النقد

جمالية المرآة وسحر الكتابة في (مرايا السراب)لـ: فتحي نصيب

رشيد منسوم*

أصلاً المرآة خيانة جميلة للحقيقة. إنها تقلب معنى الأشياء لذلك احتفى بها السرياليون في قصائدهم مثل Louis Aragon حيث يبدو لك اليمين يساراً واليسار يميناً وخصلات Elsa حريقا، فكيف بوسعها إذن أن تعكس السراب، شكل سيميائي بلا هوية، بلا بوصلة وبلا ملامح؟ من هذا الخيط الهلامي الفاصل بين الممكن واللاممكن بين المرئي واللامرئي يطل علينا “فتحي نصيب” ليشيد مثل دودة قز يابانية عالمه القصصي (مرايا السراب) الصادر عن مجلس الثقافة العام والذي يتوزع على 12 قصة قصيرة (لوحة- الحديقة- البيت- الصقيع- اللعبة- المقهى- القطار- المدينة- العفريتة- الشيء الذي حدث- الكابوس- الوجبة).

بهكذا عنوان وبدون أي سابق إنذار يطلق إذن القاص الليبي عالمه لاختبار فكرة الكتابة بالضوء بدل حبر المطبعة، ليمتطي الخداع ويجرنا بحبال شيطانية إلى شباك القص. فتأتي القصص القصيرة كما نأتي نحن للحياة تماماً حائرين، مترددين صارخين غاضبين شاهرين عرينا في وجه العالم. في قصة (الحديقة) نقرا في السطر الأول: (بدا حائرين ولم يعرفا كيف يرتبان الخاتمة بشكل حضاري…) ص15.

عالم “فتحي نصيب” يبدأ من الحيرة وينتهي بالحيرة كما لو أن الحيرة ماء القصة القصيرة التي بنيت على رمال متحركة لاشيء ثابت فالأمكنة تركض والزمن يتلاشى والشخصيات تتوارى خلف الأقنعة تماماً كما يحدث في لوحات سالفادور دالي.

في القصة الموالية (البيت) نقرا في نفس المكان من الصفحة: (للمرة الخامسة، أو ربما السادسة، يعيد ترتيب المقاعد في غرفة الجلوس، على شكل نصف دائرة هذه المرة تقابلها طاولة مربعة فوقها زهرية مرصعة بأصداف البحر) ص19. في القصة الرابعة اللعبة نقرا: (جاءتني صورتي في المرآة لتنبهني إلى ضرورة قص شعر رأسي فتوجهت في المساء إلى محل حلاقة بجوار البيت) ص33.

لعبة (مرايا السراب) هي لعبة تستمد مشروعيتها الإبداعية من إعادة ترتيب الحديقة، الذات، البيت، وإعادة هندسة خريطة الكون وتشكل الوجوه والأمكنة، كما لو أن الفعل القصصي في تصور القاص حقيبة مليئة بألوان الطيف نرسم ونعيد رسم الحياة وندس تفاصيلنا الصغيرة في القضايا المصرية، فتيمتا الحب والموت يذوبان في قهوة سوداء بدون سكر وفي مقاعد حديقة عامة وفي شامبو برائحة الجوز الهندي. أما الحرب والجنون فيذوبان في هدير القطار القادم.

إن قارئ قصص “فتحي نصيب” سيجد نفسه في المحصلة أمام حقيقة أن لا حقيقة هناك وأن كل القصص بدون استثناء هي(مرايا سراب) مادامت تحاول الإمساك بالعابر فينا وضعنا بمذاق نتشوي خاص أمام الوهم الوجه الخفي للحقيقة، مرايا تعلمنا الركض وراء حقيقة السراب وسراب الحقيقة. إنها تسعى إلى فك العزلة عن الكائن والتقاطه من طاحونة اليومي، من ضجيج العالم وانتشاله من أسئلته الوجودية الكبرى. هي حكايات لمطاردة أشباحنا وتأجيل موتنا إلى حين. نقرأ في الصفحة 50: (استطعت أن أميز أصوات تأتي من جهات مختلفة: شجار بين رجل وامرأة، تحطم أوان وتهشم مرآة، جمع يطار لصا، غناء جماعي لرجال منتشين، همهمات، صرير عجلات سيارة، سعال امرأة عجوز، مواء قبيح لهرين لحظة نزو، بكاء طفل ولد للتو…).

يفتح السادر البريد ولم يحظ برسالة ما من أي ستة مليار من البشر في هذا الكون.. ويحلم مراراً بالجنة ويتخيلها تزخر بأطنان من اللحم والرحمة وصبية ملائكيين.. ينهض ليتبول فيما كانت جدته تحلم بليلة زفافها. غنها النبرة المليئة بالسخرية لذلك المخلوق التي أضاع مفتاح العالم واختار لنفسه الترحال في أرصفة الحلم التي تتسع لجنون الليل وشغب الكائن الأسطوري وقلقه الطوطمي اتجاه الجاهز والثابت.

لعمري، إن مثل هذه القصص لتدفع أفق بحيرة الأدب الليبي إلى قارات (خورخي لويس بورخيس وغارسا ماركيز). فلغة (مرايا السراب) لغة منسابة دافئة ومشذبة لكن قطعاً لا نخرج منها سالمين لأنها لغة مرايا السراب التي تجعل من القبض على الحقيقة أمراً غير مقضياً. ثمة إذن غرابة ما تسري فوق نصوص (مرايا السراب) وهي غرابة ضرورية لحياة القصص وتوهجها وذوبانها. فإذا كانت المرآة في (أليس في بلاد العجائب) للكاتب الأمريكي عالم الرياضيات Charles Lutwidge Dodgson هي البوابة التي تدخل منها الشخصية الرئيسية إلى عالمها العجائبي والغرائبي لتلعب بأسس المنطق وفقه الرياضيات، فإن جمالية المرآة في البناء القصصي لمرايا السراب (بصيغة الجمع) مرتبطة بسحر المتابة وباللعب القصصي. فقصص (مرايا السراب) رغم بساطتها التي لا علاقة لها بالابتذال ممتنعة، قصص مغامرات لا تطمئن، قصص تراهن على مراوغة أفق الانتظار وكسر النهايات الكلاسيكية وعلى المزج بين الواقعي والفونطاستيكي بدليل أن كائنات مرايا السراب كائنات في اشتباك دراماتيكي مستمر مع لغة بصرية خادعة (وحمدت الله على أن ما رأيته ليس حقيقياً) الوجبة ص76. (تراءت له ذرات وامضة ملونة ومبعثرة، استجمع حواسه المخدرة كي يستجلي الوضع من حوله) الكابوس ص66. عن التوتر القصصي في (مرايا السراب) هو دائري الشكل كباقي مرايا السراب. ففي كثير من الأحيان يصعب علينا التكهن من فتح عينيه الأول على حياة النص هل الواقع أم الحلم؟

إذا طالعك “فتحي نصيب” يوماً ما في مقهى l’hivernage وهو يوزع لطفه على الأصدقاء وعلى الكراسي، بابتسامته العريضة وديعاً، هادئاً ووسيما وأنت تعرفه فقط كسارة زئبقي ومشاكس للواقع وللجائز ويتصرف كما لو أنه كائن قصصي ضوئي خرج للتو من بهاء قصصه القصيرة. كائن من ابتداع خياله ليبدأ عندك التعداد التنازلي لاختلاط الواقع بالخيال والكتابة بالحياة فاعلم إنك على الصفحة الأولى من (مرايا السراب).

 _______________________

* شاعر وباحث مغربي.

مقالات ذات علاقة

التناص.. رؤية نظرية

المشرف العام

الغزالة…

المشرف العام

قراءة في بعض قصائد الشاعر علي صدقي عبد القادر

أبوالقاسم المزداوي

اترك تعليق