قصة

جــاگ النـبـيـل

(إلى روح صديقي الأديب الراحل بشير الهاشمي الذي قام بتعريفي في أواخر الخمسينيات بصديقه الرجل العصامي جاك الذي لمع في سماء مدينة طرابلس مثل الشهاب قبل أن ينطفئ ويذوب في عتمة الكون ) .

 عرفت فيما بعد أن اسمه نبيل ولكنني لم أر أحدا  يناديه به إذ أنهم يطلقون عليه اسما أجنبيا هو جاك، ولأنني كنت أقطن فندقا شعبيا من فنادق المدينة القديمة اسمه فندق بعيشو حيث كانت تلك الفنادق تضم بجوار الغرف الكثيرة المتوزعة على طابقي الفندق ، ما يشبه البيوت عندما يشيدون حائطا في إحدى زوايا الفندق يحيط بثلاث غرف بمنافعها ويعتبرونه بيتا ، فكنت أتقاسم مثل هذا البيت مع صديقين أحدهما الكاتب القصصي بشير الهاشمي ، الذي كان صديقا لهذا الرجل ، وكان جاك يملك مخزنا محاذيا للفندق، ويحجز جزءا منه ليجعله مقر إقامة له ، يضع فيه سريرا ويحيطه ببعض الكراسي وموقد بريموس ورف يضع فوقه احتياجات المطبخ ومشجبا يعلق عليه ملابسه ، وباقي المساحة الكبيرة من المخزن تضم كل ما ينفع استخدامه في المآتم والأعراس فهناك الكراسي والخيام والقدور الكبيرة وقلائد المصابيح وعالات الشاي بمئات الأكواب وعدد من الخيام مطوية وبجوارها العمدان والأوتاد ويأتيه أصحاب الفرح لتأجير ما يحتاجونه لضيوفهم كما يأتيه أصحاب المأتم لتأجير ما يحتاجونه للمعزين فيؤجر لهم ما يريدون ويرتبط بعلاقة عمل مع مخازن أخرى تقدم ذات الخدمة فيحيل إليهم زبائنه في الحالات التي يزيد فيها الطلب عما يضمه المخزن كما يحيلون له ما يعجزون عن تلبية حاجاته في أوقات أخرى ولديه بالإضافة إلى ذلك أكثر من مقاول أنفار يعمل على توريد العمال المؤقتين الذين يريدهم الفرح بما في ذلك النساء اللاتي يقمن بالطهي والجرسونات الذين يطوفون بالأطباق أو الأكواب أو يقومون بالغسل والتنظيف طيلة مدة الفرح والمأتم ، وكنت أذهب إليه في مخزنه رفقة صديقه بشير الهاشمي فأجده قد خصص بعض الأرفف في المخزن للكتب والمجلات القديمة التي تباع أعدادها في مجلدات مثل الهلال والرسالة والأديب، فهو يتاجر بها ويستخدمها لاطلاعه الشخصي ويسمح لصديقه بشير بأن يستعير ما يريده من كتب أو مجلات مجلدة مجانا ، شرط إرجاع ما استعار قبل استعارة أي شي جديد ، فكنت أجعل بشير يستعير لي ما يعجبني من هذه الكتب دون اعتراض من صاحبه، وكنت قد ظننت في البداية أن جاك هو اسمه الذي ولد به وأنه ربما يرجع في أصوله للعائلات الليبية ذات الأرومة المالطية أو الأرمنية وكانت موجودة في المدينة القديمة وموجود أيضا يهود يتكلمون جميعهم اللهجة المحلية بلكنتها الطرابلسية كما يتكلمها أصحابها، قد يكون منهم .

 إلا أن بشير الهاشمي شرح لي عندما سألته، بأن اسمه نبيل وأنه ينتمي لعائلة وفدت من الدواخل إلا أنه تربي يتيما وقد مات والده ثم ماتت أمه وهو لا يزال في مرحلة الطفولة وقضى فترة طفولته في ملجأ للأيتام وترك الملجأ مبكرا ليشتغل صبيا لأحد التجار في سوق الثلاثاء ثم استطاع بعد أن وصل مرحلة النضج أن يستأجر هذا المخزن ويجد من المدخرات ما يشتري به هذه المحتويات التي يضمها لكي يعيش ويسترزق من تأجيرها وقد ضمنت له هذه المهنة دخلا يتيح له حياة كريمة ، وقال لي أنه تعلم في ملجأ الأيتام ما يوازي تعليم السنة الثانية أو الثالثة الابتدائية أي توقف عند حدود تعلم الأبجدية واستطاع بعد أن اكتسب هذا المفتاح ، قراءة كم كبير من الكتب والمجلات والمراجع بما يجعله يوازي في ثقافته كبار الأساتذة ، فهو عصامي صنع ثقافته بنفسه ودون حاجة إلى المدرسين ، وعمل أعمالا شاقة في طفولته واستطاع رغم الحاجة والشغل أن يكتسب ثقافة تجلب له الاحترام والتقدير وأن يمارس عملا يجعله قريبا من الناس في أتراحهم وأفراحهم ، وفي ذات الوقت فهو كريم مع البشر الفقراء من أبناء الطبقة المسحوقة التي جاء منها، يمنح أحيانا سقفا لإنسان متشرد لا يجد ملجأ، ويعير حوائج المأتم لعائلة فقيرة لا تملك ثمن تأجير هذه الحوائج منه، بل يساهم معها في المصاريف وهكذا بسبب عصاميته وممارساته الشعبية الاشتراكية أطلق عليه اسم كاتب أمريكي عرف في بداية القرن بهذه الصفات هو جاك لندن، أي أنه علم نفسه بنفسه حتى صار مفكرا ومبدعا كبيرا ، وصاحب أفكار اشتراكيه يقارع بها غول الرأسمالية في عقر دارها ويحقق اعتراف ذلك المجتمع الرأسمالي بنبوغه وعبقريته ، والتصق به اسم جاك أكثر مما التصق به اسم نبيل وصار الناس في السوق والشارع لا يعرفونه إلا بهذا الاسم ، وكان جاك يزورنا أحيانا في فندق بعيشو ، ويدخل في مناقشات معنا ومع ضيوف من الكتاب الذين يزورننا مثل نجم الدين الكيب وعبد الحميد المجراب ومحمود عبد السلام نافع ، فكان يبرع في النقاش والمجادلة مهما كانت القضية ذات منحى تخصصي يجيده الأدباء بحكم مهنتهم مثل الحديث عن المدارس الأدبية الجديدة والمسرح وفنون الشعر والقصة فكان يتكلم كلام إنسان ضليع في فهم ومعرفة هذه الألوان الأدبية ، إلى حد كنت أتساءل مستغربا ، كيف لا يستغل هذه المعارف في الكتابة النقدية ، خاصة وأن هذا المجال أي مجال النقد يفتقر فعلا إلى نقاد يملكون فهمه واستيعابه لهذه الفنون ، فكان يقول بتواضع حقيقي لا زيف فيه، ترافقه دائما ابتسامة صادقة لا افتعال فيها : > الكتابة الأدبية لها أصحابها وأنا لست منهم .

وأفهم أن عشقه للقراءة ومطالعة الكتب الأدبية هو مسألة لا يقصد منها منفعة إلا المتعة والثراء الروحي وتعميق وعيه بالعالم الذي حوله وتقوية استيعابه وفهمه للإبداع، ولا يطمح ولا يريد أن يستخدم هذه القراءات التي يواصلها الساعات الطوال بشكل يومي أي استخدام نفعي ، إنه أشبه بالراهب الذي جعل القراءة هي معبده وهي صلاته وهي موضع راحته النفسية ومتعته الروحية ، وكان لابد لهذه الثقافة أن تنعكس في أدائه ذكاء وفطنة ونجاحا في عمله ، فقد أنشأ هذا المخزن في أواخر الخمسينيات حيث البلاد تعاني من اقتصاد فقير وموارد محدودة ، وجاءت مع مطلع الستينيات بوادر الموارد النفطية التي بدأت تؤثر في مسيرة الاقتصاد وتجعل موارد الدولة وميزانياتها تتضاعف عاما بعد عام ، وفتحت هذه الموارد آفاق عمل جديدة وكثيرة أمام التجار فكان السيد جاك جاهزا لدخول هذه الآفاق وصار تاجرا من تجار الجملة المعروفين في السوق، واكتسب من خلال حبه للقراءة والاطلاع معرفة بلغات غير لغته العربية مثل الإيطالية والأسبانية والإنجليزية يحتاجها وهو يتعامل مع التجار الأجانب ، حتى وإن لم يتعلمها على سبيل الإتقان إلا أنه اكتسب منها ما يساعده على إدارة تجارته وتسيير أعماله دون حاجة إلى عون المترجمين والوسطاء، فربح منها أموالا كثيرة ، ورغم أنني وصديقه بشير تركنا تلك الإقامة الفندقية الشعبية ودخلنا عالم الزواج وتكوين الأسرة التي تحتاج إلى بيوت واستقرار، إلا أنه ظل عازبا وإن كان قد ترك الإقامة في ذلك المخزن لأنه صار له مكتب كبير يدير منه تجارته في أحدث عمارات شارع الاستقلال واكترى لإقامته فيلا كبيرة في منطقة قرقارش ، واستمرت علاقتي وعلاقة بشير الهاشمي به وهو يرتفع في مدارج الثروة والغنى ونزوره في مكتبه فنجد السكرتيرة المجلوبة من بلد عربي تستقبلنا وتعد لنا القهوة ونزوره في البيت فنجد خادما أفريقيا يفتح الباب وسيدة عربية تدير المنزل وتعد الطعام وتقدم الشراب ويسأله صديقه بشير الهاشمي باعتباره أقدم صداقة مني وبينهما من الحميمية ما يسمح بطرح سؤال عن الزواج فيقول أنه تعود على الحياة بمفرده ولا يظن أنه يستطيع الوفاء بالتزامات الشراكة التي يفرضها الزواج وأنه عاطفيا يجد راحة مع هذه العلاقات العاطفية القصيرة التي لا يعجز عن إقامتها في طرابلس وفي الخارج بسبب رحلاته الكثيرة، دون أن يقفل الباب على إمكانية أن يأتي وقت يجد فيه المرأة التي تستطيع إقناعه أو إرغامه بما تقدمه من حب على الاقتران بها، فنهنئه على نجاحه ونغبطه على حياته الهانئة الخالية من المشاكل لأنه اشتهر في عمله أيضا بالأمانة والنزاهة وحسن المعاملة لمرؤوسيه فلم تدخله التجارة في نزاع مع أي أحد من هؤلاء العملاء أو العاملين، وظل محتفظا رغم اتساع أعماله بشوقه للكتب، لا نلتقي به إلا ويدور الحديث عن آخر ما صدر من كتب وآخر ما يثار في الوسط الأدبي من قضايا ومعارك أدبية ، بل يحرص أحيانا وهو يباشر رحلاته إلى الخارج في إطار العمل الذي يقوم به أن يتابع حدثا أدبيا في الخارج فيقول أنه حضر حفلة توقيع كتاب لألبرتو مورافيا في روما ، أو حضر أمسية شعرية لنزار قباني في بيروت ، أو ذهب في باريس لزيارة متحف أقامه بيكاسو للوحاته أو أقامه المثال العالمي هنري مور لتماثيله، وقد أهلته ثقافته وعلمه لأن يعرض عليه تجار المدينة أن يكون رئيسا لاتحاد رجال الأعمال الليبيين فرفض هذه الرئاسة بل رفض انتخابهم له عضوا في مجلس الإدارة واكتفى بالعضوية العادية في الجمعية العمومية خوفا من أن يضعه هذا العمل في مواجهة مع العمال واتحاداتهم لأنه ظل كما كان يقول يرى أن هويته الحقيقية تنتمي لعالم العمال والكادحين أكثر من انتمائه للتجار ورجال المال والأعمال، وجاءت الثورة تعلن شعاراتها العروبية وأفكارها الوطنية التي تتعلق بإجلاء القواعد وتحرير الاقتصاد من النفوذ الأجنبي فكان شديد الحماس والترحيب بها ، ووجد أنها تفتح له ولأمثاله من الوطنيين الليبيين فرصا أكبر وأضخم للعمل عندما أزالت المنافس الأجنبي، فازدادت تجارته ازدهارا وازدادت موارده غزارة ، ولم ينقطع عن الترحيب بأصدقائه من أمثالنا الكتاب والإفصاح في أحاديثه معهم عن عمق التوجهات الوطنية والاشتراكية التي يؤمن بها وفرحته بقدوم هذه الثورة التي جعلت منها حقائق فوق أرض الواقع، وأراد تعبيرا عن فرحته بهذا الواقع الجديد أن يقوم بإصدار نشرة اقتصادية للقاريء الليبي وللجاليات الأجنبية تنقل أخبار التحولات التي جاءت بها الثورة وتنطق باللغتين العربية والإنجليزية فاكترى لها شقة صغيرة أنيقة في ذات العمارة وصار يشرف على تحريرها بعد أن خصص لها سيدة عربية فلسطينية تجيد اللغتين ، ثم صدرت قوانين التأميم التي تنقل ملكية هذه الشركات لاتحاد المنتجين فلم يكن الأمر صدمة له كما كان لغيره وتعامل معه بروح تعودت على تغليب الهدف العام على الغرض الشخصي والمنفعة الذاتية وسلم شركته بمكاتبها وأرصدتها للمنتجين الذين أسموا لجنة لإدارتها واحتفظوا له بمنصب استشاري ، واستولوا طبعا على ما لها من مخازن وما في أرصدة الشركة من أموال وحرروا له وثائق بها ليطالب بحقه فيها عندما تبدأ إجراءات التعويض، إلا أنه وجد أن هؤلاء الملاك الجدد لشركته يعاملونه كأنه مرؤوس لهم تعبيرا عن مركبات النقص التي تحكم تصرفاتهم ، فقدم استقالته منتظرا التعويض وانسحب إلى الشقة التي تضم النشرة لأن لها شخصيتها المنفصلة عن الشركة وذمتها المالية ولا يمنع القانون امتلاكها كمشروع فردي، ورغم أريحيته وسعة صدره وتوجهاته الاشتراكية كانت رنة الحزن واضحة في صوته عندما كنا نلتقي به، لان التأميم يقول تركه بلا عمل ، والنشرة التي ظلت السيدة تقوم بتحريرها لا تشغل إلا جزءا صغيرا من وقته ، وكان يري أن المهارات التي اكتسبها كلها تضيع بسبب الفراغ الذي يأكل أيامه فلا يستطيع توظيفها فيما تبقى له من عمل قليل، وانتهت الرحلات التي كان لا يمر الشهر دون إحداها لأنه لا وجود لعمل يستوجبها ولا وجود لموارد مالية ينفق منها على هذه الرحلات وما بقي معه صار بالكاد يغطي مصاريفه أما النشرة الصحفية فلم يكن الهدف من إصدارها الربح ولهذا حافظت على المستوى الذي أراده لها مؤسسها وهو أن يغطي إيرادها نفقاتها ، وكان يعتبر ذهابه إلى مكتب النشرة نوعا من البطالة المقنعة فهي أحسن قليلا من التزام البقاء في البيت، وبعد أن طالت مدة العمل متفرغا لها صار يستطيع أن يقتنص من خلالها رحلة لتغطية مؤتمر أو حضور ندوة ينفق عليها أصحاب ذلك المؤتمر أو تلك الندوة .

 وهو أمر حصل بسبب عجزه عن تدبير رحلات من اختياره يصرف عليها من أمواله، ولكنه مع ذلك كان متفهما لما يحدث ، وما يتبع الانقلابات الاجتماعية الكبيرة من تضحيات ، ويقول أنه يعرف ما حدث في الثورة الفرنسية لرجال الحكم وطبقة الارستقراطيين ويعرف ما حدث لأمثاله من رجال المال والأعمال في الثورة الروسية ويعرف ما أسالت الثورات الأخرى من دماء وما قطعت من أعناق، ولهذا فإن ما حصل من زحف شعبي على شركته ومكتبه وأمواله ومخازنه لم يكن يحزنه بالقدر الذي أحزن غيره ممن لا ينظر بهذا المنظور الثقافي التاريخي لمثل هذه التحولات التاريخية كما كان يقول، إلا أن إجراءات التأميم لم تقتصر على المسائل المتصلة بالعمل ولكنها طالت أشياء أكثر خصوصية وحميمية، فقد ذهب في إحدى مهماته القصيرة التي يتدبرها عن طريق النشرة وعاد بعد غياب ثلاثة أيام ليجد أن الفيلا التي يسكنها في ذلك الجزء من قرقارش الذي أصبح اسمه حي الأندلس قد استولت عليها إحدى العائلات ، وجاء من السفر ليفاجأ بهذه العائلة التي زحفت على البيت، فذهب من فوره يشتكي إلى مركز الشرطة ، وهناك اكتشف أن الأسرة مدعومة بوثائق من اللجنة الشعبية للمنطقة وذهب يستفسر عند هذه اللجنة فوجد الاستغراب والاندهاش عندما كان يكلمهم باللغة العربية، فقد جاء للجنة بلاغ بأن ساكن الفيلا الأعزب رجل أجنبي اسمه جاك ، خاصة أن الفيلا ليست ملكه وإنما هي ملك لشركة إيطالية تم حلها وآلت أموالها إلى الدولة وهكذا فهو حتى بعد أن أثبت أن اسمه نبيل الصابوني المطيري من قبائل مطير في الساحل الغربي لم يستطع أن يستعيد بيته ، ووجد أن قسما كبيرا من حاجاته الشخصية قد تم إتلافها ولعله استرد ما لا ينفعه بشيء مثل صالون أو أجهزة مطبخ أو ثلاجة أو غسالة ، وهي أدوات لا يحتاجها في مقر الصحيفة الذي انتقل للإقامة فيه لأنه مزود بمثل هذا الصالون والمطبخ والثلاجة ولا مكان فيه لمزيد من الأثاث، فظل مقيما في هذا المقر وصارت المرأة العربية تجد حرجا في العمل بمكان النشرة الذي تحول إلى بيت يسكنه رجل عازب ، فانسحبت من العمل ، ولم يعد وحده قادرا على إصدارها فصارت النشرة تتأخر في الصدور لعدة أشهر ثم يجتهد لإصدار عدد ، يساعد على الاحتفاظ بالرخصة ، مع ذلك ضاعت الرخصة لأن ما استطاع إصداره منها لم يكن يغطي عدد الإصدارات التي يتطلبها القانون واحتاج لأن يغيب عن مقر الصحيفة أياما ربما لإجراء بعض الفحوص التي لا تتطلب أكثر من أسبوع في إيطاليا وعاد ليجد أن الشقة ضاعت وأن أصحاب العمارة وهي أيضا لإحدى المؤسسات التي آلت للدولة استخدمت حق أن عقد التأجير كان لاستخدامها مقرا لصحيفة لا سكنا لرجل عازب اسمه جاك وعندما حاول تقديم شكواه باعتبار أن الشقة صارت سكنا تحميه قوانين الدولة تمت مواجهته بنفس الدهشة التي قوبل بها عندما صودر بيته فمن استولى على الشقة استخدم أيضا مسألة أن اسمه جاك وأنه ليس مواطنا ليبيا تحميه القوانين ووجد أن أوراقا من لجان المنطقة صدرت بإعادة شقته إلى أصحابها الأصليين ، ومرة أخرى وجد أن كميات كثيرة من أوراقه الشخصية بما في ذلك صور ورسائل يحتفظ بها تعود إلى زمن الطفولة عندما كان يعيش في الملجأ قد ضاعت ولعل أحدهم رمى له بصالون أو مكتب أو مدفأة تركها مركونة تحت سلم العمارة حتى أخذتها سيارة الزبالة وذهب يبحث عن فندق من الفنادق الشعبية يكتري فيه غرفة لإقامته، وبدأت أحول جاك تسوء ماليا إلى حد أنه صار لا يستنكف من أن يستدين من أصدقائه القدامى أمثال بشير الهاشمي ما يستعين به على مواجهة مصاريفه، وأراد أحد هؤلاء الأصدقاء تعريفه بمكتب للترجمة القانونية ، عله يستطيع أن يحصل منه عن طريق الترجمة بالقطعة دخلا يعفيه من مد يده إلى أصدقائه ، إلا أن لغته الإنجليزية لم تكن بالقوة التي تجعله غزير الإنتاج لأنه يأخذ الورقة ويحاول عائدا إلى القواميس ترجمتها ببطء ومعاناة فلا يكمل إنجازها إلا بعد وقت طويل ويصبح العائد ضئيلا إلا أنه خير من العوز وانعدام الدخل انعداما كاملا ، وطبعا ساءت مع سوء أوضاعه المعيشية حالته النفسية ، وتوفي صديقه بشير الهاشمي الذي كان على طول المدى واسطتي للتواصل والتعامل معه ، فطالت الأوقات التي لا أراه خلالها خاصة أن إقامته في هذه الفنادق الشعبية الصغيرة لم تكن تستمر حيث اقتضته ظروفه أن ينتقل من واحد إلى الآخر، ربما لأنه عندما يطول عجزه عن دفع الأجر يطردونه فيفرح بهذا الطرد الذي يعفيه من دفع ما تراكم من ديون يريدها منه الفندق، وانقطعت عني أخباره بسبب عدم معرفتي بعنوانه وبسبب إقامتي التي استمرت لمدة عامين في الخارج وعندما عدت فرحت وأنا أراه ذات يوم ماشيا في شارع ميزران وأقبلت عليه مرحبا فبادلني التحية باحترام وابتسام إلا أنني لاحظت أن هيئته وصلت إلى حالة مزرية من الفوضى والقذارة ، وتمشيت معه فرأيت أن حديثه فقد قدرته على التتابع المنطقي فهو لم يعد يعي جيدا ما يسمع ويرد عندما أسأله عن شيء بكلام لا علاقة له بالسؤال وأدركت بسرعة أن أسلاك عقله ضربت في بعضها البعض ، وتركته اضطرارا لأنني كنت قد تأخرت عن موعد لم يعد ممكنا أن يحتمل التأجيل أو التأخير محاولا أن أتفق معه على اللقاء فلم أستطع أن أعرف منه إلا إنه يحافظ كل جمعة على زيارة قبر أمه في سيدي منيدر ويقضي صباح الجمعة متجولا في شارعي الوادي وشارع ميزران متوقفا عند المكتبات الكثيرة الموجودة في هذين الشارعين وفعلا جعلت هدفي كلما أردت رؤيته أن أتردد صباح كل جمعه على هذين الشارعين فلا ألبث أن أراه ماشيا بملابسه الرثة يكلم نفسه بصوت عال وهو يكثر من حركات يديه منفعلا غاضبا دون أن أستطيع أن أعرف طبيعة الكلام الغاضب الذي يقوله ، واكتشفت في هذه اللحظات التي أراه خلالها ازدياد صعوبة التواصل معه في الحديث وأرى من ناحية ثانية أن صاحبي جاك ركبته حالة تنتمي إلى ما يسميه علم النفس السلوكيات التعويضية فقد وجدته وقد بدأت البلاد تدخل حالة الحصار بسبب ما يسمى أزمة لوكيربي مع الغرب يفتح موضوع القضية متباهيا بأنه لا يستطيع أن يقف مكتوف الأيدي وهو يرى المعاناة التي تعيشها الدولة ويعيشها الشعب وأنه أخذ على عاتقه أن يتولى حل هذه الأزمة بنفسه ويعطيها الأولوية على قضاياه الأخرى وأن الحمد الله على ما أمده به من توفيق لأن جهوده تكللت بالنجاح مشيرا إلى سابق علاقاته مع مؤسسات ذات نفوذ عالمي استنجد بها فلم تتأخر في الوقوف معه وتدخلت إكراما له وأننا خلال أيام معدودة سنرى نتيجة جهوده عندما نجد هذه الأزمة التي وضعت البلاد في تخبط وحيرة ورعب قد تبخرت ونرى الحصار قد رفع عن البلاد خلال الأيام القريبة القادمة بإذن الله ويسألني أن أطمئن كل من أجده مهموما بهذه المسالة أن يرتاح وينام النوم اللذيذ لأن الحل صار مضمونا في جيبه ، ولأنني أعرف ما في هذا الكلام من خبل وعته أحاول أن أعيده إلى المنطق قائلا إن مسئوليته الأولى إزاء نفسه وهو أن يحل مشكلته أولا وليتفضل بعد حل مشكلته بالتفكير في حل مشاكل البلاد مع الغرب ورفع الحصار عنها ، فيعود إلى استحضار بعض أقواله القديمة عن الإيثار وتقديم الواجب الوطني عن المنفعة الشخصية ، ولم أستطع في أكثر من لقاء أن أجد شيئا من العقل والمنطق فيما يقوله ، بل أجد الحالة تزداد استفحالا ووجدته يلجأ إلى استخدام كلمات بذيئة لم أسمعها منه طول مدة العلاقة التي وصل عمرها ثلاثة عقود وقد وقع اختياره على شخصية مشهورة في الأمن الداخلي يستهدفها بشتائمه ربما لأنه استعان بهذه الشخصية لإنصافه وطالب بصرف جزء من تعويضاته فلم تستجب له ، وخشيت طبعا أن يأخذني أحد رجال الأمن بجريرة ما يقوله جاك من سباب مقذع بذيء لهذه الشخصية فابتعدت عن طريقه وتجنبت تجدد اللقاء به وإن كانت الصدفة أحيانا تجعلني أراه في الشارع يجر قدميه بملابسه المزرية وهيئته القذرة وقد صار يسير منحني الظهر كأنه بات عجوزا طاعنا في السن رغم أنه لم يصل الستين بعد ، وما زال يحرك يديه بعصبية ويقول كلامه البذيء بصوت مرتفع يشتم ويسب غريمه الرجل الأمني الشهير دون أن يعلم أن ذلك الرجل قد غادر منصبه ثم غادر الحياة بأكملها أثر حادث وقع له وهو يركب حصانا، وعدت للسفر في عمل خارج البلاد غابت فيها شخصيته وغابت أخباره وحاولت بعد أن عدت أن أتفقده في شارعي الوادي وميزران كل يوم جمعه فلم أعثر عليه ولم أستطع أن أجد أحدا من الأصحاب ممن يعرفونه ليدلني على ما حدث له ، حتى أصدقاء فندق بعيشو تفرقوا ، وغادر بعضهم هذه الحياة وبعضهم ممن مازالوا أحياء انقطع اتصالهم به منذ ذلك الوقت وخمنت أن مصيره لن يخرج عن حالتين ، فهو إما وافته المنية ووجد من يدفنه بجوار قبر أمه في سيدي منيدر ، و إما أن حالته المرضية استفحلت فأخذوه إلى إحدى المصحات العقلية يقضي بها بقية عمره وفي كلا الحالتين فهو مصير حزين لرجل بدأ حياته فقيرا يتيما وصنع لنفسه شخصية شديدة التميز ، غزيرة الثقافة والذكاء وابتسمت له الأيام ثم أرته وجهها العابس القبيح، ورحمة الله على صديقي جاك الذي يحمل في شهادة ميلاده اسما أخر هو نبيل إذا كان حقا قد مات ، سأذكره دوما باسم جديد صغته له من اسمه المكتسب واسمه الحقيقي هو جاك النبيل.

مقالات ذات علاقة

قصص قصيرة جداً

جمعة الفاخري

تشكيلٌ

غالية الذرعاني

الغراب الأبيض

حسين نصيب المالكي

اترك تعليق