قصة

جفاف

لا تحمل السماء أي بشارة أما الأرض فرمال صفراء تحترق وكثبان تبدوا الصخور السوداء وكأنها أشباح غيلان ،ثمة أعشاب شاحبة ، شوكية الملمس ، جافة ، صلبة ، تنتشر على امتداد البصر وبين السماء والأرض نفس عطشى للارتواء وسراب .
تطابق يوم ميلاده مع حلول موسم الجفاف ، صلى أهل قريته صلاة الاستسقاء وقبل السلام الأخير للصلاة والدعاء الطويل ولد ، انتظروا قدوم البشارة لكن شيئا لم يتغير فقرر الرحيل ، حمل هموم جفاف أيامه ومضى ، الطرق خلفه مرصوفة بالأوراق الصفراء الذابلة وأشواك العوسج وكأنها لعنات أهل قريته تلاحقه أينما ذهب وحيثما حل .
– أحسب أني أسلك درباً صحيحاً .
هكذا كانت كلماته تتعثر في جفاف حلقه ، يتهادى في مشيته ، يتعثر ، يقف ، يمد بصره نظراته القلقة تمسح المكان ، تتعلق بالأفق البعيد ، الشمس تتوسط قبة السماء ، تبدوا وكأنها سيدة الكون ، الحمولة تثقل وجدانه من ناحية وهذه الشمس تأبى إلا أن تشاكسه من ناحية أخرى ، يضع يده فوق رأسه بحركة لا إرادية ، يئن من تلامس الهواء الساخن لجسده المنهك ، يهرش رقبته ورأسه ، ينتزع سترته الخارجية البالية ، يجعلها غطاء لرأسه وعنقه في محاولة بائسة لاتقاء لسعات الشمس الحارة ، يبدوا نحيلاً كهيكل عظمي لإنسان هارب من كتب ما قبل التاريخ القديم ، لا يستر جسده الأسمر سوى أسمالاً بالية ، باهتة اللون ، الصحراء تمتد أمامه مترامية الأطراف ، شاسعة ، وبطرف قميصه البائد بمسح حبات العرق المتصبب بغزارة فوق جبينه ثم يواصل المسير ، يتذكر جفاف قريته التي تركها خلفه ، يرتعش ، تدمع عيناه ، سيبحث لهم عن الماء ، أجل سيبحث ويبحث حتى يجده وعندها سيعود إلى قريته مبشراً ورسولاً للماء ، يدفن رأسه بين يديه ويبكي ، ها هو الجفاف يحاصره من كل مكان وايس ثمة قطرة ماء واحدة ، لا ماء .
ينظر خلفه ، أمامه سراب وخلفه خطواته ترسم علاماتها المرتعشة على الرمال الصفراء تروي قصة البحث ، سكون الصحراء يزيد من عذابه ويضاعف من شعوره بالوحدة لكنه يواصل رسم خطواته على الرمال ، مأساته تتجسد أمامه شجرة صبار ضخمة ، عجيبة التكوين فيركض هارباً ، يركض ويركض ويركض ، لكن شبح شجرة الصبار يلاحقه ، يتعب ـ يقف لاهثاً ، أنفاسه تتلاحق ، يلتفت ذات اليمين وذات الشمال خائفاً مرتجفاً شريداً ، يصرخ ، يستنجد بالسماء لكن الشمس ترشقه بوابل من سهامها الحارقة ، تتهدل شفتاه ، يزوغ بصره ، تتداخل المرئيات أمامه ، تتباطأ خطواته ، يدور دورات متتالية حول نفسه ، منهوك الجسد خائر القوى يسقط ، تمحى أثاره وأثار أقدامه بفعل أوامر صارمة صادرة من عاصفة هوجاء تثور فجأة ، لكن ثمة أثار يتركها خلفه على الرمال تروي قصة عشقه وحاجته للإرتواء ، يسقط ، هناك حيث قريته البعيدة يكفهر وجه السماء ساعة سقوطه هالكاً وتتلبد بالغيوم حزناً يتفجر بشارة وتهطل الأمطار بغزارة .
خيرية فتحي عبد الجليل ، البيضاء ، ليبيا .

مقالات ذات علاقة

أزمـــــــــة

زكري العزابي

دُرُوسٌ

خالد السحاتي

لعبة الاستمتاع بالخيال

حسن بوسيف

اترك تعليق