من أعمال التشكيلية خلود الزوي.
قصة

جنيات السين

من أعمال التشكيلية خلود الزوي.
من أعمال التشكيلية خلود الزوي.

كن ثلاثة، اثنتان منهن شقراوان.. وكان نهر السين كعادته ضجرا وكسولا وملولا..ملّ زيارات العشاق وهمساتهم المبهمة على ضفتيه، وضاق بتطفل السياح من أعلى جسوره.

اقترحت إحداهن مشاكسة النهر العجوز في نومه.. فوافقتا. وكانت الخطة أن يكون ذلك ليلا حين يسترخي العجوز ويسدل عينيه،  فيتسللن معا إلى ضفته المقابلة لكتدرائية نوتردام وينتظرن أن يقرع أحدبها أجراسها منتصف الليل كما في رواية فيكتور هيجو.

وعندما تمدد قرص الشمس البرتقالي في يوم خريفي ولون المباني الباريسية العتيقة وتوارى خلف برج أيفل الواقف على أقدامه منذ ميلاده دون كلل، قررن السير على الأقدام نحو وجهتهن وقد حملن الكاكاو الساخن والكرواسون والبان أو شوكولا، والأهم  جهاز التسجيل ومجموعة من الاشرطة المتنوعة من بينها اغنية شهيرة آنذاك لجان جاك جولدمان وبعض أغاني فيروز واغنية لحميد الشاعري. تخيرن المكان مقابل الكاتدرائية، وافترشن الأرض الصلبة ووضعن غطاءا حول أجسادهن… هبطت البرودة مع الظلام مرة واحدة، وشيئا فشيئا خفتت الأصوات عدا عجلات السيارات تنهب الطرقات الحجرية في عجالة، وأضواء بعيدة تداعب العجوز النائم دون هوادة. شغلن الاشرطة فنطقت ثم صدحت ثم شقت قلب الليل وبدا لوهلة أن السين تململ وارتعشت لجته ارتعاشا طفيفا، لكنه سرعان ما استسلم لنومه مجددا.

شعور الخوف في المدن واحد… يصاحب الظلام والصمت، اللذين يترافقان معا في رحلة الحلول مع الشمس والصخب. المدن كالنساء نهاريات كالبلور وضجرات كالظلام. مضى الوقت بطيئا ودب التردد في نفوس ثلاثتهن، لكن الأغاني المتنوعة قتلت الوقت ودفعت الخوف فتقهقر نحو مبنى الكاتدرائية العالي وأختبأ بين تماثيلها، يطل بين الفينة والأخرى من نوافذها وشرفاتها الشاهقة والضيقة.

غنين معا بلغات شتى وتمايلن وتلحفن الغطاء جيدا كلما هبت نسمة خريفية باردة. كانت قلوبهن دافئة وأطرافهن باردة، وحين أطبق الصمت على المكان أوقدن شموعا صنعت هالات زرقاء في حواف الليل وكشفت عن ملامح وجوه مبتسمة سعيدة وخائفة أيضا…

تواصل الغناء طوال الليل.. كأن الليل يشحن الحناجر بالغناء، ويعبئ القلوب بالشجن …فغنين معا ..

كان جولدمان في غنائه ينشد قصة الأم العزباء وابنها وقسوة الحياة في مدينة يبتلع مترو الأنفاق ملايينها ويلفظهم في محطاته كل مساء… بينما أغاني فيروز تهيم دفئا و حنانا وشوقا وكأنها ارتاحت في ضمة من العجوز، وأغنية الشاعري تتراقص وحدها على ضفاف السين دون أن يعيرها العجوز اهتماما أو تقلقه رغم صخبها.

دقت الثانية عشر من أجراس كاتدرائية نوتردام..طغى عبق التاريخ.. الأحدب يتسلق الدرج العالي ثم يتعلق بحبال الأجراس ويجذبها فتصدر رنينها للباريسيين وللنهر الذي كان شابا لا يعرف النوم.. أما الغجرية ذات الشعر الأسود التي عشقها فأختبأت في تلك الكاتدرائية بحثا عن الأمان تصطك فزعا كلما علت الأجراس. عاد التاريخ برنين الأجراس فتاه صوت الموسيقى وتوقف ثلاثتهن عن الغناء.. ارتعشت الشموع، وسرت في لجة العجوز ارتعاشة مبهجة..

أطفأن الشموع وجمعن حاجياتهن وتركن المكان يصاحبن الغناء يدا بيد… في قلب باريس كن كجنيات السين.. اختفين وسط ظلامه وظل نهر السين العجوز يتململ في نومه فيومه سيكون طويلا كيومهن.

_____________________

  1. 10. 2018

مقالات ذات علاقة

ما كتبهُ القادم من أعتاب نفسهُ على مذكرته وما سيحكيهِ لي لاحقًا وهو يفرغُ الكأس في جوفه

محمد المصراتي

لعنة الطريق السريع

رحاب شنيب

الخط…

أحمد يوسف عقيلة

اترك تعليق