النقد

جدوى المواربة .. همُّ القصيدة وصوت الشعر

قراءة في شعر الشاعرة الليبية سميرة البوزيدي

زيد الشهيد – العراق

 

لا غضاضة في القول أنَّ الشعر ولد رومانسياً ، غلّفته المثالية ، وعطّرته الاستفهامات الجدلية في البحث عن الماهية المحيطة بنا والميتافيزيقيا التي تشغل أفكارنا .. ولا مواربة في إعلان أنَّ الشعر بوح لا يمتح دفنَ الأسئلة ؛ بل يتَّجه قدماً في القول ، والتكلّم ، والحديث .

يقول بلسان الذات التي تعيش الوعي فتروح ترفل على أديم البحث والاكتشاف ، ثم تتكلَّم بلسان الخارج من سلالات السبر والتجربة فتصف ما رأت وما تلمَّست ، وما أثبتت . ثم يأخذ الحديث الوالج إلى حومة التقارب والنقاش والدخول من نافذة الجدل وصولاً لمحصِّلةٍ ؛ لأنَّ الشعر باكورة محصِّلات لذوات تريد أن تنفض عنها أعاصير الحيرة ، وتتفانى للتخلّص من جموح الافتراضات .

يتجلّى الشعرُ وسيلةً يفترضها الباث ويعطيها على طبق من مفردات وصور ، يستقبلها المتلقّي الجائع بشهية مَن يبغي التذوّق والإشباع . والشعر بوح إنساني تنتفي عند أبوابه الأصوات التجنيسية . يأتي الصوت ذكورياً أو أنثوياً بهمٍّ واحدٍ وبصيرة مشتركة . يقول ما يريد ، ويعطي ما يبغي ، اعتماداً على خيال يعيش اليقظة ، فارداً ذراعيه لشحذ وتأجيج الحواس ” فالخيال يزيد حواسنا ” و ” اليقظة الخيالية تهييء انتباهنا للاستجابات الفورية ” كما يقول ( غاستون باشلار ) . تغدو الأنوثة صوتاً لا يغرّد خارج سرب الإنسانية الرجولية ؛ وليس للصوت الرجولي ميزة فارقة على صوت الأنثى حيث الشعر لا يعرف التفرقة بين الاثنين . إنّه يُقدم احتراقاً وتقبلاً لوالج عوالمه . أمّا نحن القراء المتلقّين فليس لنا سوى الإصغاء لترنيمته مرددين مردّدين مع ( باشلار ) نداءه ” يجب أن نصغي للشعراء ” ؛ وهو نداء يضع الشعر ومنتجوه في خانة واحدة لا يستخدم الفرز الاجناسي .. من هذا التوجّه تقدّم الشاعرة الليبية سميرة البوزيدي ( في مجموعتها الصادرة عن ” منشورات مجلة المؤتمر ” الليبية العام 2003 ) رؤيتها للشعراء ، الباحثين عن هوية الوجود وإن منحتهم هوية الذكورة . المهم أنّها تقرأ الشعر وأدواته الآدمية التي فاهت به فترسمهم حيوات تضج بالقلق ؛ أمامهم سراب ، وحولهم ظلمة.. هكذا :

” يفتحون طريقاً / قلقة بعيون غائمة ./

يتلمسون سراباً آخر / هكذا مثل يدٍ تُعارك ظلمةً . “

ص7 .. نص ” أشياء للشرود “

القصيدة نتاج الشعر / بضاعة الشعراء . إنّها مخاضٌ تعانيه الذات المرهقة بأبجديتها ومحمولاتها الأزلية : في السؤال والبحث والاستفهام والوصول .. كثيراً ما أرهقت القصيدة الذات الشاعرة وشكَّلت عبئاً ثقيلاً أستغرق شوطاً هائلاً من الوطئة الزمنية والاحتراق الديدني . وما أن يتم المخاض وينتج الولادة حتى تنتفض الذات ارتياحاً ، وتصرّح بأبجدية الإرهاق التي عانته طيلة زمن التنامي والكبر ، والتأجّج :

الماء أو النار ؟!

هكذا كنتُ أتساءل .

حينما فكّرتُ في التخلّص منها

كومة الحبر .

أخيراً نثرتها في عاصفة البارحة ؛

ونمت ..

حسناً

أليست هوائية العنصر ؟

أرهقتني صعوداً

قصائد الأسى

وأرهقها شتاتاً ..

مفارقة : مفزعة

ص15 .. نص ” بحر “

ثمّة تصنيف أفرزه الشعر منتجاً صنفين من الشعراء الناثرين اشتغالاتهم رسائل مبثوثة ، سواء جاءت صوتيةً وقفوا فيها من على المنابر وانطلقوا يبعثرون جسدها على الوزن والقافية والبحر ؛ أو بطريقة الموسيقى الدفينة بين مكوّنات النص / القصيدة ناتجةً ما يُسمى بقصيدة النثر . أو جاءت الاشتغالات هياكلَ مفرداتية احتوتها صفحات المجلات أو الصحف أو المجاميع .. شعراء يعرضون فينتظرون ردّاً من قرّاء ( قرّاء يمارسون القراءة قصد المتعة وحَصاد اللذاذة ؛ أو قرّاء صارمون يقفون بمواجهة النص لسبر محتواه بحثاً عن دلالاته ومدلولاته ؛ أي قراءته .) فالقراءة تقود إلى التأويل ؛ والتأويل ممارسة مهنية يعطيها الكثير من المبدعين اهتماماً ؛ وهم ينتظرون ردَّ فعل المؤوِّل ، ويقرأون كقرّاء جُدد نصوصهم _ ولكن بعيون غيرهم – فيما يترجل شعراء آخرون لا يأبهون لما يُقال ، وما يُكتَب عنهم ..( قرأتُ يوماً أن الكاتب المسرحي الفرنسي ” يوجين يونسكو ” رفض مقابلة العديد من الصحفيين الذين جاءوا لعمل لقاءات ثقافية معه بعد أن نجحت مسرحياته في العرض ونالت شهرةً كبيرة قائلاً : كنتُ أنتظركم لأعوام وأتوسل أن يكتب أحدكم عني ولو أسطرَ ليسلط ضوءه على جهدي الكتابي فلم تفعلوا. كنتُ أحتاجكم فلم تسعفوني ؛ وها أنتم تحتاجوني فحقَّ لي أن لا أسعفكم . ) .. وسميرة البوزيدي تتوجّس عَرضاً ، وتتحسب خشيةً مَن يلجّون عوالمها الكتابية ويخرجون بتأويلات نصيّة :

في كلام يختصرني قليلاً

يقرءون عشبي المهرَّب

يعددون أقنعتي وهي تتقافز بين السطور

معلقة من رموشها .

جالسون في حانة التأويل

يمزجون اللغة بثلج التوقّع

كتوقّع النشرات الجوية

باردٌ .. وحار !

منذ قريب كنت لا أكتب أحداً

ألتفُّ بعباءة أنّاي

وأنظر بنص عين

إلى حزنٍ رفيق .

ص38 .. نص جدوى المواربة

إنَّ الشاعرة في مجموعتها ” جدوى المواربة ” تبقى أسيرة الهم المفرداتي ، تسوح في عالم الشعر كأنّها مأخوذة بأطياف سحره ؛ مشدودة إليه ومنشدَّة لأبجديته . تتولّه بفضائه وتنعم بفيض هيوله . تحبُّ وتعبُّ هواء القصيدة . تعشق هيبتها وهيمنتها . فالقصيدة عندها تمتلك قدسيةً ومهابةً بحيث ” ينحني أمامها العاشق ” و ” نحوها تسير غابات النور ” . والقصيدة عندها تجربة حياتية تعيش تفصيلاتها اليومية وتتفاعل مع جزئيات تشكيلها المتنامي ؛ فالشعر ممارسة إنسانية خلاّقة لا تأتي من أقانيم الفراغ ؛ والشاعر الصادق هو من نهل من تجاربه الملموسة لا من ثقاقته المستقاة من القراءة ، لأنَّ التجربة ستبقى مشوهة إن لم تعتمد النهل من فيض الأيام التي عاشها الشاعر وانهمر وانهمك وذاب في جذوتها ” إنَّ ثمّة كتاباً يستعيضون عن التجربة الحياتية بالتجربة الثقافية ، فيتحدّثون عن الأسفار دون أن يسافروا ، ويصوّرون العشق دون أن يعشقوا . ” كما يقول نار قباني بينما نرى إلى سميرة البوزيدي تصرح برؤيتها وتفصِّل صورة َمن يلج عالم القصيدة ويخرج ليؤرخ هيبتها ؛ أليس على طرقاتها يلتقي الغرباء ليتصافحوا فيعيشوا مسار الألفة ويتذوقون طعم الحميمية ؟ :

القصيدة ُ ينحني أمامها العاشق بغزلان نبضه .

ويعلّق الرهبان صلبانهم على محرابها ، ويشرعون بالغناء .

يرمي الزمن وراءه عادات التشيؤ والامتثال .

نحوها تسير غابات النور وقطعان الكلام ،

ويتصافح الغرباء على طرقاتها.

ولو انتقدت تناثرت .

بلاد توغل في نشيجها أغنيات معلّقة في صوت أم .

أرواح تعوي في عراء الشتاء .

ظل كبير لسروة مجروحة بأسماء عشاق قدامى

وشاعر يواسي أخطاءه .

ص53 .. نص ” القصيدة “

ولقد استوقفني كثيرا نص ” كأن السحاب صديقه” ابتداءً من العنوان المستل من جسد النص ؛ هذا الذي يحلق في غيمة من رومانس فيعطيه التشبيه أكثر طيراناً رامياً عليه السحاب كصديق يحمل طراوة لذائذية عذبة وفضاء روحي ليس له حدود ؛؛ حتى انتهاء النص .. والشاعرة تتماهى بثياب الشعر النقية الهفهافة ، ومعطف الحب الذي لا يأتي صارخاً مجنوناً عابثاً بل مطراً منساباً كأنه انثيال روحي شفيف . وسوف نرى إلى التماهي الأول فنحسبه وصفاً للشعر لا كشفاً للحب لأننا بدأنا منطلقين من التركيز على رؤية الشاعرة الدائرة والرافلة على أديم هم الشعر والقصيدة سيما وأن النص بدأ بالحديث عن الشعر فقطع المواربة التي قد تأخذ إلى التماهي الثاني . والنص كأنّه الخطاب ؛ مثل رسالة مرسلة إليه وإن بدا غير موجود حضوراً لكنه حاضر انفعالاً . فالشعر لدى صانعة الخطاب ” ماء الروح وشتاء الشجن ” .إذاً هذه شاعرة تغرق حد الثمل في عشقها للشعر وانتمائها للأدب . هي مهمومةٌ بكيان تهيم في سهوبه ، وتترجل رافلة على خمائله . ترى فيه مطراً يباغتها ، مثلما يباغت الجميع . وهنا تمنح وجودها الانفرادي صفة الجمع كأنها تريد القول أن الشعر هزّاز الذوات جميعاً ، فمن منّا لا تهزه نغمة الشعر ولا تطربه موسيقاه . بغيابه تنقلب المعادلة فيأتي الفقد والشعور بالوحشة ، وتنهال الأسئلة تقول الفجيعة . فالشعر ” عالياً ينثر فجيعتنا ” ؛ وهو الذي ” يشاغب الذاكرة ” و ” يراود المعاني عن هدوئها ” . هذا التوصيف لا يقرّه إلاّ مَن اكتوى به أو طرب لناره . ولا يقوله إلا مَن وقع في داء فاستعان به كدواء ” ولا أنشد ُ الأشعار إلاّ تداويا ” يقول قيس بن الملّح . وتقول سميرة ” يوقظ الغفلات التي نظن أننا احكمنا سدودها حين يدس انفه الجميل ” .. إننا إزاء شاعرة تلم بعالم الشعر على أوسع وجه ، كما لو أفنت العمر عند صومعته ، وسفحت السنين على تخوم رفله :

إلى الشعرِ / ماءُ الروح / وشتاءُ الشجن / تداهمه العبارة /

وتعشقه فوضى فادحة .. كلما مرَّ يباغتنا المطرُ / ويعترينا

الخصبُ . ولو يغيبُ قليلاً / يذيبنا الفقدُ / وتمزقنا

الأسئلة . عالياً ينثرُ فجيعتنا .. حين يخبر عنّا الشجون

القديمة . تحت جسور المواعيد المائية / في أغاني فيروز ..

من عرائش الكروم وخبء المناحل يأتي / مدججاً

بعطر الغابات . يخدش غرور البساتين / ويتفتق عن الماء ،

ماء . ويندلع في الشجن . وفي الغياب والعويل ، وعتمة

الظلال الواقف طويلاً .. على مرمى الحنين يشاغب الذاكرة /

يراود المعاني عن هدوئها ؛ ويوقظ الغفلات التي نظنُّ أننا

أحكمنا سدودها .. حين يدسُّ أنفَه في شؤون الروح النائمة /

فتحمحم به الأغنيات القديمة / ويجيء المطر يتلبس انهماره :

قطرةً / قطرة . كأن السحاب صديقه . تجيء به الصباحات

الباردة / يُشعل حرائقنا ؛ ثم يمضي لننشغل نحن

بماء المحابر .

ص47

في مجموعة ” جدوى المواربة ” نأت صانعة الخطاب عن هموم المرأة التقليدية المستهلكة ، وابتعدت عن صب الشكوى ولصقها في جبروتية الرجل ، تلك النغمة التي غدت نشازاً ومثلبة ترنيمية بائسة . فالقارىء المتلقّي يجد نفسه أمام أنثى / مخلوق تشغله بواعث أشياءً أكثر ترفعاً أ وأجدى طرحاً ، وأنفع موضوعاً . لا نجد ما يشير لترجرج الانفعالات في تقديم النص ، ولا تذبذب الذائقة الشعرية في التعامل مع المواقف .. فصانعة الخطاب شاعرة تتحرّك باتزان في درب المضمار الشعري ، وتخطو على دراية في توجهها ؛ فلا تنقاد لانهيال الذاكرة وخروجها عن السيطرة . إنها تقول الشعر وتقف عند محرابه : واثقة لا مرتبكة ، متهيئة لا متهيبة . تقوله لتعرض هويتها وتعلن ببصيرة الوثوق أنها شاعرة تحمل احتراماً لما تقول ، وصدقاً لما تبوح . وأنا أقول إنَّ شاعرةً كسميرة تدخل عالم النجاح والمستقبَل المستقبِل في مضمار الأدب ، وأنَّ الأقلام القرائية ينبغي أن تتوجّه لهذه البؤرة النيّرة في عالم الثقافة لا أن تتركها مع المتروكين وتساويها مع المتساوين . إنّها ترفع بيرق التميّز ؛ وعليها السير بوثوق وتأنٍ ، فلا تنجر لهوس النشر الكثير والكتابة الوفيرة ، ولا تأبه للأقلام التي قد تسعى للتقليل من موهبتها ( مع جهلي إن كان ثمة أقلام من هكذا نوع ، لكنني أتوقّع . ) …

مقالات ذات علاقة

محمد العارف عبيه

المشرف العام

بين المكان المحاصر والزمان الطليق.. قراءة في رواية المولد للكاتب أمين مازن

رضا بن موسى

نص الطفولة الشاعر الليبي: علي صديق عبدالقادر

أحمد الفيتوري

اترك تعليق