السجن
قصة

جريمتي التي ارتكبت ..

السجن
السجن

فهيمة الشريف

قلما تجد من يعترف بخطئه حتى لو كانت صغيرة في حجم حبة أرز فما بالك بذلك المعترف بجريمة ؟!!..

**

في المحكمة العليا توسط كبير القضاة منصة الحكم،  كان كالكاسر فارضا لهيبته في زيه الخاص.

كنت في قفص الاتهام ذليلا منكس الرأس حينا و متفحصا ما حولي بعينين صامتتين حينا، يداي المرتجفتين تتمسكان بقضبان القفص خائف على نفسي الضعيفة من الفرار !.

القاعة تغص بالجموع. أصواتهم لا تنخرس.  يا إلهي لقد أصبحت مشهورا و إلا ما كان ليجيء هؤلاء جميعهم لحضور محاكمتي.

اللعنة !..من الذي شهر بي؟ . و من غيرهم أولئك الذين لا يملون التنقيب و البحث عن أخطاءنا و كشف المستور من حياتنا، و تعبئة أوراقهم بكلام صادق و كاذب و مداهن !.

**

نحنحة طويلة صدرت عن حنجرته التي تمنيت أن يتلوها انقطاع أحباله الصوتية.  اعقبها بطرقات متتالية بخشبة تخصه، منبها ببدء المحاكمة ،معلنا رسميا ممارسة صلاحياته.

ليت كان لهذا القاضي تاريخ انتهاء صلاحية قصيرة جدا كتلك التي على العلب !.

ساعتها فقط أدركت أنني في المحكمة و أمام قاض،  زاد إصراري في التمسك بحديد القفص؛ لأشعر بوجودي الذي بات يتضاءل و يذوب في داخلي.

ألا تشعر في بعض الأحيان بأنك موجود و لا موجود، غريب عن ذاتك ؟!.

**

صمت يرسل حروفه المطموسة يطالبني بالهروب قبل أن يعرج الزمن و تغفو الفرصة في سباتها السرمدي.

كيف لي بالفرار و هؤلاء جاؤوا على شرفي؟ . ليس من اللائق تركهم و الاختفاء فجاءة عنهم.  اعتبر نفسي حاكما لا محكوما عليه، هل رأيت حاكما يهرب من شعبه ؟!. أو أن يفر المرء من مصير كتب على جبينه؟. ثم إنني لست عصفور كي اخرج ما بين القضبان دون أن يمسك به أحد.

ما أغباني لو استجبت لرغبتك،  فسأثبت على نفسي التهمة …انسى الأمر يا سيد صمت !!..

**

اعتدل القاضي في جلسته، نظر إلى الحضور مطمئنا بقصاص عادل ثم التفت إلي ، سرب الأسئلة يبدأ في تحليقه المعتاد، فنحن ما إن نفتح أفواهنا بسؤال ننسى أن نغلقه و لا نتوقف حتى يمل المسئول.

– اسمك؟.

فتشت في وجوه الحاضرين عن اسمي فوجدته المتهم !. قلت:  المـتـهم.

– المهنة؟.

نسيت العمر.

لم يشأ السؤال عنه متعمدا أو ربما تجاوزه لعلمه به،  و متى كان يهم القضاة عمر المجرمين؟!. فهو سينهيه إما بتأبيدة بين الجدران أو الموت شنقا،  تخليصا للضمير الدنيوي من جرائمنا الوسخة!.

– المهنة؟.

أجابوا نيابة عني:  مرتكب جرائم..

مهنة جديرة بي … اسمعوا من الآن فصاعدا لا تتعبوا أنفسكم و تجازفوا بأعماركم الثمينة سأكفيكم ارتكاب أي جرم،  أنا تحت الطلب و يمكنكم التواصل معي؛ لأنها مهنتي يا سادة و كيف لي التنصل منها و هي مصدر رزقي و قاصفة لعمري؟!.

– ما رأيك في التهمة المنسوبة إليك؟.

– انفيها فلا علاقة لي بتهم.

– كيف لك أن تنكرها و هي ملتصقة بك كالتصاق شعر البقر في جلده لا يمكن جزها عنك؟!.

– لا اعرف لي تهمة محددة، استيقظت هذا الصباح فوجدتني هنا.

– أجئنا لنسخر يا حبيب أمك و نهدر وقتنا في توافهك و نكرانك؟.

– معذرة سيدي القاضي لكنني حقيقة اجهل التهمة.

شاخصا في وجهي الأبله، حسبته ذئبا يتربص فرصة سانحة ليهجم على الحمل الرضيع !.

– جريمتك التي ارتكبت من اثني عشر عاما انسيتها؟.

– جريمتي التي ارتكبت منذ اثنتا عشر عاما؟!!!.

كنت كببغاء ارددها دون أن اعقلها مستغربا و مستهجنا، محاولا جلب ماضي تلك السنوات،  شعرت أن الناس من حولي شعروا بنشاز في أسماعهم. بعضهم وضع أصبعيه في ثقب أذنيه و آخرين لووا رؤوسهم غضبا كمن يهش ذبابة !.

– أجل جريمتك اليتيمة.

– أبعد هذه السنون جئت تحاسبني عن ذنب لا أدري إن كنت اقترفته أم لا؟.

– لست أنت من تقرر زمن محاسبتك. .

– من إذن؟!.

– نحن .. هل تظن أنك الوحيد الذي يشغلنا، غيرك الكثير،  إننا لا نغفل أحدا و لا نستثني .. تبا لكم من شعب لا يحبذ راحتنا.

– و أنتم من يحاسبكم؟.

كان سؤالا ذريا جعله ينشطر و يتفجر غضبا مبهرا برائحة شواء وادخنة تكمم الأنوف .. ياللهول سينتف ريشك أيها الكاسر و تنكسر عظامك !!.

المسكين لا يحتمل الإهانة من فرخ دجاجة !.

اوداجه تختنق بالدماء و يده تقطع المسافة في خيال شاسع و تهوي بلطمات عنيفة على خدي.

– من تكون لتتجرأ و تسأل أيها المجرم المأفون؟ . نحن لا نحاسب. محصنون !. ضعها حلقة في أذنيك يا معتوه.

لقد اوجعني تسلطه .. لماذا لا نحصن نحن أيضا؟.

– أجب عن الأسئلة الموجهة إليك فقط دونما أحاديث جانبية…. قبل اثنتي عشر سنة كنت شابا فتيا تعيش كما يحلو لك،  لك من كل بستان زهرة ،غاضا الطرف عن يوم كهذا، ناسيا ذلك اليوم الذي اتخذت فيه قرارك النهائي الخاطئ بشأن مستقبلك فصرت بهذا القرار عالة على الناس ..لماذا لم تتريث و تفكر بعمق قبل الإقدام؟.

– ألهذا اقمتم محاكمة؟!.

– بلى ..ما دفاعك؟.

**

قراراتنا الماضي لها الأثر البالغ في حاضرنا، و قراراتنا الحاضرة ترسم مستقبلنا.  بعبارة مختصرة ” قرارك يبني حياتك “.

.. لم اتوقع إطلاقا أن هناك قانون ينص على محاسبة الأشخاص على قرارات صدرت منه خطأ . و لأول مرة اشعر بمعنى قراري المغلوط الذي ارتكبته في حق نفسي ..حقا إنها جريمة لا تغتفر!!.

تذكرة منك أيها القاضي ارجعتني إلى سنوات ثقيلة تجاهلتها طوال هذه الفترة القريبة.

أنا رجل فشلت في بناء حياتي بسبب قراري. 

أنا الكفيف الذي لم يقبل نصح الناصحين له باختيار مسار دراسي يناسب كففه و فضل تجربة مستوى أعلى من قدراته فانقلب لشخص مهان معرض للمساءلة و النظرة المزدرية.

كفيف غلفه حلم جميل لمدى سبع سنوات …معطف أبيض و سماعة طبية، قلب حاني و نفس مريح …فجأة كل شيء يتيه في ظلمتي المفجعة.

من منا كان ضامنا للقادم من الأيام حتى يغير ما اتخذه من قرارات؟.

كنت مدركا تماما أن حالتي الصحية تتدهور كل يوم لكن كان لدي ثقة في بلوغ حلمي و بأنني سأكون في حال أفضل بكثير … الأمل لم يقبض شعاعه من حياتي بعد رغم عجزي .

لا استطيع نكران ذنبي الفادح في تشريد نفسي و بيتي و أسرتي و القادم من العمر.

ربما ظروف الحياة كانت مساهمة في قراري الذي دفنت معه روحي الغضة و تركت الخطأ يلاحقني.  أمر وحيد يعزيني في فشلي العملي هو نجاحي المكافح في دراستي النظرية …

**

– سيدي القاضي إن كان في شرعكم ما يثبت قتل الفاشلين و المخطئين و المعوقين فسارع بالتنفيذ قبل أن يقتلني الكمد.

الحكم بعد المداولة ..

**

قبعت في تلك الزاوية و ألم الانتظار يعتصرني، لا يكتفي الحاضرين بالنظر بل لابد لتوقعاتهم أن تصلني همسا ..

براءة .. شنقا…. مؤبد …سجن سنوات.

صدري يضيق و قلبي كجمرة يعانق أنفاسي و الدمع لا ينتهي …

عاد القاضي شامخ الرأس،  تابع بنظراته الجميع ثم جلس، رأيته يختلس النظر إلي و هو يطرق على طاولته العريضة …

– حكمت المحكمة الضميرية العليا …

انقطع التيار الكهربائي، هاج الجمع ضاجا… صرخة القاضي لا تؤثر فيهم، هرب صوته معي إلي خارج الحياة مدوية في الليل الحالك… جريمتك التي ارتكبت …”

18 أكتوبر

مقالات ذات علاقة

الحب يموت مرتين

إبراهيم الصادق شيتة

إغــــراق

عمر الككلي

حدث هذا في زمن بعيد

البانوسي بن عثمان

اترك تعليق