قصة

جرح المدائن البعيدة

المراكب غادرت ولن تعود: من يقنع المنتظر أن المدى فلاة من الوحشة لا تحد، والبحر لا ينوء إلا بثقل الملالة؟

من يقنع المنتظر، تحت وهج الظهيرة، متفيئا رجاءوه وقلبه ساحة إشتباك بين يأس وأمل، وتوسل مستحيل عيناه: أن المراكب، في عنفوان طقوسها، ليلة الرحيل، نذرت للبحر أنفاسها؟

وأنا –لا أذيع سراً- كنت أمنّي النفس بازدهاء الميناء بصواري المراكب عالية تطاول السماء، وكنت أحن إلى عناق مجنون بين بحارتها والمودعين، وصياح النوارس، ترف بالوجد وتودع في كل قلب بهجتها، حلم أخفيه في ثنايا قلبي وتفضحه عيناي. لكن الميناء ظل مقفرًا، والناس،الذين أشتعلوا بالوعد ليلة أن غادرت المراكب، ظلوا ينتظرون مثلي ثم إنطفأوا كالقناديل حين ينفد زيتها: فمن يقنع المنتظر لا الشمس أحرقته، ولا نسفه الضجر، ولا التعب أماته، أن معجزة لن تولد، وأن توسل عينيه حسرة تذيب قلبه، ورجاؤه سراب؟!!

رواية أولى

كنت نائما حين انسل صفير المراكب إليّ. ظننت أنني أحلم، لكن الصفير ازداد، فاستيقظت مذعورا. كان صفيرأً حارقاً يجوب أرجاء بيتي ويعبث فيما حولي، وعيناي دهشة البدائي حين اشتعلت أول نار أمامه.نهضت مسرعا. ارتديت ملابسي. أغلقت أبواب السؤال، وفتحت باب البيت، وخرجت.كانت الشوارع كيوم الحشر:الرجال، والنساء، والأطفال، والأشجار، والجدران،والطرقات، والسماء، كلها تهرول باتجاه الميناء، ولا يسأل حميم حميما.الاكتظاظ كان يبلغ أشده عند بوابة البحر. لا تسمع إلا شهيقاً وزفيراً لاهثاً،ولا ترى إلا عرقاً ينز،وعيونا سكنتها غيبوبة المجذوب، والطرقات لا تؤدي إلا إلى البحر. كالميت وصلت وشهقة السماء قلبي: المراكب راسية، الصواري مزدانة بالأعلام الخفاقة، والنوارس تقيم أول طقوس العرس، و رفيفها زغاريد مندلعة من قلوب نساها الفرح لأحقاب طويلة. البحارة –وحدهم-كانوا خارج دائرة الاستغراب.كانوا يتنقلون على ظهور المراكب برشاقة لا توصف. رصدت ما في عيونهم فلم أر إلا طمأنينة الفارس الواثق من حسم المعركة لصالحه. تتبعت ضحكاتهم فالتئم جرح قلبي.وكنت، في نفس الوقت،أدفع الناس ويدفعونني.أدرت رأسي للخلف قليلا، فلم تصطد عيناي سوى غابات سوداء من رؤوس البشر. فجأة، توقفت صافرات المراكب،وخيم على الجمع سكون الموتى. البحر-وحده-خرج عن الحالة، فكان يسمع صوت ارتطام خفيف لمياهه على رصيف الميناء. انتظر الناس صامتين في خشوع،وإذا بصوت طبل هادر يقذف بالصمت في أعماق بحر بلا قرار،وينطلق قويا،ومتناسقا،

 ودافقا بفرح أسطوري كمهر استهواه المدى الشاسع وتلبسته غبطة الصباحات الندية،فأنطلق في البراري،راكضا بلا لجام. والناس سكارى وما هم بسكارى ولكن اشتعال البحارة برقص مجنون وعنيف وبغناء يطاول السماء، ورفيف النوارس، وتموج البحر، ألجمهم فترة. وكنت أرقب المشهد بعينين غير مصدقتين حتى ارتعبت حين تزلزلت الأرض تحت قدميّ بإيقاع خارج عن دائرة الوصف،وبغناء انتـقش في قلبي. واكتشفت-وقتئذ- أنني الوحيد الذي لا يتموج جسده مع الإيقاع، وأن العيون المغيبة بالدهشة،منذ فترة وجيزة، اندلعت بركانا من فرح ودموع، والزغاريد استباحت رعبي ومزقته، فازدهيت وردة ندية، وغبت إيقاعا نازفا بالحرقة، وغناءً لا ينتهي،حتى توهجت الشمس برتقالة، وغاصت في أعماق البحر الراعف بالغبطة، وغابت ملامح الوجوه، وعادت صافرات المراكب معلنة انتهاء طقوس الرحيل. وما أن انقضت لحظات إلا والمركب تلو الأخر يشق تموجات الماء بهدوء وطمأنينة،ويأخذ طريقه إلى عرض البحر.

رواية ثانية

كنت متأكداً أن ابني سيكون أحدهم. فحين كان صغيراً لا يحلم إلا بالمراكب. وكنت، كل ليلة، أضمه،نحوي، بحنو، وأقص عليه ما في جعبتي عن المراكب التي شاهدتها تغادر مزدانة بابتهالات القلوب. وكنت حين تروم نفسي أن تشعل نفسه أغني له الأغاني التي كنا نرددها،وأحياناً، كنت انتصب كرمح بدائي، وأدق الأرض بقدميّ، أزلزلها، وأترك كل جارحة في جسدي تتموج برعشة الفرح في قلبي، وغالبا، ما أنجح في نقل عدوى قلبي إليه، فينتفض كمن مسه الجن ولانتوقف حتى يرتمي كلانا جسداً هدّه التعب وأستنزفه حتى أخر قطرة منه.وكنت حين أكون مستسلماً لحزني،أنظر إليه، فألمح توسل عينيه سهاما ترشقني.أتردد لحظة، ثم أبدأ في سرد حكاياتي. وحتى حين اسود ما فوق شفتيه، وانتصبت قامته، وغيّم وميض عينيه بحزن غريب،كان يصر على الاستماع إلى تلك الأقاصيص. ولم يكن لديّ تفسير لذلك سوى أن قلبه بدأ يخفق برعشات الحب الأولى، وأن حكاياتي كانت تخرجه عما يعانيه وتعيد لعينايه وميضهما وسحرهما المفقود. حاولت كثيراّ أن أستكنه ما في قلبه: مرة،حكيت له عن علاقتي بأول امرأة في حياتي: ما كنا نحكي، أحلامنا، الدفء الذي كنا نلتذ به حين نلتقي. لكني فشلت في إخراجه عن صمته.وهجر أحاديثي فترة، اكتشفت بعدها أنه بدأ يعود متأخراً إلى البيت،وأحياناً،لا يجيء إلا بمجيء الصباح. أمه فاتحتني بمخاوفها، لكنني طلبت منها أن نتريث قليلا قبل مفاتحته.مرة، جاء صديق لي وقال: ابنك سيضيع، وسيجر الويلات على نفسه وعليك. من الأفضل لك أن تردعه.طلبت إيضاحا فرفض. فارتعبت، وانبجست الهواجس وتكاثرت كالفطر في قلبي. كنت أدرك عمق طيبته، ونزاهة نفسه عن الصغائر. لكن الشيطان أودعني شكوكه فأخذت أراقبه زمناً.عند المساء، يرتدي ملابسه ويخرج. وأظل وراءه، أسير وفي قلبي يتقد فرح غامر لاشعوري، وأنا أرى قامته الممشوقة وخطواته واثقة ومطمئنة تذرع أرض الطريق، فأقول أن هذا ابني، ابني الذي كنت أضمه بحنو، وأقص عليه أقاصيصي. وينقبض قلبي حين تعاودني هواجسي، وافتقاده شبح يلوح بين عينيّ فأطرده بعيداً عني. ويشتد خفق النبض في صدري حين يصل إلى المباني المهجورة قرب الميناء. كنت أساءل نفسي كثيراً: ترى ماذا يفعل داخل هذه الخرائب؟ مرةً تجرأت واقتربت، ومن شق موارب تلصصت، فلمحت هياكل مراكب، وأجساداً مفتولة تلمع بالعرق، وهي تروح وتجيء، وتكب على المراكب بهمة لا ترعوي. وأبصرته والعرق في جبينه أغنية غيبتها السنين. وبرقت أحلام منسية في قلبي: هل حق ما أرى أم أنها أوهام مخيلة عجوز؟!

تعليق أخير

من يقنع المنتظر مفترشاً حنينه أن المدائن المضيئة،خلف المدى الراكد، لا تعيد عاشقيها؟!

ما ترويه الحكايات، وما تناقله الناس من أقاصيص، أن المنتظر كان، في السنوات الأولى، يجوب الأزقة والشوارع وحيداً، وقليلاً ما كان يتحدث. وإن فعل فحديثه عن المدائن المضاءة بالبهجة، والفرح المتحرر من كل خوف. عن الأنس الرائع، وعن الحياة التي تفيض حياةً. وحين ينتهي كان يتجه بعينيه صوب الميناء ويقول: هناك في البعيد. وتقول الحكايات أن المنتظر تعب كثيراً، وكان يعامل كمجنون، والأطفال من خلفه، من شارع لشارع، يتصايحون، ويتضاحكون، ويقذفونه بالحجارة. وأنه قبل نزول المراكب الميناء بمدة هجر الناس وغاب. ولم تبصره عين إلا ليلة الرحيل. والذين أبصروه قالوا: لم نعرفه في بادي الأمر، كان داخلاً في حالة لا توصف،وغناؤه داخل الأصوات متميزاً وحارقاً. وقالوا، أيضاً: أنه بكى كثيراً حين غابت المراكب حتى وقع مغشياً عليه. وفي الأيام التالية للرحيل صار يحكي بمرارة عن المدائن المضيئة، وعن المراكب الدافقة بالشهوة إليها،ويبكي. وكان يتوق عزماً للرحيل في المرة القادمة.ويحكي لكل من يلقاه بما سيفعله. وتردد على الميناء كل يوم. وعرفته الخرائب المهجورة مريداً. لكن وميض عينيه بدأ يختفي تدريجياً. وبدأ يقول كلاماً غريباً ومريباً، حتى خرج على الناس،ذات يوم، معلناً أنه حلم بالمراكب عائدة!!

فأدرك الناس حقيقة ما يعانيه وانصرفوا عنه.

وأنا-لا أذيع سراً- أحلم بمراكب متوهجة بالحنين إلى الرحيل، لكن من يقنع المنتظر أن المراكب حين ترحل لا تعود؟!!

 طرابلٍٍٍٍس

 الحصان الأسود/بورتا بنيتو- القسم الثاني (المحرقة)

 10/10/1981

مقالات ذات علاقة

مشـكلة الخـبزة

موسى اللافي الشيخي

الشيء الذي ينأى

عمر الككلي

تبقى رائحة البخور

محمد النعاس

اترك تعليق