اللي عليه التصويت توا؟

رد الزميل

– ترسيم اللغة الأمازيغية.

رفع يده معارضاً على القرار.. وتمتم في سره:

– هذا اللي ناقصنا!! من هم الأمازيغ زيدها هم الأبنون!! أنزل يده، وعاد ليغط في النوم من جديد!!

فورت كولنز- الولايات المتحدة الأمريكية

2014/02/28

__________________

1-  منطقة في جنوب مدينة الزاوية، بها آثار قديمة تسمى قصور المرة.

مقالات ذات علاقة

الْهَمْزة

أحمد يوسف عقيلة

توت.. توت ..

هدى القرقني

دقيقة من فضلك!

عبدالرحمن جماعة

اترك تعليق