قصة

حاملة المفاتيح

أربكتني طريقة هذا الرجل في سرد أحاديثه وما أخشاه هو فشلي في محاكاته لعدم قدرتي علي التأثير في الآخرين كما فعل ذلك المساء. مر الآن ما ينوف عن عام ونصف على ذلك اليوم الذي رأيت فيه الرجل للمرة الأولى على كورنيش الحي الثاني أمام المقهى الذي يتخذ شكل كوخ. كان يوماً من أيام أواخر الربيع والهواء ثقيلا تضوع منه رائحة صيف على الأبواب والبحر مضطرباً مثلي. أمام المقهى تنتشر مناضد خشبية صغيرة وفي الناحية اليمنى من المقهى رجل يحمل كلب بحر تجمع حوله عدد كبير من الصبية. رجل بدين وآخر نحيف يرتديان ملابس رياضية يمشيان بهدوء ويتفصدان عرقا. رأيت الرجل الغريب حيث كنت أتصفح كتابا. وقف أمامي مباشرة لقد كان طويلا نحيفا لا يخلو وجهه من وسامة غابرة بدلتها الأيام بطبقة سميكة من الجهامة كان يرتدي بنطالاً ازرق حائل اللون عند الركبتين وقميصا ابيض اللون قديما.

ربما كان في العقد الخامس من عمره عيناه غائرتان ووجهه محلوقا بشكل سيئ اخذ مني الكتاب وتهجأ عنوانه بصوت عال وأعاده وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة ثم هز رأسه وواصل دورانه حول المقهى.

وحين خفت الحركة وهبط الهدوء من حولنا وبالكاد يرى عبر الزجاج الكابي النادل الذي أخذ ينظف المقهى جاء وجلس إلى جواري، أخرج قلما أحمر وراح يرسم دوائر حول أثار أعقاب السجائر التي تنتشر على حواف المنضدة انزل رأسه ووضع ذقنه على حافة المنضدة وقال بصوت خافت:

– لو سمحت يا سيدي اعطني سيجارة إذا أمكن ذلك.

التقطه برؤوس أصابعه كما لو كان يلتقط شيئا دقيقا ولفه بين أصابعه واستنشقه مليا ثم وضعه خلف أذنه وقال:

– هل أنت جزائري؟

سكت وهو يضرب المنضدة بأصابعه محدثا صوتا كعدو الخيول، ثم نهض ودخل المقهى وخرج حاملا علبة مشروب أفرغها في جوفه دفعة واحدة ثم تشجأ وأردف:

– كنت أعتقد كذلك.

حرك كرسيه للخلف قليلاً وراح يقفز بالكرسي حتى التقط علبة مشروب فارغة فنفخها ونفخها ونفخها ثم وضعها تحت قدمه وفجرها ثم عاد حاملا كرسيه فوق رأسه وقال:

– الحياة صعبة هذه الأيام، وقد تتساءل لماذا فالجواب يا سيدي صعب، أنت تقرأ الكتب فتزداد حزناً وأنا اقرأ الوجوه وأتصفح من أقابلهم فازداد تعاسة، وإذا أردت معرفة المزيد فتأمل الوجوه وسترى الجميع يكظمون آلمهم كما لو كانوا على مقعد طبيبة أسنان.

نظر إلى ضوء نائي ترتعش وتتموج هالته صادراً عن فانوس لمركب في عرض البحر. ثم ألقى نظرة خاطفة من فوق كتفه ليتأكد من أنه ليس هناك من يجلس خلفه وأخرج صفحة من جريدة قديمة وأراني صورة رجل يبتسم، هزّ رأسه وابتسم وقال وهو يضع إبهامه على وجه الرجل الذي يبتسم في الصورة حتى اخترق إبهامه الصورة:

– هل تعرف يا سيدي إنني لا أسكر، تركته منذ زمن. لقد كنت عندما أتجرع كمية كبيرة من الشراب أشرع حالا في البكاء فالخمر يفضح العقل الصامت .

أخذ مني الكتاب مرة أخرى وقلب صفحاته ورماه أمامي وابتسم بسخرية وقال:

– هل تصدق إنني أكره الكتب الآن يا سيدي لقد قرأت العشرات المئات. كان يحدوني أمل في أن أقرأ الآلاف منها وان أصبح كاتباً ولكن الأمل انطفأ اليوم لقد أوقعتني الكتب في مآزق أتذكر مرة أنني كنت في المطار متوجها إلى باريس، فأوقفني رجل كان يوزع نسخاً من كتاب فأعطاني بعضاً منه فقلت له متفاديا الإحراج: لا أجيد الفرنسية. فأجاب: اهديها إلى أول وجه يصادفك هناك. فآخذتها وبمجرد النظر إلى العنوان شعرت بالاشمئزاز في حلقي وأمعائي وهل تعرف يا سيدي ماذا فعلت بها لقد اخترت الثانية.

كذلك هل تعرف إنني زرت الهند. يا سيدي هناك في كالكوتا شعرت بقيمتي كانسان تخاصم حولي سائقان لكم أحدهم الآخر، هل تصدق إنني لم اشعر بالغربة فطوال ثلاثة أشهر شعرت كما لو إنني هنا، لقد أدهشني مظهر الفقراء إنهم عراة، عراة تماما ولكنهم أكثر وقاراً، إنهم واثقون من أنفسهم.

مرت سحابة مزعجة من الصمت وحدق كل منا في وجه الآخر وكنت قد فكرت في سؤال ولكنه رفع يده قائلا بنبرة خافتة:

– لو إنك لاحظت يا سيدي ضوء الشمس الذي يدخل غرفتك عبر النافذة فسترى ثمة ذرات لا حصر لها من الغبار تسبح في الهواء، فلو استطعت يا سيدي أن تتخيل هذا العدد الهائل من الذرات لأمكنك أن تحظى بشيء من الفهم عن الأفكار التي تدور في رأسي عن المستقبل، ولكنها تبددت قبل شهرين في موقف الحافلات كنت انتظر طرداً وفجأة انهمر المطر مدراراً فلجأنا إلى المقهى احتماء من المطر، وجلس بالقرب منا أحد الأغنياء الجدد كان يحمل حاملة مفاتيح جميلة حاول الرجل الجالس بجانبه أن يبدو ودوداً:

– يالها من حاملة مفاتيح جميلة !

فأجابه بلهجة متعالية دون أن ينظر إليه:

– لا بأس بها ، لقد اشتريتها من دبي.

وكان رجل آخر نحيف دميم همّ بأن يقول شيئا عن حاملة المفاتيح ولكنه عدل عن ذلك فنظر إلى الرجل وابتسم بحياء وقال:

– من دبي؟ قدرت إنها من الصين

– هل تريدها

– عفوا يا سيدي أنا…

فضحك حتى بانت نواجذه النخرة وقال:

– إنها أجمل منك.

سكت وتناول السيجارة من خلف أذنه وأخرج من جيبه علبة كبريت وحاول عبثا إشعالها فوقف واستدار ذات اليسار وذات اليمين وهو يتكوم حول نفسه ولم يتمكن من إشعالها، فوضع العلبة بين أصابعه ورماها أمامه ثم ركلها بقدمه فسقطت وتدحرجت على بضعة أمتار منه وراح يضرب راحة يده بقبضته ثم قال:

– لقد تأخر الوقت.

مقالات ذات علاقة

حكايات مرحة *

رضوان أبوشويشة

ظلها الذي يتشبث

حواء القمودي

فـــــأر

المشرف العام

اترك تعليق