طيوب عربية

حدائق الإنسان: الوحل من حولنا!

حازم خيري – مصر

“الصندوق الأسود”

          إسم برنامج تلفزيوني شهير في مصر

أمر صعب أن تسير في وحل. أنت محاصر، فكل خطوة تقربك من قلب الوحل وكل رغبة في تنظيف الثوب تزيده اتساخا وكل صرخة تمرد تزيدك فضحا ومظلومية.

أمر صعب أن تنهار الأرض وأنت فوقها، يحرمك هذا حتى من أبسط حقوق الموتى! لا يعرف الغد لك قبرا، ففي قلب الوحل لا فرق بين الأحياء والأموات.

أمر صعب أن نعيش قردة عارية، يراقب استخباراتيونا – ونظرائهم في الخارج -همساتنا وسكناتنا ونحن نتحرك في أوطان أشبه بحدائق الانسان، أوطان تشبه إلى حد كبير حدائق الحيوان، حيث لا خصوصية تعصم آدميتنا من الهتك.

فى حدائق الانسان لاحق لك سوى في المصالح الحياتية – إن هى توافرت أصلا -، كسرة الخبز وشربة الماء وحضن أنثى. نزلاء هذه الحدائق يرون أنفسهم في مرايا “خادعة” ينصبها رعاة الحديقة في كل الأركان، تطربهم صيحات النزلاء وهم يرون عظمتهم في مراياهم الخادعة.

قد يفاجئك حارس الحديقة وأنت تقضى حاجتك أو وأنت تعبث بجسدك أو وأنت تضاجع أنثى، وإذا عاتبته قال لك في دربة: أمن حديقتك في عريك!

حدائق الانسان لا أسوار لها، وهنا المعضلة، فأشرس الأسوار هي ما لا نراه. حدائق الانسان لا أبواب لها، حتى ينسى نزلاؤها معنى الخروج من الوحل!

قرأت في أحد الكتب المترجمة أن فيلسوفا يونانيا لست أذكر اسمه أقدم على أمر غير مألوف – وقتها في الغرب – وهو مضاجعة إمرأته أمام الناس في عرض الطريق، ولما سُئل أجاب أنه أراد كسرا لاجماع مجتمعى، من جهة أن الفلاسفة ليسوا بناة اجماع.

ما فعله الفيلسوف اليوناني ربما يتفق وجرأة الفكر اليوناني، غير أنه شديد البعد عن خصوصيتنا الثقافية – علىى الأقل حتى اليوم -، فلنخلق لوننا الثوري في اعترافنا وفي تقزيمنا لحرائق الاجماع ولسطوة استخباريينا، فثمة علاقة طردية بين شيوع الفضح والابتزاز وبين التخفي وتأجج حرائق الاجماع.

 

“القرد العاري” هو كتاب صغير شيق ومهم لديزموند موريس، قادتنى الصدفة لشرائه منذ سنوات من أحد معارض الكتاب بالقاهرة. لفتنى عنوانه المتميز وغير المألوف – على الأقل بالنسبة لى وقتها -. وبمطالعتى الكتاب وجدت المضمون لا يقل تميزا وثورية عن العنوان، هو – حسب ما أذكر – دراسة مقارنة بين أوجه الشبه والاختلاف في الممارسة الجنسية عند الانسان والحيوان.

 

موضوع الكتاب هو مجال معرفي تكثر فيه بحوث الغربيين، فنجاحهم في تشريح الطبيعة الانسانية وارتقائهم بها على هذا النحو ربما غير المسبوق يرجع على الأرجح في شق كبير منه لمثل هذه الدراسات المقارنة التى تبرز الجانب الغريزي وسطوته ومخاطر عدم الارتقاء به عبر الفنون والآداب وغيرها من المهذبات الكبرى..

أذكر أيضا أنه أثناء اعدادي لأطروحة الدكتوراه في مجال السياسة، أدهشنى كثيرا وجود دوريات في مكتبة الجامعة الأمريكية بالقاهرة – وهي شديدة الثراء المادى والعلمي – تناقش أفكارا كـ”القرد العارى”، ولم أكن قد قرأته بعد، عبر غوص جرىء ومؤلم في أعماق الغرائز الانسانية، لاستكشاف منابعها في محاولة لتعزيز النقاء.

وبشرائي “دش” في أعقاب اندلاع ثورة 25 يناير المجيدة بسنة أو أكثر تقريبا، وكنت قبلها مقاطعا لعصر الفضائيات لسنوات وسنوات، أدهشنى وأثار فضولى لفترة وجود فيض هائل وقنوات متخصصة في عرض ما يسمونه أفلام “البورنو” أو “الاباحية”، هي في مجملها تجسيد لأفكار ديزموند موريس ومدى استبداد الغريزة ومأساوية سطوتها في غيبة المهذبات الكبرى، أو لنقل في حضور تجارة الرقيق الأبيض..

فالغربيون – للانصاف – لا يصح وصف مجتمعاتهم بخلوها من الفنون والآداب وغير ذلك، وإنما يصح وصفها بالشفافية المرعبة، من جهة تخصيص بعض بؤسائهم للاشتغال بالاباحية، وتخصيص بعض علمائهم لاجراء البحوث في المجال نفسه!!

 

ان فائض الطاقة لدى الانسان الذى يستخدم – وكما يقول باحث غربي – في ممارسة الجنس هو نفسه الذى يستخدم في الفنون وغيرها من مجالات الابداع.

مقالات ذات علاقة

مَــنْ يُـدَحْـرِجُ ..عَـنْ قَـلْـبِـي .. الضَّـجَــرَ

المشرف العام

بوح الأمكنة.. نابلس والذاكرة

المشرف العام

(دفاتر الوراق) رواية جديدة للروائي جلال برجس الزمن الجديد

المشرف العام

اترك تعليق