قصة

جميلة

من أعمال التشكيلي العراقي سعد علي


ظلت (جميلة) كعادتها تتباهي بجمالها دون سائر زميلاتها، كانت لا تراعي مشاعر الأخريات في نفس الصف، أو بالأحرى لم تراعي أحد البتة!

.. كانت في قمة الجمال والجاذبية.. شقراء.. عينيها خضراوين.. أنيقة، يبدو أنها من عائلة مترفة.. كانت محط أنظار كل طلبة الدفعة.

…اغلبهم كانوا مفتونين بها، أما هي فقد كان شغلها الشاغل، التلاعب بمشاعرهم.

صدمني خبر اكتئاب صديقي الطالب (جمال)، فقد وقع في حبها هو الأخر.. شاب وسيم تظهر على ملامحه الرجولة المبكرة، كانت زميلاته الطالبات يتوددن اليه ويقتربن منه اعجابا، وبتفوقه، لكنه وقع في حبائل (جميلة) دون سواها ودون وعي لحقيقتها، فهي كلما تفطنت أن هناك شابا محط انظار زميلاتها، ينتابها شعورا بالغيرة، ثم تبدأ بالتفنن في استمالته، حتى تنتبه رفيقته، فتقرر غير آسفة التخلي عنه.

.. ابتلع المسكين (جمال) طعمها، وقد بدأ يتظاهر بالانعزال والسنقلة حتى تعذره رفيقته المفضلة حينها، فتبتعد عنه بهدوء، كان يفعل ذلك معتقدا أنه وبهذه الطريقة سيظفر بحب ورفقة جميلة الجميلات (جميلة)

..”حقا أنها فاتنة ” عبارة مازالت يرددها وعالقة بفمه!

… (جمال) ومنذ ان وقعت عينيه عليها أول ايامه الدراسية، صار هائما على وجهه، أمست هذه العبارة تتردد على لسانه طيلة الأيام، ولازمته اثناء الصدمة، تلك الصدمة التي نجمت عن تخليها عنه وبكل بساطة، فقد ذهبت لرفقة أخر مثلما كانت تفعل كل مرة.

…يبدو انه سينعزل حقيقة اذ لم اتدارك الأمر قالها صديقه (عبد المصلح) في قرارة نفسه.

واضاف:

فهذه الطالبة (جميلة) لا اراها إلا إنسانة ماكرة وخبيثة الي ابعد الحدود!

 .. لكن.. لكن.. كيف لها كل هذه القدرة على التأثير في كل هؤلاء الفتيان؟

وكيف جعلتهم واحدا بعد أخر يتخبطون حبا بها ويتخلون عن حبيباتهم ويهتمون بها فقط؟

 ..ثم.. ثم..

 كيف صاروا أكثر انعزالا واكتئابا، بعد أن فارقتهم بدون سابق إنذار؟

كانت هذه الأسئلة تدور في ذهن (عبد المصلح) وهو يفكر بالانتقام من (جميلة).

…لابد أن ألقنها درسا… فكر مليا … قرر أن يمرر لها ورقة متظاهرا بهيامه بها هو الأخر.

.. ذات يوم دراسي، وبعد أن أكثر من التأمل بها والنظر إليها، أستطاع أن يلفت انتباهها، فها هي بدأت تنتبه اليه أخير…

.. وكزت زميلاتها بمرفقها.. همست اليها إحدى صديقاتها:

(مبروك جالك حمار)

قهقهن جميعا طويلا وفرقعن ايديهن كثيرا..

وازدادت (جميلة) غيا وغرورا، ثم انتفخت.. تعملقت.. تضخمت.. كعادتها كلما وجدت ضحيتها.

… شيطانة!

.. كيف تستطيع نفخ اعضاء جسمها فجأة هكذا، بدون أن تراعي وجودنا من حولها ألسنا ذكورا؟ فقد يفتضح أمرنا نتيجة سرعة الاستجابة التي ابتلينا بها، كيف لها التحكم في قوامها فتكوره تارة، لتصبح أكثر فخامة، وتنكمش به تارة أخري لتصبح كالطفلة الصغيرة؟

 ألا تخاف.. إلا تخاف أن تتمزق ثيابها وكسوتها أمامنا جراء كل هذا التضخم الفجائي؟

.. كل هذا كان يدور في رأس الطالب ذو خفة الظل (عبد المصلح) بينما انتهزت (جميلة) الفرصة   فمررت ابتسامة رائعة أعقبتها بغمزة ساحرة الي (عبد المصلح) والذي تمادي بالتظاهر امامها بالارتباك والترنح كذبا، ليوهما أنه الضحية العاطفية الجديدة، أتقن الدور حتى كاد أن يسقط.

ثم اراها من بعيد خلسة قصاصة من الورق، موهما اياها بأنه يرغب في تسليمها اليها، فهي ستتوقع انها من رسائل الحب المعتادة.

قفزت (جميلة) متظاهرة بالفرح.

ثم اشارت اليه بأن يتبعها.

تظاهر بالسعادة هو الأخر، وأظهر حماسة زائفة تجاهها … بدأ يتبعها… مترنما بأغنية:

جميلة فيك الخد نظيف //

سحرتي عقلي الطيف..

انسجمت حين تهادت الي مسامعها كلمات الأغنية.. وأخذت في نفسها مقلب!

 .. أسرع (عبد المصلح) في خطواته ليتجاوزها، واضعا قصاصة الورقة الصغيرة في إحدى زوايا نافذة بين الممرات.. استمر بالمشي مبتعدا… التفت فجأة ليراها وقد التقطتها في لمح البصر.. أخفتها بين نهديها المغرورين.

عادا الاثنان كل الي مكانه ا

هو عاد ليراقبها كيف ستفتح الورقة؟

وهي عادت لتضحك سخرية منه مع صديقاتها، معتقدة أنه كتب قصيدة حب مليئة بالتوسل والتوجع والآهات كأغلبية الشعراء مكسوري الخاطر حينها.

.. فتحت الورقة. كانت الصدمة.

لم تضحك كما كانت تتوقع صديقاتها…

.. في الزاوية المقابلة بدأ (عبد المصلح) يصفق ويفرقع بكفيه ويضحك بعلو الصوت منتشيا بما انجز..

ثم انتقلت موجة الضحك الي زميلاتها!

أما (جميلة) فقد انفجرت غيضا حين وجدت نفسها ضحية مقلب مختلف تماما فالورقة كانت قد حوت كلمتان فقط هما:

(واحد شيء)


من مخطوط: احضروا لي صاحب الخط الجميل …

مقالات ذات علاقة

قصة قصيرة

مريم الأحرش

غشايش..

حسين بن قرين درمشاكي

حديث الغرباء

صفاء يونس

اترك تعليق