مدينة طرابلس
المقالة

جنان النوار

إلى الصديق نور الدين النمر الذي سألني وين جنان النوار.هذي شوية من حكايته ومن عرفه يمكن يحكي حكاية أخرى من زاوية أخرى..يا ريت.

عرفت الجنان بعد ما عرفت محمد الزوي الذي عرفني بنوري شويشين ونوري النجار،نوري شويشين كانت عنده ورشة كهرباء سيارات توفى وهو في وهج الشباب،ونوري النجار أدعو له بطول العمر،وهو صاحب ” ورشة نوري ” للخراطة،معلم من معالم مدينة طرابلس مفيش واحد ميعرفهاش،تلقاها على يسارك قرب جزيرة القوارير ونت ماشي لميدان الشهداء،هي أيضا ملتقى دائم ويومي للأصدقاء.
نوري النجار يعتبر خبيرا متميزا في الخراطة وإذا راقبته لمدة دقيقة واحدة لما صدقت أنه مستغرق في صنع أو إصلاح تلك القطعة التي يصعب مسكها بإصبعين.
يقول الذين شهدوا شباب جنان النوار أنه كان حقيقة قطعة من جِنان،كان يمنح المدينة وردا على ورد صفائها وجمالها، وللإسم حكاية تؤكد ما اشتهر به أهلها من ذوق رفيع وعشق للجمال،الحكاية يعرفها الذين شهدوا مولده،يقولون أنه في زمن مبكر من عمر المملكة قررت وزارة التعليم إنشاء مدرسة في موقع الجنان الذي كان أوسع بكثير مما تبقى منه الأن،إلا أن وزارة الزراعة أو بلدية طرابلس اعترضت لأن المكان مخصص لإنشاء حديقة،طرابلس كانت محرومة من الحدائق،وكان أن شهدت المدينة أجمل معركة وأشدها رقيا في ذلك الزمان،انحاز كل طرف لدعوته ومعه أسبابه الوجيهة والغير قابلة للنقض،ثم انتهت المعركة لصالح الجنان،يقول الذين شهدوا نشأته أن مساحته كانت أكبر بكثير مما هي عليه الآن،وكان فعلا قطعة من جِنان استمتع بها الذين عاصروه،إلا أن حوادث الزمن لم تبق منه إلا مستطيلا صغيرا وهو الذي احتفظ باسمه الجميل ” جنان النوار “وهو المعروف به الآن ولعله الإسم الأشهر في المدينة خاصة وأن القاصد ميدان الشهداء من شارع الوادي لابد وأن يمر به،في السنوات الأولى بقي على أرضه بعضا من نوار شبابه ورأيت منها وردة أو وردتين،لكنها زالت مع الاهمال والزمن وحوادث أخرى ما كان يجب أن تقع،هكذا اختفى النوار وبقي اسمه يا نوري،ثم ومتعرفش كيف وأمتى ولدت ” قهوة عمي علي ” في زاوية الجنان المطلة على شارع الوادي،القهوة عبارة عن مربع صغير يكفي لإعداد القهوة وملحقاتها فقط،وقد اكتسبت شهرتها من موقعها ومن شخصية مالكها عمي علي وهو شخصية ماكرة ضئيل الجسم قصير القامة بشكل ملفت وله عينان تنافسان عين الثعلب،صار صديقنا وصرنا أصدقاؤه،نحن الأصدقاء:العبد لله وآخرون،ثم بدأ ينضم إلينا أصدقاء جدد من أدباء وموظفين ونشطاء سياسيين في السر من جماعات الأحزاب المحظورة وحتى مسؤولين من الدرجة الخاصة،وفي بعض الأحيان يتحول اللقاء إلى تجمع يمكنك سماع ضجيجه من مسافة بعيدة،خاصة وأن مناقشاتنا كانت حرة،وعندما تكون سياسية تلفت الأنظار خاصة الشرطة السرية الذين بدأوا يترددون على القهوة بشكل يكاد يكون يوميا،يسألون عمي علي أسئلة كثيرة،ولم نكن نعرف عن ماذا يسألون لكن عمي على يأتي إلينا مسرعا قائلا ” الجماعة سألوني عليكم وني عطيتهم تكميلات ” ولا نسأله عادة عن طبيعة هذه التكميلات لكننا نعلم أنه لا يتردد في اختلاق أي شيئ على أي واحد من المجموعة رغم أنه يقسم أنه لم يفعل،،كانت لديهم معلومات عن كل واحد منا وكانوا يبحثون عن إضافات،ثم حدث أن توقفت ” الجماعة ” عن الحضور وكان السبب هو ظهور شخصية جديدة على المشهد “البطة” وهو مجرم معروف يهابه الكل بما فيهم رجال الشرطة الذين كانوا يفضلون عدم الحضور إذا كان موجودا،كان يختار الجلوس على كرسي الرخام الموجود من أيام الطليان لذلك لم نكن نعلم بوجوده إلا إذا اعتدى على أحد وهو ما وقع عندما رسم خريطة بسن سكينه بو خوصة في بطن ” الصوندا ” والذي كان يفوقه طولا وعرضا.البطة كان جميلا وفي عز شبابه وله عينان تجبرك على الهروب منهما،مات مقتولا.
هكذا أصبحت حياة جنان النوار والتي توالت عليها المصائب وصار فضاؤه مشاعا وصل إلى حد الصراع على استغلاله.ثم حدث أن توفي عمي علي وانتهت قهوة عمي علي وتفرق السمار وانتقلت مجموعتنا إلى ورشة نوري النجار.

مقالات ذات علاقة

من سكب الأبيض في “الفراشية” الليبية؟.. “الفونغ شوي” يُجيب

أحلام المهدي

أرباع

زكري العزابي

سمو الإنسان

علي بوخريص

اترك تعليق