دراسات

جماليات الحكاية والسرد في قصة: أه يا هند للمرحوم محمد ساسي العياط

الجزء الثاني: اشتغال الراوي والسرد في القصة

من أعمال الفنان محمد الشريف.

1.2 اشتغال الراوي في القصة:

كان اشتغال الراوي في القصة مميزا وكان الخطاب في ظاهره موجها إلى هند على لسان صاحبها، ولكن هناك جزءا من الخطاب مختلف موجه إلى المروي له بشكل غير مباشر.

أولا. الخطاب الموجه للزوجة هند:

 طبق الراوي تقنية توجيه الخطاب من أحد الشخصيتين (الولد/ الزوج) إلى (البنت/ الزوجة)، بلغة شعرية مميزة، وعبر نوع من توجيه الاسئلة، كما سيرد في المقطع التالي:

“هند ،هل تذكرين ذلك اليوم في شتاء عامِ تسعةٍ وثلاثين تسعمائة وألف، حين استدرجتنا الأمطار لعاصفة من المشاعر فاختبأنا – والماء يقطرُ منا – عند سدّة البيت العتيق  كان البيت شاهقا،  كنا نظن بأن البيت خاص بإحدى الأسر الحاكمة،  نحن سكان المنازل الطينية نقف الآن أسفل الرخام الأحمر  حيث رتاج مقدمة المنزل ذي المزلاج الكبير ذي النقوش المُذهَّبة شاهدٌ على أنفاسنا التي التقطناها بعد أن تقافزت وزخات المطر على  برك الماء كضفادع خضراء مبتهجة برطوبة الجو الشاعري بالنسبة إليها، أترانا كنا ضفدعين ، لكن الضفادع لا تقوم بالتنفس على  سطح زجاج الباب ، لا تتنفس مشدوهة بالدخان المنبعث منها إثر البرد،  كنا نرسل قبلا دون قصد لم يمضِ وقت طويل,”.

لقد بدأ الراوي القصة بسؤال موجه إلى هند على لسان الشخصية، وهو يذكرها بعد زمن طويل (كما سنعلم فيما بعد) بما حصل في ذلك اللقاء الاستثنائي. ويستمر مستخدما ضمن المشهد عناصر تجعل الصورة أكثر فعلا على المروي له الأول هند، وعلى المروي له بشكل عام، لنتمعن في عناصر الصورة التالية والحميمية التي في مكوناتها:

الأمطار- عاصفة المشاعر- رتاج ذي نقوش مذهبة- ،  أترانا كنا ضفدعين

ثانيا. خطاب الراوي الموجه للمروي لهم في إطار توجيهه للسيدة صاحبة المنزل:

نتابع في المقطع التالي خطاب من الراوي/الزوج سليم، يوجهه إلى المروي ضمن محاورته الكلية للسيدة صاحبة المنزل، يحدث المروي لهم ليبرز الفارق في العلاقات كعلاقتهما طفلين صغيرين لا يعرفان الخيانة والغدر وعلاقة الكبار وخيانتهم، كما انه بذلك يشكل جانبا من رومانسيته والطفلة معه قديم، مقابل سوء فعل الكبار وهو بذلك ينجز إبراز الشخصيات وتمييزهم عن الواقع المحيط بهم لينجز جزءا مهما من القصة، ويضعنا بشكل غير مباشر في إطار وضع الشخصيتين مقارنة بغيرهم:

“(أ) إننا فقط،  طفلان صغيران لم يبلغا العاشرة بعد في طريقهما للبيت بعد أن غادرا بيت الجدة، واقتادتهما الأمطار عند سدة بيتك الجميل سيدتي، (ب) فاعذري رقة الحبّ حين كان طفلا صغيرا لا يعرف شيئا عن العالم المشؤوم والموبوء(ت) الممتلئ بالكبت والعادات السرية ومحادثات منتصف الليل،  وأصوات دردشات الفيديو الصاخبة والباب المغلق والملاءات المبتلة،   (ث) إننا طفلان بريئان اغترفا غَرفة من التراب فمزجاها ببعض الماء لصنع  بيت هدمته أقدام الرجال ، وللإنصاف…  و أقدام السيدات أيضا سيدتي،”

الحديث في (أ) موجه للعموم، ثم في المقطع (ب) يوجه الخطاب للسيدة نفسها صاحبة المنزل، لكن ينتقل في (ت) ويرسم بشاعة العالم مقابل رومانسيتهما وطفولتهما الغافلة، التي يبرزها أكثر في (ث).

ثالثا. السرد الموجه للسيدة وحدها:

نتابع في المقاطع التالية كيف يتم توجيه الخطاب للسيدة لوحدها وجعلها مادة لمناقشة مميزة للحظة السردية تطويرا للحالة الدرامية ورفعا لتوتر السرد:

في (أ) الخطاب موجه مباشرة للسيدة، ويتم عن طريق توجيه الخطاب لها إنجاز نوعا من السرد الخاص المختلف، وجعله سردا مميزا من خلال جعل مسئولية الفعل عليها وعلى باقي الفواعل، والتخلي عن مسئولية السرد لصالح إبراز ذاته ورفيقته طفلين صغيرين، وذلك ينسحب على كل مكونات المقطع التالي وهذه هي الأفعال المقصودة (لاحظتنا، تظننا، تفشي سرنا، سانحة لنا، أفزعتنا، دعوتنا، أحضرت)،

“(أ) خرجتي علينا حين لاحظتِنا من عدسة المنزل (ب) تلك التي كانت تظننا بالِغَين، لم تشأ إلا أن تفشيّ سرنا غير المخبوء ، (ت) الظاهر للعلانية بعد أن تكشّف خلف ستار شآبيب المطر التي لم تتوقف قط،  سانحة لنا،  مانحة الفرصة لعيش الحبّ … (ث) الغيمة تدري أنه لن يتكرر هكذا..  عفيفا جميلا.

(ج) لقد أفزعتِنا،  كيف لا ونحن طفلان جميلان وأنت امرأة مُسنّة،  نحن الأطفال كثيرا ما يُساء فهمنا،  بالرغم من صِدقنا، (ح) ثم إنها المرة الأولى التي نَضيع فيها لنجد أنفسنا هنا،  كيف لا نهلع،  اعتدنا ألا نجد بُدا يليق بنا ، تراعون فيه شِقوتنا وشقاوتنا لكنك يا سيدتي في الحقيقة كنت على غرارهم ظللتِ تبتسمين.

(خ) دعوتِنا للدخول إلا أننا قد رفضنا، كيف تطلبين من طفلين ذلك، هممتِ مسرعة، (د) أحضرت كعكا خفيفا دافئا،  رفضتُ بدوري،  إلا أنك يا هند يافتاتي أخذتِ قطعة كبيرة،  وأصررتُ أنا رغم حنوها علي على ألا آخذ منها،  لا أدري لم؟ 

(ذ) حاولتْ كثيرا استراق الحديث منا إلا أننا بَدونا كطفلين في المهد لم ننبس.

فغلّقتِ الأبواب بعدما يئست منا “

في (أ) الخطاب موجه للسيدة، ويستمر كذلك في كل الأقسام، لكنه في (ب) مسئولية الفعل تقع على العدسة التي ظنتهما بالغين، وفي (ت) مسئولية الفعل تقع على شآبيب المطر، وفي (ث) مسئولية الفعل تقع على الغيمة. ويستمر الراوي موجها خطابه عبر توظيف فواعل مميزة ذات بعد حميمي رومانسي، تبرز تميزه وتميز العلاقة الناشئة على الطهر بينه وبين رفيقته التي ستصير فيما بعد زوجته. بينما في (ج) و(ح) و(خ) و(د) نجد الحوار موجها إلى السيدة وهي فاعلة في الوقت نفسه عليهما ويتخذ الخطاب أنماطا مختلفة؛ منها نمط التأكيد، وكذلك نمط توجيه السؤال، ويتم بنظام واحد يبدأ بخبر عن فعل يسرده الراوي، ثم التأكيد أو النفي لوضع المروي له – الموجود بالضرورة خلف من تمت مخاطبته- في إطار حضور أكبر للسرد لنتابع ذلك من خلال ما تحته خط في المقطع السابق، بينما تابعنا في (ذ) تلك الجمل التي لديها تناصات كبيرة في الثقافة العربية الإسلامية : (أستراق الحديث، غلقت الأبواب)، ليمنح هذا التفاعل التناصي بعدا أكبرا لحدود المعنى أو دلالة مختلفة.

2.2 السرد بشكل غير مباشر من خلال حجاج الراوي:

بنفس الأسلوب المستخدم في المقطع السابق يقوم الراوي بتقديم الأحداث من خلال سرد مناور خاص، فهو يستخدم في المقطع السابق: رتاج مقدمة المنزل ذي المزلاج، شاهدا على أنفاسهما التي التقطاها وهما يتقافزان من زخات المطر.

حيث رتاج مقدمة المنزل ذي المزلاج الكبير ذي النقوش المُذهَّبة شاهدٌ على أنفاسنا التي التقطناها بعد أن تقافزت وزخات المطر”.

وهنا أيضا يقوم بسرد قيامهما بالتنفس وإخراج بخار الماء من فمهما عن طريق نفي قيام الضفادع بذلك:

لكن الضفادع لا تقوم بالتنفس على  سطح زجاج الباب ، لا تتنفس مشدوهة بالدخان المنبعث منها إثر البرد،”.

وهنا يتم إبراز صورتهما وهما يلعبان ببراءة بالتراب، وإبراز قسوة الكبار عليهما وهما يهدمان ما بنياه من قصور بيت الطين:

إننا طفلان بريئان اغترفا غَرفة من التراب فمزجاها ببعض الماء لصنع  بيت هدمته أقدام الرجال ، وللإنصاف…  و أقدام السيدات أيضا سيدتي،“.

وهنا صورة توضح بشكل غير مباشر عدم إمكانية تكرار هذه الموقف بعد ذلك الزمن القديم:

نبتسم،  نضحك،  كانت تلك أخوّةً مفرطة في الطفولة،  ما كان لنا إلا أن نعود لها كلما اكتظت علينا متاعب الدنيا ومشاغلها”

وهنا صورة لحياتهما والآلام التي مرا بها بشكل غير مباشر، عبر سرده لعدم اختباءهما من المطر:

لم نعد نختبأ عن المطر اليوم .. بدأ المطر يهطل من تشققات مآقينا .. وصارت وجوهنا ضفادعَ مجعدة.. انظري يا درة عيني،  سؤددي وسيمياء أيامي المكتظة بك … رغم كل شيء،  لازلنا معا”

المقطع النهائي في القصة وتوجيه الخطاب للشخصية:

يحدثها ويستذكر معها ويؤكد المعاني الخفية خلف حياتهما وتصورهما للأشياء:

لقد خُلقنا لبعض، لنا من الأطفال اليوم ما لنا من الأحفاد، والبيت محفوف بهم،  أرجوك،  لا يخفت نور هذا الوجه، لا تفقديني هذا الشعور  بالوطن،  فإنني وإن حفّ بي الصغار بصراخهم من كل اتجاه،  ليس لي لذة تضاهي صمتنا معا،  حسيسنا،  ابتساماتنا عميقةِ الجروح حبيبتي،  لا تتركيني، إن غادرتني فعلا، لن يعود للقصص والحديث والصمت والضجة…  معنى، من يشاطرني الصمت بعدها! 

هند. زوجك المخلص دائما..  سليم”

3.2 من سرد التذكير إلى سرد عدم الإدراك وسرد عدم التأكد:

“السرد بشكل كامل سرد تذكيري يقوم على تذكير زوج كبير في السن لزوجته بحادثة جمعتهما، يذكرها بكاف تفاصيل ذلك الحدث.

أولا. نموذج لسرد النفي:

 هنا نجد سرد نفي وإبراز عدم فهم الراوي للأسباب:

وأصررتُ أنا رغم حنوها علي على ألا آخذ منها، لا أدري لم؟”. 

ثانيا. سرد عدم التأكد:

وهنا سرد يشعرنا فيه الراوي بعدم تذكره للأحداث ليضعنا في إطار عميق من السرد:

“لا أدري،  لكنني أشعر بأنك تفهمين أني أقصّ بعيني تلك الذكرى بالذات عزيزتي”.

الخلاصة:

تابعنا في قصة أه يا هند للمرحوم محمد ساسي العياط كيف تم بناء حكاية منتظمة ذات مكونات فاعلة متسقة؛ حيث تمّ التركيز فيها على الشخصيتين الرئيسيتين: المخاطِب الزوج/سليم وزوجته المخاطَبة هند، وقام الراوي بتصوير عمر وطبيعة العلاقة بين الشخصيتين، كما كان يقوم بإبرازهما من خلال تصويرهما مباشرة ورسم تصرفاتهما، وكذلك من خلال إبراز حدث لقاءهما عند بيت السيدة الإيطالية في ذلك اليوم الماطر.

كان بناء الشخصيتين الرئيستين مدعوما ببناء الشخصيتين الفرعيتين: السيدة الإيطالية، وولدهما الطفل عبدالحميد، كما كان للفواعل المختلفة الحاضرة ومنها المطر والبخار والضفادع دورا مهما في إبراز صفات وخصائص الشخصيتين وتصرفاتهما المختلفة، كما كان من أهم ما دعم به الراوي رسم شخصياته وجعل قصتهما مؤثرة فاعلة تلك القدرة لديه على رسم وتجسيد الحميمية بينهما، وقد حقق ذلك عبر عدة طرق منها: مخاطبته المستمرة منذ بداية القصة إلى نهايتها للطفلة الزوجة، وكذلك إبراز فهمه الخاص ومشاعره الخاصة لقيمة تلك الزوجة/الوطن التي يحدثها بلغة الصمت، كما تابعنا في جانب آخر من الدراسة طبيعة اشتغال الراوي المميز في هذه القصة الذي كان قسما مهما منه موجه للزوجة (هند)، وجزء آخر (أقل) موجه للسيدة الإيطالية، وجزء آخر موجه لعموم المروي لهم، وهو كان أداته لبيان الفارق بين طفولته وصاحبته وبين ما يحدث من سوء في الغرف المغلقة. كان هذا الجانب فيما يبدو لرسم هالة من الطهر والعفة حول علاقتهما التي انتهت بالزواج والبقاء معا لزمن طويل.

من النقاط المميزة في اشتغال الراوي في هذه القصة هو استخدامه للحجاج من ثم سرد أشياء حدثت أو تحدث بشكل غير مباشر، كما تابعنا قدرته على تفعيل أغلب خطاب القصة بأسلوب التذكير؛ حيث الحديث موجه للزوجة، ولكن ضمنه وظف الراوي أساليب سردية مميزة، منها أسلوب عدم الإدراك، وأسلوب التأكيد، وهي أساليب مميزة تجعل السرد طازجا، وتجعل والقدرة على تلقيه أكبر، و تجعل من فعله أكثر تميزا على المروي له.

مقالات ذات علاقة

إهداءاتُ الشاعـر علي الرقيعي

يونس شعبان الفنادي

أَسَاسِيَّات التأليف في الأدب العربي -ج 1

يوسف القويري

المراكز الثقافية في ليبيا… المسؤولية والإشكاليات والدور المنوط من أجل التنمية الثقافية المكانية المُستدامة

حسن أبوقباعة

اترك تعليق