سرد

جزء من رواية إريروس

من أعمال الفنان رشاد الأكباروف

المرة الأولى التي أرى فيها الدكتور (جوزيف) مكتئبا وحزينا، منكوش الشعر وكأنه استيقظ من النوم الآن. وجهه شاحب، كأنه طاعن في السن بين عشية وضحاها، وطوابير من النمل تغزوا ذقنه وأسفل أنفه، وعيناه الزرقاوين تحملان حزناً عميقاً، ينظران إلى شيء لا نراه، هندامه غير مرتب، جاكت رمادي وقميص أسود قديم، وبنطال بني باهت اللون، قميصه خارج البنطال من الجهة اليمنى، والجانب الأيسر بداخله، ونطاق البنطال مفتوح حتى إنه كاد يسقط منه مرة أو مرتين غير أنه أمسكه بيديه، جرابه فوق السروال، وحذاؤه ملطخ ببقع من طين.

سألت بعض الزملاء: ماذا حل بالدكتور (جوزيف)؟ وما سبب التغيير المفاجئ؟

كان يهتم بأدق التفاصيل؛ لا يرتدي إلا أفضل الماركات العالمية، رائحة عطره تسبقه، له مصفف شعر خاص يأتيه كل صباح، لا ترى شعرة واحدة بيضاء في رأسه رغم تجاوزه الخمسين عاما، الابتسامة لا تكاد تفارق محياه، وروحه المرحة كانت محط كل الأنظار، لم أره عابسا طوال الخمس وعشرين عاما الماضية.

اقتربت منه، لم يكترث لي، حاولت المزاح معه لكنه لازال شارداً في همومه، جلست بالقرب منه وربت على كتفه؛ انفزع والتفت إلي كمن كان نائما، فقلت:

– ما بك دكتور (جوزيف)؟ لماذا تجلس هنا وحيدا؟

نظر إلي بطرف عينه وصمت برهة، وأردف قائلا بنبرة كلها شجون:

– لا أعرف مكانا آخر أجلس فيه.

ولاذ للصمت والشرود من جديد واضعا راسه بين راحت يديه، وعيناه شاخصتان في الأرض.

– دكتور يجب أن تذهب للبيت؛ الجامعة خاوية تماماً إلا أنا وأنت و الغفير.

زم على شفتيه، وقطب حاجبيه، ونظر إلي ولا يكاد يفتح عينيه، وأردف قائلا وهو يسعل:

– دعني وشأني أرجوك!

تصاعدت من فمه رائحة خمر مقيتة، أيقنت أن الدكتور يمر بأزمة حقيقة، ليس من عادته احتساء الخمر في النهار لاسيما وقت العمل، فهو يقدس العمل أكثر من أي شيء، وهو في مثل هذه الحالة لا يقع فيها إلا إذ كان يمر بأزمة عاطفيه، وهذه أيضا مستحيلة فالدكتور لا يخفق قلبه أو هكذا يقول على نفسه: لا يؤمن بالحب.

وقفت أمسكت بيده، ثم قلت: هيا بنا دكتور (جوزيف)، قد حل الظلام.

قال بسان ثقيل: إلي أين نذهب؟

– آخذك للبيت.

– لا أريد الذهاب للبيت.

– لماذا؟

– كيلا أبقى وحيدا!!

وصمت هنيهة ونظر نظرة توسل: هل تبقى معي؟

فقلت لنفسي ماذا حدث للدكتور، حتى يخشى الذهاب للبيت بمفرده! أين صديقاته (أنيتا) و(أيف) و(إيمي) و (أريكا)، مضجعه اشتكى من عدد النساء اللاتي نمن فيه، ماذا أفعل هل أذهب معه! آه ماذا أفعل في مواعيد المصحة؟ آه لكن دكتور (جوزيف)، بحاجة ماسة لي وعلي تنفيذ ما تعلمته الوقوف بجانب كل من يحتاج مساعدة، قلت له حسنا: أذهب معك دكتور؟

قال: ماذا؟ تذهب معي ابتسم.

تشبث بيدي وبالكاد وقف، سقطت من حجره قنينة حمراء لا أعتقد أنها نبيذ، ربما تكون جن ويكر، حاول في بداية الأمر إخفاءها فهو يكن لي الكثير من الاحترام، لكن عندما وقعت بين قدميه تكسرت وتبعثرت على الأرض، ابتسم وحاول مداراة خجله، جلس القرفصاء وهم بـجمع بقايا الزجاج المتناثر، منعته حتى لا يجرح يده، جمعت أنا القطع الكبيرة وضعتهن في سلة القمامة، وقلت الباقي يجمعه العمال في الصباح.

مشينا على مهل حتى خرجنا من الحرم الجامعي أدرت محرك السيارة وقد ساعدته حتى جلس على المقعد تمدد وأرخى جسمه واستسلم للنوم، وطوال الطريق كان كمن يرى كابوسا، يبكي أحيانا وتتغير نبرة صوته إلى توسل، يردد: لا تتركيني (أنيتا) رجاء إبقي معي أنا.. أنا .. يصمت قليلا، أعدك لن أعرف امرأة أخرى، لكن لا تطالبيني بالمستحيل.

واستمر في النحيب والتوسل حتى وصلنا البيت، أيقظته، سأل: أين أنا؟

– أنت معي في سيارتي لا تقلق دكتور، هل تستطيع الصعود للشقة وحدك؟

تفحص وجهي مليا كأنه يتعرف على من جديد، قال: صديقي أنا بحاجة ماسة لك.

سكت كأنه يريد ترتيب أفكاره ثم واصل حديثه: أنا كنت أبحث عنك، أنا مريض، أنا مكلوم.

وأمسك يدي بقوة: لا تتركني.

قلت لنفسي: ماذا حل به! أين ذهبت أنفته! كان دائما يرى نفسه فوق الجميع يتعامل مع زملائه بتعال، ولم أسمعه قط يطلب المساعدة من أحد، مؤكد أن الأمر جلل، إنا لم أكن أعرف الدكتور جيدا، قلت إنه يمر بتجربة غرامية عنيفة، لكن الدكتور لا توجد في قاموسه كلمة حب، فهو يعتبر الحب عبارة عن تفاعلات كيميائية ومعادلات فيزيائية! أكاد أجزم أنه يمر بتجربة عاطفية (أنيتا)، هي من يحب، لكن لا أعتقد أن هناك فتاة ترفض مرافقة الدكتور (جوزيف)، علي الانتظار حتى يفصح عما بدخله.

فقلت له مستدركا: لن أتركك، سأبقى معك هذه الليلة.

ابتسم قائلا: شكرا جزيلا يا دكتور (وليم)، هيا نصعد للشقة.

فتحت باب الشقة كانت مقلوبة رأسا على عقب، القمامة في كل ركن من الشقة، ولا يكاد تخلو زاوية من زجاجات الخمر، التلفاز صوته عال، والأرض موحلة والملابس مرمية هنا وهناك، الشبابيك مفتوحة، الشقة عبارة عن غرفتين، إحداهما بها مكتبة كبيرة سوداء تحمل بين أرففها أمهات الكتب التي تتحدث عن الكيمياء والفيزياء والفلسفة، وفي طرف الغرفة المقابل لوحة فنية كبيرة، مرسوم عليها سيدة جميلة ترتدي قميص نوم أحمر يظهر كل مفاتنها، والغريب في اللوحة عندما تتحرك يمينا أو يسارا ترى في اللوحة شيئا مذهلا، تتغير هيئة المرأة الحسناء إلى كوبرا رقطاء تترقب الانقضاض في أي لحظة، خرجت مسرعا للغرفة الثانية، أشعلت مصباح النور إذا به أحمر، يتوسط الغرفة سرير كبير، وضعت الدكتور فوقه وقلت له: نم حتى الصباح.

قال: أرجوك ابق معي هذه الليلة حتى أحدثك عن سبب أرقي.

جلبت كرسيا كان عليه قميص نوم أسود، وضعته على الأريكة، جلست جانبه وبدأ يحكي لي …

مقالات ذات علاقة

ثلاثُ نمْلات تعبرُ كِتابا *

مفتاح العماري

رواية الحـرز (10)

أبو إسحاق الغدامسي

حـديـث الكـورنـيـش: الـليــــــل بـزبــد البـحـر

الحبيب الأمين

اترك تعليق