تشكيل

جماليات طرابلسية

جماليات طرابلسية هو العنوان الذي اخترته لمعرض الفنان عبدالرزاق الرياني والفنانة عفاف الصومالي الذي أقيم على مدى يوم كامل بصالة لبدة بفندق كورنثيا وحضر افتتاحه وزاره الكثير من المهتمين.

الفنان التشكيلي عبدالرزاق الرياني (تصوير: سالم أبوديب)

مجموعة لوحات ناهزت العشرين تم عرضها في هذا المعرض الذي احتوى على لوحات قديمة وجديدة للفنان الذي كان حاضرا هناك للرد على استفسارات الزوار حول أعماله واستقبال الضيوف وإجراء المقابلات الصحفية والإذاعية للقنوات والمواقع التي حضرت لتغطية الحدث الذي يندرج في إطار مهرجان تراثي شامل بعنوان “سوابيت الياسمين” الذي بلغ هذا العام ربيعه السادس.

ما يهمنا وما تعمدنا الحضور من أجله ومشاهدته هو معرض الفن التشكيلي للفنانيَن. ولا أُضيف جديدا لو قلت أن اللوحات احتفت في المقام الأول بالموروث البصري والثقافي الطرابلسي وأبرزته في أجمل صورة، خاصة مع اللوحات الأصلية التي عُرضت إلى جانب اللوحات المستنسخة، ولكن تظل مشاهدة اللوحات الأصلية فرصة قد لا تتحقق كل وقت ولا لكل الناس، ويعد المرء نفسه محظوظاً لمشاهدته لهذه الأعمال عن كثب بعد أن شاهدها عشرات المرات في هيئة صور على مواقع التواصل الأجتماعي، ذلك أنَ للوحة الأصلية حضورها الآسر، إذ يقترب منها الناظر إلى حد أنه يستطيع أن يتحسس الألوان بأنامله أو بأنفه لو أراد أو لو سُمِحَ له.

جميل أن يجد المرء نفسه محشورا داخل إطار معرض يضم العديد من اللوحات متنوعة الموضوعات متعددة الخامات، إلا أنها وإن عزفت كما أسلفنا على الموروث البصري الطرابلسي الثري المتمثل في المعمار والأزياء وحتى الوجوه إلا أن الموضوعات تنوعت حين احتوت على مشاهد مختلفة وخلفيات عدة، وتبقى المرأة الموضوع الأساسي والأبرز والمفضل للفنان وللفنانة، فقد رسمها الرياني في اوج تألقها وفي كامل زينتها – أو في كامل مشمشها لو استعرنا جملة الشاعر الفلسطيني محمود درويش – وهي ترتدي الأزياء التقليدية الزاهية الألوان التي تبرز جمالها وترسخه في الذاكرة الجمعية بالألوان الزيتية وكذلك بالألوان المائية المشرقة والمضيئة بطبيعتها، وتشدك إلى لوحاته تلك الدقة المتناهية في نقل النقوشات والمنمنمات والتشكيلات الزخرفية المطبوعة أو المنقوشة على الملابس وأغطية الحائط وعلى السجاد والفُرش الأرضية وعلى الوسائد، عن تلك الدقة التي تضاهي الصورة الفوتوغرافية وتتفوق عليها أتحدث، وإلى تلك الواقعية القصوى التي تحراها الفنان وظهرت بها اللوحات اُحاول أن أُشير، وعن طزاجة الألوان ومحاكاتها للجمال الواقعي والطبيعي أتحدث و بتلك الأجواء الحميمية والعائلية المفعمة بالود والأُلفة التي تشع من الأعمال أُحاول أن أُنوَه.

لوحة اللا، للتشكيلي عبدالرزاق الرياني.
لوحة اللا، للتشكيلي عبدالرزاق الرياني.

ولهذه الأسباب وغيرها تكتسب تجربة الفنان خصوصيتها ومسارها المنفرد ولا تنفك تستقطب المعجبين من كل الفئات والشرائح في المجتمع ذلك أن المرء لا يمتلك إلا أن يعترف بالجمال حيثما وجده.

ثم أن الفنان وفي سياق تميزه وفيما يشبه شغل فني الديكور والمكياج وخبير الأزياء في المسرح والسينما والدراما لا يلجأ في ما يرسم ويحاكي من مشاهد إلى الجاهز من الصور أو صور الآخرين مثل جُل الفنانين الواقعيين،بل أنهُ لا يطمئن إلا إلى صوره التي يبدو أنا تتوفر على مواصفات معينة ولا يرتكن إلا إلى ما يؤلفه بنفسه من مشاه وفقاً لرؤية جمالية يعيها تماما ويدفع باتجاه تجسيدها في عمله قبل أن يضغط على زر التصوير ليوثق المشهد الذي قام بتأليفه من الألف إلى الياء وأشرف على كل تفاصيله ويحوله إلى لوحة نابضة بالحياة وعاكسة لقيم إنسانية يؤمن بها كل من الفنان والمتلقي ويتفقون عليها.

وكل أعمال الفنان تقريبا تعتمد على هذه الرؤية والتقنية، والمتابع للوحاته يلاحظ أشتغاله على المشهد قبل تصويره ودقته في اختيار ما يُسمى في عالم الرسم بالموديل أو الشخص النموذج. ففي أحدث لوحاته قام الفنان بتأليف مشهد يحتوي على مجموعة أطفال يلعبون لعبة البطش أو الكرات الزجاجية الصغيرة داخل أحد أزقة أو حواري المدينة العتيقة بطرابلس مع إطلالة إحدى الأمهات من الباب الموارب وطفلة صغيرة تجلس على عتبة الباب الأثري، ورسم ضمن ما رسم الجدران القديمة والأطفال في أزياءهم التقليدية التي كانت سائدة في زمنٍ مضى وأضفى وجود القطط الأليفة ونباتات الزينة في زوايا اللوحة نوعا من الأُلفة وهذا يعد نجاحا للفنان الذي أفلح في تجسيد أجواء البهجة والحياة البسيطة لأهل المدينة القديمة.

كما أن تصوير الفنان للماء أو الغدير أمام البيت حيثُ يلعب الأطفال غير عابئين بالبلل واقعي تماما خاصة مع القطة التي ترتشف منه بعض الرشفات ومع الأنعكاسات التي ترتسم على سطحه.

ومن ناحيتها أفلحت الفنانة عفاف الصومالي وكما عهدناها في إبراز خصوصية المرأة والمعمار الطرابلسي الأصيل حين مزجت في اللوحة الواحدة بين كل هذه العناصر الجمالية والمفردات الأنيقة، أقول قولي هذا وبذهني تلك اللوحة المشهورة للمرأة الجالسة على حافة حوض نافورة المياه الرخامية في حوش القره مانلي والحمام من حولها ينقر الحبَ ويرسم أنشودة للسلام، الذي بتنا نفتقد اليوم في بلادنا، وإلى تلك اللوحات التي تجسد جدران البيوت العتيقة ونباتات الزينة والأبواب والنوافذ والشرفات والبلاط الأرضي والأرصفة وحتى الدرجات الهوائيه وبعض المظاهر الأخرى التي يعرفها ويدرك أهميتها كعناصر جمالية كل عاشق للمدينة القديمة والتي نجحت الفنانة في الأحتفاء بها فقط بالألوان المائية الشفافة، وهي كما نعلم وكما أصر في كل مرة على التذكير به، أنها ألوان تحيل إلى الفرح والضوء وإلى الدفء الإنساني وإلى البساطة.

وكانت زيارة المعرض سانحة للألتقاء ببعض الأصدقاء وفي مقدمتهم شيخ الفنانين الأستاذ علي رمضان مصطفى الذي سيستفيد منه ومن حديثه ومن مخزون ذاكرته كل من ساقته الظروف إلى الألتقاء به وتبادل الحديث معه – لأن الحديث في هكذا حال، ذو شجون فعلا لا مجرد قول – هو الذي يعد اليوم الشاهد على مسيرة الفن التشكيلي الليبي الحديث وأيضا المرجع الذي يمكن العودة إليه لكتابته وتوثيق الكثير من تفاصيله وجزئياته.

ويأتي المعرض كجرعة خالصة من الدفء ومحطة سلام وطمأنينة سرعان ما ستزول وسط هذا الحرب الموغلة في ضراوتها والتي لا تنفك تتسع هوتها لتبتلع كل الأحلام الجميلة وتبسط ظلالها السوداء على كل ما ينبض بالحياة في هذه البلاد المكلومة.

مقالات ذات علاقة

فاطمة الورفلي رسامة الكاريكاتير القادمة

المشرف العام

الفكر الانساني كمنتج اساسي للفن

عدنان بشير معيتيق

حساسية جديدة تستدعي ذائقة أخرى

عدنان بشير معيتيق

اترك تعليق