طيوب عالمية

جوزيه ساراماغو: أستطيع أن أري.. في رواية العمى

رواية العمى لجوزيه ساراماغو

عندما ترفرف المعاني، ويصبح البياض عتمه والليل نهار، نتسأل في حيرت اللغة بأي حروف سيدون النظر صوره وحروفه، المعني يملأ فراغ الحرف والورقة ويعي انتاج نفسه في سلالات المعاني، ولكن لابد من خطوة ترشدنا نحو اللامحدود المطلق وتحرر ذواتنا من الحضور المادي، تغامر الفكرة كالبرق، تُكسح قلمي و تجفف حبره قليلاً، كل هذا بعدما التهمت عيناي رائعة (ساراماغو) “العمي” الرواية التي تعتبر من أبرز أعمال الكاتب، الزاخرة بالعبر والأمثال، هنا يقف تحليلي لحروفه محل الدهشة والذهول حيال السرد الواقعي الممزوج بشي من التقانة الخيالية، عن وباء يجتاح مدينة ليصبح سُكانها عميان، بلغة رائقة بسيطة سهلة ومتوائمة مع الشخوص، خالية كما الأحداث من الغموض والتركيب العقدي، نابضة بالهموم الإنسانية، متفاعلة مع الحدث دون افتعال.

إن صناعة الرواية تتطلب مهارة عالية وقدرة على مسك الاحداث وتحريكها وفق سياقها، من خلال هذا النص السردي نلاحظ دقة في نقل الاحداث، ابراز ثيمة النص حول حوارات الشخوص فيما بينهم، نبحر معهم وننسي وجود الروائي حين نعيش الأحداث بأدق تفاصيلها.

بالرغم من كل الأحداث أجد أن الرواية رسالة انسانية كبيرة وما احوجنا لها، في خطاب حواري يتحدث عن انعدام الرؤية والبصيرة، انعدام الأخلاق والقيم، وانعدام معني الحياة في الحياة، فن صناعة لبناء سردي موسع التفاصيل، استطاع الروائي رسم البينة التي تنظم مرحلية الرواية في تساؤلات استخرجت مخطط كلي ينظمه المعني الظاهر ليفيض معني للحياة، تلتصق بالإنسان وتسمح بالامتداد والتشكيل حول الشخوص والأحداث.

تسرد أحداث الرواية قصة وباء فجائي يُصاب به سكان المدينة تدريجياً ومن ثم الجميع، هذا الوباء يزداد سواء عند تخلي الجيش عن المرضي، ومن ثم تسيطر مجموعة من العصابات على الدواء والغذاء، يبدا الاقتتال من أجلهما، الي ان يختفي المرض فجأة كظهوره.

سرد ملتقط:

يضع الروائي القارئ بدون مقدمة في مدينة مجهولة المعالم، غير محددة الزمن ولا المكان، في اسقاط واضح على أن الوباء يحدث في أي مكان وزمان ومدينة، ولا تخلو مدينة منه، هنا العمي يقف واقعياً أمام القارئ، العمى ليس مرضاً ولا وباء العمى الداخلي عمى الضمائر، والاحقاد، عمى النفوس المليء بالشر وبذلك غيب الخير والوفاء.

يلتقط “ساراماجو” عباراته بدقة في حوار مبهم عن الشخصيات التي تبدو ذات مستوى واحد من حيث المفردات وطبيعة النسق، مبهمة من الأسماء، محجوزة في مكان واحد اغلب الأوقات، وتدور حوارية النص في تجاذبات عينية حوار ذاتي يختلط بثنائي يتدرج نحو الجموع، كل ذلك ويعيد الروائي قلب الأدوار والحوارات ليجتذب القارئ نحو الوباء مجددا.

حقيقة واقعية:

تقف السيارة بإشارة المرور، يصاب سائقها بالعماء، ويسرقه من يساعده، من هنا يبدا الوباء في التفشي، في المدينة، بعد ان تأخذه زوجته لزيارة الطبيب وتنتقل العدوي لباقي المرضي، المترددين على العيادة، يعزل الجميع في مستشفى للأمراض النفسية مهجور، يلتقي السارق مع صاحب السيارة وتحدث المشاحنات، يموت السارق على أيدي الحراس وهو يبحث عن دواء لقدمه المصابة، تتفاوت الحكايات ولكن العميان يتوهون داخل المبني القذر سعيا منهم للحصول على الدواء والمأكل، وتبقي زوجة الطبيب هي الوحيدة بالمدينة بصيرة.

جوزيه ساراماغو (الصورة: عن الشبكة)
جوزيه ساراماغو (الصورة: عن الشبكة)

الروائي أراد أن يعري المجتمع وما فيه من تفاوت وتهاون وتفكك، وإن الاحداث التي حدثت بالرواية بعد ان سيطرت الجماعة على المرضي ومن ثم تواتر الأحداث حول السيطرة على غذاء العميان، وخروج العميان عن صمتهم ومحاربتهم للعصابة، هنا المزج الفكري بين الواقع والثقافة الملوثة بالطمع والغش، الضمير الأناني المعمى عن كل الأفكار النبيلة والصحيحة، يرغب الروائي عبر العمى الأبيض أن يظهر شخوص روايته على حقيقتهم بسطحيتهم تجاه الحياة، عدم التعمق في الأشياء والأفكار، التوغل الفكري تجاه الأخر وحب السيطرة عليه، كلها تعكس إطار المجتمع الذي ترك الطريق الصحيح وتحول الي مجتمع جشع وعقيم، ويفضل فيه بطل الرواية الأعمى الأول أن يكون عمى أبيض عن العمى الأسود يخاطب زوجته قائلا:

(( ظن أنه انتقل من عمى إلي عمى آخر، فبدلا من العيش في عمى ابيض، ينتقل الآن إلي عمى أسود ))

((أنا أعمي، أجاب الأعمى الأول زوجته بغباء من غير أن يفتح عينيه، وكأنه يبلغها خبراً ما. احتضنته بين ذراعيها بحنان وقالت، لا تقلق، جميعنا عميان ))

العمى هنا يتجلى بين أسطر الرواية ليتغير بين أبيض وأسود، يوضح الكاتب إن المقصود من العمى الأبيض ذواتنا، انطباعاتنا نحو الأخر، والأسود عتمة الذات بعد أن تستمر في غيها و جبروتها.

منذ الوهلة الأولي للرواية، يقحم الروائي القراء في امتحان ذهني، بين الحنكة والفكرة، لتكتمل الأسطر بحكمة الرؤية والعبرة في نقاء الضمائر.

فالرواية تسرد تتبع تجربة الشخصيات الأساسية عندما كانت الظروف سيئة وهم عيمان، لتكتمل بالظروف الأفضل وقد استعيدت أبصارهم، الأعمى الأول وهو أول شخص يستعيد بصره، ثم الفتاة ذات النظارة السوداء وكان الطبيب ثالث من رجع إليه بصره بعد كل تلك الأحداث، ومن ثم طفل النظارة الأحول، فحين يصرخ الجميع:

“أن الشوارع مليئة بالناس الجميع يصرخ ” أستطيع أن أري ” هذا ما كان يقوله أولئك الذين استعادوا بصرهم والذين يستعيدونه في نفس اللحظة ” أستطيع أن أري ” والقصة التي فيها بالناس أنا أعمى بدأت في الواقع تنتمي الي عالم آخر “

“يقول الطبيب لزوجته في تسأل لا أعرف لماذا عمينا ؟ “اضافت زوجته ” لا أعتقد بأننا عمينا، بل أعتقد أننا عميان، عميان يرون، بشر عميان يستطيعوا أن يروا، لكنهم لا يرون “

وتنتهي الرواية في جزئية فلسفية عندما تنظر زوجة الطبيب لعودة زحام الشارع والنفايات أسقاط سردي من الروائي عن العودة لكل شيء وكأن العمى الأبيض تبدد خوفه و أندثر، في حين توشي نضرتها لبياض السماء للنقاء الابدي في رمزية مؤنقه.

مقالات ذات علاقة

تدشين فعاليات سان سيبستيان عاصمة للثقافة الأوروبية

المشرف العام

خارج مصيدة الوعي

المشرف العام

اليهوديّة بعيون مسيحيّة

عزالدين عناية (تونس)

اترك تعليق