سرد

جزء من رواية إيروس

من أعمال التشكيلي العراقي علاء بشير (الصورة: عن الشبكة)

– دكتور (وليم) أعلم أنك من أفضل أطباء لندن، بل العالم! لذلك فكر كثيرا زيارتك بالعيادة، لكن منعني غروري أو خجلي! لا أعرف السبب الذي وقف حائلا بيني وبين زيارتك؟

– كيف أستطيع مساعدتك دكتور (جوزيف)؟

حاول الجلوس، ساعدته حتى جلس: أنا!! وصمت برهة وحدق في عيني ثم ابتسم ووجه لي سؤالا:

– هل أنا نرجسي؟

قلت له: أنت أعلم بنفسك، أنت لا تريد الإجابة، هل أنا صعب لهذه الدرجة. -وأشار بالسبابة وهو يترنح- حتى تعجز عن تفسير -ودق على صدره بقوة- ما يدور بداخلي، آه! أو أنت تريدني أن أبقى هكذا حتى أجن؟ نعم أنت من تغير! لا يا صديقي أنا أحبك وأنت تعلم ذلك جيدا، عالجني إذا. وشرع بالبكاء.

– مما يا صديقي؟ هون عليك، لا تبك، مما تشتكي كي أعالجك؟

ازداد نحيبا، ودق على صدره: هنا مرضي…

أخذ يدي ووضعها على صدره، وقال: هنا يكمن الداء!

قلت لنفسي سايره حتى يخلد للنوم: استرخ دكتور (جوزيف)، أنت لست نرجسيا إطلاقا، أنت عالم كبير في الفيزياء، والكل يتمنى تلك المكانة المرموقة التي وصلت لها.

ابتسم: فعلا أنا إنسان ناجح، أجدت دكتور (وليم) -وأسند رأسه على السرير- نعم الكل يحسدني.

ردد الكلمة ثلاث مرات واستسلم للنوم، هممت للوقف فقال: لا تذهب وتتركني!

أعددت الأريكة الوحيدة بالغرفة، لتكون مناسبة للنوم فوقها، تمددت عليها حتى أنبلج الصباح.

استيقظ دكتور (جوزيف) يشكو صداعا شديدا، أخذ فنجان قهوة على الريق دون سكر. عندما رجع من المطبخ، تفحص وجهي وقال: لماذا أنت نائم ههنا؟

ضحكت وقلت: صباح الخير دكتور.

نظر إلي شزرا وكأن وجودي غير مرغوب فيه، وأردف قائلا باقتضاب: صباح الخير، لم تجب على سؤالي دكتور (وليم) -وكرر السؤال مع حركة يده- لماذا أنت نائم ههنا؟

دهشت من السؤال والطريقة التي يتحدث بها: أنت من طلب مني الحضور بالأمس عندما كنت في الجامعة، وطلبت مساعدتي.

– أنا أطلب -ودق على صدره- مساعدتك أنت!! وأشار نحوي بأصبعه السبابة.

فقلت لنفسي: هل الدكتور يعاني من انفصام في الشخصية، أم أن الخمر ذهبت بعقله؟

نهضت من على الأريكة، ودرت حوله قلت: أسف دكتور (جوزيف)، كان من واجبي ألا أتركك مخمورا في حرم الجامعة، وتَعرض مستقبلك للانهيار، لأني أعتبرك صديقي -ربت على كتفه- أعاهدك إن رأيتك مرة أخرى بتلك الحالة المزرية، لن أمد لك يد العون، اتفقنا!

ومددت يدي كي أصافحه، صمت برهة، محاولا تدارك الموقف، ضمني إليه وهز رأسه وقال: لا يا صديقي أنا لا أقصد ذلك، أنت هو صديقي الوحيد، دكتور (وليم)، أرجوك لا تؤاخذني أنا لازلت تحت تأثير الخمر!

قلت: لا عليك دكتور أتفهمك.

ابتسم: هل حقا تفهمني؟ إذا كنت أنا نفسي لا أفهم نفسي التي بين جوانحي! فما بالك أنت!!

قلت له مازحا: بالعكس أفهم كل ما جال في خاطرك، بل وكل ما تخفيه عن الناس، ليس بالأمر الصعب بل من نظرة عينيك وحركة يديك، هل نسيت أني دكتور مختص في علم النفس، وليس هذا فحسب، بل مختص أيضا في تفسير حركة الجسد. رأيت الخوف في ملامح وجهه، حاول الهروب ببصره، حتى لا أتمكن من قراءة ما يجول في خاطره اللحظة، قال:

– دعني أحضر لك الفطور.

وانطلق بسرعة للمطبخ حتى إنه لم يسمع اعتذاري عن تناول الفطور. رجع بعد برهة يحمل سفرة وضعها أمامي وكان عليها؛ مربى، وزبدة، وقشدة، ورغيفا خبز.

قال: تفضل وهو يتجنب النظر إلي.

وما إن وضعت الخبز في فمي، سأل: ماذا تعرف عني دكتور (وليم)؟

بلعت اللقمة ونظرت له بمكر: أعرف أنك…. وسكت برهة، فوجدته ينصت بكل جوارحه وعيناه متعلقة بي، ينتظر ما أقول على أحر من الجمر، واصلت قائلا:

– إنك تمر بأزمة عاطفية، وأنت محتار ما بين عواطفك، ومبادئك، وهذا ما أجج داخلك صراعا عنيفا.

وتركته في حيرته، وقضمت قطعة خبز بالمربى ألوكها على مهل وأنظر إليه وهو يغوص في خبايا نفسه، ولون وجهه يتغير بين الفينة والأخرى. تركته منشغلا في تلبيب نفسه، انشغلت أنا في القشطة، والزبدة الهولندية، حتى اقتربت من مسح صحن الزبدة الذيذة، فقلت:

– لماذا لا تأكل دكتور (جوزبف)؟

هنا رجع من شروده وهز رأسه: نعم آكل.

أراد أكثر من مرة قول شيء، منعه من ذلك غروره. مسحت يدي ووقفت: نلتقي قي الكلية بعد ساعة.

رد قائلا: أنا في إجازة لمدة أسبوع.

لحقني عند الباب.

قال بتودد غير معهود منه: أرجوك دكتور (وليم)، لا تحدث أحدا بكل ما دار بيني وبينك!

– مثل من؟

– الجميع!

– لا تقلق صديقي، أنا مكمن أسرار الجميع، وأنت تعي ذلك جيدا.

مقالات ذات علاقة

من رواية ”الأطياف الناطقة“

خيرية فتحي عبدالجليل

رحلة الشقاء والسيف

خالد درويش

رسالتنا من النص الناقص

عائشة الأصفر

اترك تعليق