سرد

جزء من رواية (أورارا)

.

فضل ساسي

 . 

وقفت (نوفو) تمتص الهواء وتُشير إلى (كاريد) الرجل الضخم بيدها ليبطئ، لقد كانت عرجتها ولحمها الكثير المتكدِّس يُعيقان سيرها. توقَّف (كاريد) وكانت ملامحه تنمُّ عن عدم ارتياح.

اقتربت منه (نوفو) وقالت له:

– يا ولد لقد كنت من أكثر الأولاد عسرًا في الولادة حين أشرفت على ولادتك. والآن بعد سبعة وعشرين عامًا ما زلتَ تُشكِّل عبئًا لي. قلت لك ولزوجك أن توقِفا الإنجاب لأن صِحتها لم تعُد تسمح.

لم يرُد عليها وأمسك بيدها ليدعم سيرها البطيء العرج. لكن التراب المبلَّل تحت أقدامهما كان كفيلًا بإطالة الطريق أكثر فأكثر.

 قال (كاريد):

 – هل أحملك يا أمي؟

ضحكت وقالت:

 – أيها الخبيث لقد مللت من سيري. حسنًا احملني.

انخفض (كاريد) إلى الأرض لتعلو ظهرَه. كان رجلًا ضخمًا، عظيمَ الجسد، واسع الجبهة، كثيف شعر الرأس، لونه كلون قمح الأرض. رسمت سنوات العمل في الحقول لوحات ورسومات قبيحة على يديه. لكنه كان يملك صفةً لطالما كانت محلَّ احترام لدى أهل البلدة، فقد كان يملك صوتًا ضخمًا فخمًا قويًّا. إنَّ الناس في البلدة يستبشرون بالصَّوت الضَّخم العميق ويعُدُّونه من أفضل صفات الفحول. فقد كانوا يسألون عن الخاطب لبناتهم, فإن كان صوته ضخمًا هانت كل الصفات بعد ذلك. فكل رجل يملك هذا الصوت لديه فرصةٌ في إنجاب أكبر عدد من الأولاد.

عجيبةٌ قناعات الناس، فقد كانت البلدة تعج بكثير من الخرس، وكانت بيوتهم تتكدَّس بالأطفال. وهناك رجال بأصوات عريضة لكنهم لا عقب لهم. إن الناس في بلدة (أورارا) يُحبون أن يصدقوا القصص مهما كانت سخيفة. إنهم يُصدقون ما يُريدون، ويصنعون ثقافةً خاصةً بهم، وإن نَسَجَها الوَهم والخُرافة.

صعدت (نوفو) على ظهر (كاريد) وانتصب فكان كالطَّود العظيم. سار بها سريعًا. كانت دوالي العنب تلمس رأسها وتضرب شالها الصوفي المُلَوَّن المتكوِّن عليها. كانت أزهار الياسمين الشرقي تتناثر على أكتافها كلما ناشتها أغصان الأشجار من حولها. شعرت (نوفو) أنَّ الدُّنيا كلها لها وبين يديها، وأنها أعظم من ملكات الدنيا، فها هي تُحمَل على الأكتاف، ويضرب الورد خدَّها وأكتافها. لم يطل الأمر حتى وصل بها إلى ساحة المدينة المثلثة بفانوسها الوحيد. أنار الفانوس وجه (كاريد) الغاضب، ووجهها الراضي.

قالت (نوفو):

– هل تعرف لِمَ بنى أجدادنا الساحة مثلثة الشكل؟

فلم يرد عليها. رفسته برجلها المغطَّاة بالوَحل حتى تناثر الوحل على وجهه. قال:

– لا أعرف.

قالت:

– بالطبع لا تعرف. فكيف لزارع القمح أن يتكلم في السياسة؟

ضحك (كاريد) وقال:

– أخبريني أيتها الحكيمة لِمَ؟

(قالت: إحم إحم ليتضح صوتها المبحوح)، ثم:

– لقد كان الصيادون الذين بنوا البلدة يذهبون إلى البحر ويرمون شباكهم أيامًا فلا يجنون إلا الرياح. كانت شباكهم تخرج من البحر ممزقةً فارغةً لا شيء فيها. وطال الحال بهم حتى فزعوا إلى بحَّار قديم، وجهه كالموج العتيد يسكن عند مقبرة البحَّارة القدامى.

أرادوا نصحه فحسب. قال لهم بعد أن وضع يده في لحيته:

– (إن سيد البحر غاضب ويجب أن ترضوه وهو يمسك السمك عنكم). وبما أنه حكيم وجهه كالموج، وأهل البلدة يصدقون الأكاذيب، فقد صدقوه. قالوا: وكيف نُرضيه؟

وقف برجله المقطوعة الأصابع مكانَه وهو يُحرِّك يدَه ليُمسك بجدار البيت. ثم قال:

– افعلوا ما فعله الناسُ قبلَكم، ربما سيكون ما أقوله سخيفًا لكن لا بُد لكم من اتِّباعه لو أردتم النجاة أنتم وبلدتكم. عليكم أن تصنعوا مثلثًا كبيرًا من عِظام البحَّارة الذين ماتوا ودُفِنُوا في المقبرة القديمة، ثم تعلقون عليه فانوسًا كبيرًا لأن سيد البحر لا يرى في الظلام. وارموه وسط البحر ليلًا. وانتظروا حتى يرضى سيد البحر.

قال أحدهم: ولماذا مثلث؟ لِمَ لا يكون مربعًا؟

قال البحَّار: هكذا أنتم تسألون ولا تفعلون شيئًا، لأن لسيد البحر ثلاث أرجل.

هل تفهم الآن؟ فسكت الجميع. ثم صاح فيهم:

– هيا هيا إلى العمل لا تُضَيِّعُوا الوقت.

سَارَعَ الناسُ إلى المقبرة واتخذوا مجارِف وفؤوس ونبشوا القبور كلها، وهو واقف ينظر إليهم ويحثهم كلما نسوا قبرًا. جمعوا كل العظام وربطوها في مثلث كبير حتى ما تركوا من عظمة واحدة، ثم علَّقوا فانوسًا كبيرًا عند أحد أطراف المثلث، جرُّوه إلى الميناء بشقِّ الأنفس، ثم حملوه على أكثر من قارب وذهبوا به بعيدًا.

بعد عدة ساعات عادوا وناموا في بُيوتهم وهم يحلمون بصيد كثير وافر. لم يُرسل سيد البحر أسماكه إليهم في اليوم التالي أو الأعوام التالية. لقد اكتشفوا لاحقًا أن الرجل كذب عليهم، وأن بيته كان قريبًا من المقبرة، وكانت زوجته تخاف الموت، وهي تشكو كوابيس وعفاريت تزورُها من المقبرة، فطلبت منه نقل المقبرة من مكانها أو شراء بيت في مكان آخر. هو لا يمك المال لكنه يملك العقل ليخدع أهل القرية البسطاء، وهكذا كان.

حينما كشفوا الأمر وسرى بينهم كانوا يتندَّرون بما فعله بهم. وخلَّد الناسُ ذِكرَه بأن بنوا ساحةً على شكل المثلث العظميِّ، ليعلم القادمون من بعدهم قصة الخِداع والعظام والفانوس. ولم يكن (كاريد) منتبهًا لها وهي تحكي بقدر ما كان يهمُّ ويُسرِعُ إلى بيته.

مقالات ذات علاقة

وحكايات اْخرى!!

سالم الكبتي

دهورة – الجزء الأول (مشاهد رصدت قبل الثورة….)

حسن أبوقباعة

مقطع من رواية «زمن الاخ القائد»

فرج العشة

اترك تعليق