قصة

جدي

الإهداء للأديب الشاب مفتاح العلواني

من أعمال التشكيلي الليبي خالد بن سلمه


بعد شهر واحد من تقاعد جدي، الذي أفنى في الوظيفة أكثر من نصف عمره، ها أنا معهما من جديد.. جدي وجدتي، اللذان أمضيا معًا نصف قرن من الزمن، ولم يذكر أي منهما الآخر باسمه.. كان جدي جادًا، قليل الكلام، وعكسه تمامًا كانت جدتي.. عندما كان جدي يريد استعجال كوب الشاي، كان يسعل.. السعال هو أسلوبه في لفت انتباه جدتي، لأنه كان يتجنب مناداتها باسمها.. هكذا تعلم من والده.. فقط؛ من يمن الله عليه بالحج كان يتجاوز هذه المشكلة، فيصبح اسمه بالنسبة للآخر الحاج أو الحاجة. تعلمت جدتي ألا تذكر جدي باسمه، فقد حدث أن فعلت ذلك مرة واحدة بعد زواجهما بأسبوع، فتسببت لجدي بحرج أمام عائلته المحافظة.. أخبرتني أنها لم تزر أسرتها بعد زواجها، إلا بعد أن رزقت بثلاثة من الأبناء، أمي، وخالتي، وخالي. وقالت أيضًا أن والدها لم ير وجهها بعد زواجها أبدًا، فقد كانت تخفيه بلحافها، خجلًا واحترامًا.

كانت جدتي تختارني من بين جميع أسباطها، لأكون سندها في مختلف المناسبات.. في موسم جني الزيتون، أو موسم التمور، أو في موسم الحصاد.. كنت جاهزًا على الدوام فهذا يشعرني بالمتعة رغم صعوبة التعامل معها.

أفني جدي جل حياته عاملًا في شركة المياه.. تدرج فيها عاملًا تحت إشراف الإيطالي “جوليانو” أول مهندس لشبكة المياه في المنطقة، وعاصر إدارة الانكليز، وكافة الإدارات اللاحقة.. يعرف كل ماسورة من مواسير تزويد المياه عن ظهر قلب، ويعرف جميع التزويدات الإضافية.. يعرف أيضًا الشبكة القديمة، ومساراتها، وهو ما لا يعرفه أحد في الشركة.. الخرائط لم تعد ذات جدوى بعد أن تغيرت الطرق والمسارب.. ويعتز جدي بأنه المرجع الوحيد لتاريخ شبكة المياه في المدنية.

بعد تقاعده زاد توتره، وما عاد قادرًا على تحمل ثرثرة جدتي، ولا هي عادت تقبل ما يقوم به في البيت.. كان يشطات غضًبا من أبسط الأمور.. عدم إطفاء الأنوار.. عدم فتح النوافذ في الصباح الباكر.. الإكثار من وضع الفحم في الكانون.. كلها أشياء كانت كفيلة برفع عقيرته بالصراخ.. عادة ما كانت جدتي تحتويه بالصمت.. ثم تهمس في أذني:

– جدك فقد عقله.. إنه الفراغ

كانت جدتي ترى أن وجود جدي الدائم بالبيت بعد تقاعده، سيربك كل شيء فيه.. قالت لي أنها تحملت كل العبء منذ زواجهما لوحدها، كان جدي لا يعرف شيئًا عما يحدث من مشاكل، لأنها كانت تقوم بحلها دون أن تخبره.. لم تكن تريد إشراكه في مشاكل البيت الداخلية، إشفاقًا عليه.. ففي العادة ما يعود منهكًا من العمل كل يوم.

كانت جدتي تدعو كل صباح، أن يرزقه الله بحج بيته.. فكان له ذلك.. الشركة كرمته بإدراج اسمه ضمن قائمة الحجيج لذلك العام، نظير ما قدمه من تفان طيلة سنوات عمله.

غادر جدي بعد احتفال دام أسبوع، شارك فيه الأهل، والاقارب، والجيران.. غادر الجميع إلا أنا.. في الليلة الاولى، سهرنا حتى منتصف الليل، روت لي جدتي الكثير من ذكرياتها، لماذا أطلقوا عليها اسم “كفاية”.. وكيف تعلمت التاقزة.. كيف تزوجت من جدي في عمر الثالثة عشر.. وكيف صرخت من الألم عندما هموا بوشمها، فقد طلب أهل جدي أن تأتيهم بوشامها.. فلا يعرف أحد الفرق بين العزباء والمتزوجة، إلا بما يزرعونه في جلدها الطري من وشم.. أخبرتني أيضًا كيف أنها لم تره سوى ليلة الجحفة !!

سألتها هل تحبينه ؟

احمرت وجنتبها، كما لوكانت ترمي الخبز في التنور، وأخذت تصوب نحوى بمروحة السعف، وتقول:

– العيب مش فيك يا سفتول السفاتيل

كل يوم يمر في غياب جدي، كانت جدتي تكتشف شيئًا جديدًا.. تعطل مصباح المطبخ لأول مرة، منذ وصول الكهرباء للمنطقة، ولم يجد من يصلحه، بعد أسبوع انقطعت المياه ولا أحد يعلم أين تكمن المشكلة، مقبض نافدة المربوعة لا يستجيب.. مفاتيح مخزن المؤن اختفى هو الآخر.. قالت جدتي:

– غاب سيد البيت وغاب معه كل شيء

ها هي تغازله في غيابه، وتتمنى عودته.. كل شيء قد تعطل، وبحاجة لصيانة، حتى قلبها المكسور.. كانت عينيها تشع حبًا وولهًا، ولكنها تعلمت ألا تبوح بكلمة واحدة.

هذا المساء سيعود أول فوج من الحجيج، وفيه جدي.. وفي الصباح بخرت البيت، وجهزت عالة الشاي لاستقبال الضيوف، وكانت أمي أول الواصلين.. أخذت جدتي في ضفر شعرها، بعد أن أزالت كتل الحناء عنها.. وأنا أرقبها من فوق عريشة العنب، وأهم بالغناء:

– زع يا جمل تبع طريق السدرة.. طفلة صغيرة ضافرة بالجدرة *

هربت ضاحكًا، وضحكات أمي تمتزج بوعيد جدتي، التي دنت نحوها قائلة:

– رتيه العسكرسوسة ؟!


الزاوية 28/10/2020

* زع يا جمل: أغنية شعبية تغنى على أنغام آلة الزكرة.
* التاقزة: طقس من طقوس محاولة التنبؤ بالمستقل، كانت تقوم به بعض النساء عن طريق تمرير اليد اليمتى على الذراع الأيسر
* ليلة الجحفة: ليلة الدخلة

مقالات ذات علاقة

مُتوسْطِّيّة بين حُمْرةِ الّلهَبِ وزَبَدِ البَحْرِ

محي الدين كانون

كلاب العسل

المشرف العام

أقصر قصّة، أطول قصّة

محمد المسلاتي

اترك تعليق