من أعمال التشكيلي الليبي عمران بشنة.
تجارب

جلال

جميلة الميهوب

من أعمال التشكيلي الليبي عمران بشنة.
من أعمال التشكيلي الليبي عمران بشنة.

كانت مشرقة ودافئة تلك الأيام. أشعر براحة وطمأنينة عندما أستعيد ذكراها. كنا نسكن شقة في الدور الثالت بعمارة في شارع الجمهورية. كل يوم بعد منتصف النهار بقليل وفي نفس توقيت استراحة أبي، كنّا ننزل نجري فرحانين أنا وأخي جلال متجهين إلى مدرسة شارع الصريم الابتدائية. كنّا في الصف الثالت الابتدائي. الكثير من الناس يظن أننا توأم بسبب الشبه والدراسة في نفس السنة. والحقيقة، جلال يكبرني بعامين وانا دخلت المدرسة في سن مبكرة.

كل عام كان أبي يحضر لنا حقائبنا المدرسية من مصر. حقائب أخوتي كلهم كانت مختلفة. إلا أنا وجلال كان لنا نفس الحقائب دائماً. حقائب جلدية بُنية تُحمل باليد.
نخرج من العمارة. نلف جهة اليسار. نمر على عمارة أخرى كانت مقر وزارة التربية والتعليم آنذاك. بعدها بأمتار قليلة محطة وقود “شِل” عمي الدرباسي، صاحب أبي. كان عمي الدرباسي في الغالب يجلس داخل مكتبه الواقع في ركن المحطة. واجهته كانت من الزجاج. نلقي نظرة من بعيد إذا كان أبي جالساً مع صاحبه. ندخل المكتب. أبي كان دائماً في منتهى الأناقة. يرتدي بدلة وربطة عنق. حذاءه كان دائماً يلمع. نظارته الشمسية على رأسه. نسلم على عمي الدرباسي، ومن غير أن نتكلم يعطي أبي كل واحد منا قرشين وننطلق إلى المدرسة مبتهجين.
إن لم يكن أبي داخل المكتب يكون مع عمي الحصايري. نكمل طريقنا. وفي نهاية “الشل” على اليسار يوجد صف محلات، من ضمنها محل (عميد) لصنع إطارات الصور واللوحات الفنية لعمي الحصايري. أبي يجب أن يكون مع واحد من أصحابه، وسيعطينا قرشين قرشين وننطلق. 

الغريب في الأمر أن أخي جلال كان معظم الوقت يُصر على أن يأخذ حقيبتي ويحملها عني بالإضافة لحقيبته. أحياناً تحت إلحاحي يعطيها لي للحظات فقط، ويرجع حالاً يأخذها مني ويقول: 
ـ الشنطة رزينة عليك، جميلة. 
يمسك حقيبته بيده اليمين بالطريقة العادية ويضم حقيبتي إلى صدره باليد الأخرى إلى أن نصل المدرسة. 

رحلتنا اليومية إلى المدرسة كانت تستغرق حوالي خمس عشرة دقيقة. كانت رحلة للرقص والفرح والابتهاج دون ثقل الحقيبة. هكذا أشعر عندما أتذكرها.
في طريقنا إلى المدرسة، ولاختصار الطريق، كنا نسلك أزقة شارع الصريم. معظم البيوت كانت أرضية، محاطة بحدائق وأشجار جميلة.
ما إن نصل شارع المدرسة حتى نلمح الرجل الذي يجرّ عربة لبيع الحلوى والشكلاطة وقراطيس السامينسة. عادةً ما نصل المدرسة وقت انصراف طلبة الفترة الصباحية من المدرسة. أختي نجاة كانت من ضمن طالبات فترة الصبح. كانت متميّزة، عيونها واسعة جميلة. شعرها أسود ناعم طويل. كانت أطول من زميلاتها. أوّل ما تلمحنا تأتي وتأخذنا إلى العربة التي يتجمع حولها الطلبة من كل الجهات. تساعدنا على شراء ما نريده بالقرشين. بعدها يعطيني جلال حقيبتي، وكل واحد يدخل مدرسته. كانت مدرستانا متلاصقتين يفصل بينهما جدار فقط.

أثناء خروج طلبة الصبح ودخول طلبة العشية والتقائهم في مدخل المدرسة الرئيسي، ترتفع الأصوات وهي تردد، بطريقة منظمة وكأنهم بقيادة مايسترو. طلبة الصبح يرددون: 
ـ صغار الصبح يبوا الربح. 
صغار العشية يبوا ضربة بالكمّية.
يردّ عليهم طلبة العشية: 
ـ صغار الصبح يبوا الدبح، 
صغار العشية يبوا طاسة كاكاوية. 
يستمر ترديد هذه العبارات بنظام وبصوت أقوى وأكثر حدة إلى أن يصل طلبة العشية إلى فصولهم، ويبتعد طلبة الصبح عن المدرسة، ولا يعود بإمكان أي طرف سماع الطرف الآخر. 

في أحد الأيام دخلت الفصل وكانت مدرّستي أبلة صبرية، شابة جميلة. جسمها لطيف مثل جسم الفنانة فاتن حمامة، ولكنها كانت أكثر جمالاً منها. لون بشرتها خمري ولون عينيها وشعرها كستنائي. رقيقة وأنيقة. فساتينها دائماً فوق الركبة، مثل كل المدرّسات في ذلك الوقت. ودائماً تلبس أحذية بكعب عال. 
في ساحة المدرسة وقت الاستراحة تقف الطالبات حلقات، يدُرْن ويغنّين. كل فصل كان يغني نفس الأغنية. الاختلاف الوحيد اسم المدرِّسة فقط. فصلنا كنّأ نغنّي:
ـ أبلة صبرية يا عيوني، 
يا لابسة قفطان كمّوني، 
يا ريته عندي صورتها، 
كيف الغزالة مشيتها.
عندما تمر أبلة صبرية في الساحة وتسمعنا نغني، تبتسم بخجل وفرح ونحن نستمر في الغناء بصوت أعلى وأعلى إلى أن تختفي عن أنظارنا. 

فتحتُ حقيبتي: كتبُ وكراسات أخي جلال! جلال أعطاني حقيبته بالخطأ. قررت أبلة صبرية أن تصطحبني إلى فصل جلال. وما إن خرجنا من الفصل حتى رأينا جلال ومدرّسه متجهين نحونا. الصورة المنحوتة في ذاكرتي منذ أكثر من أربعين سنة ما زالت راسخة كأنها حدثت الآن. صورة جلال الطفل، يمشي وحقيبتي على صدره يحضنها بيديه الاثنتين كأنه يحمل تحفة ثمينة يحرص ألا تقع منه وتنكسر.
هل، يا تُرى، كان لدى جلال حدْس بأن حياتي ستكون صعبة، وحملي ثقيل؟ كان يريدني أن أفرح أنبسط وأجري إلى المدرسة خفيفة. وكان يدرّب نفسه على حمل ثقلي مع ثقله.

مقالات ذات علاقة

والمغرب مرة اخرى (2)

سالم الكبتي

الهروب للثمانينات.. الطريق المخاطر نحو السندباد

زكريا العنقودي

والمغرب مرة اخرى (1)

سالم الكبتي

اترك تعليق