قصة

جدار الاسمنت

حديقة صغيرة تتشابك فيها، بفوضى، سيقان نباتات خضراء، حبيسة بين جدار اسمنتي عال أصم بدون طلاء، وطريق ضيق متعرج ممتد على طول الجدار، تلتف على حافته العليا أسلاك “الحبيلة” الشائكة كنجم البحر.

تسيج الحديقة أسلاك معدنية مشبكة مشدودة بين أعمدة حديدية مغروسة في الأرض، مثبت على واجهتها باب حديدي موصد بقفل يتدلى من قفص الباب.

 حديقة في مكان مجدب تتكدس فيه على طول الجدار أكوام من التراب…كئيبة كآبة البيوت “الشعبية” المتشابهة المبنية على أرض منخفضة لا يفصلها عن السور الاسمنتي الشاهق سوى طريق معبد ضيق، ووحيدة وحدة امرأة تمسك بسلك معدني تسرح به بالوعة المجاري صباح ذلك اليوم الماطر العاصف.

لم تغيَر الحديقة الصغيرة شيئاً في لوحة المكان المقفر، هيمن الجدار الاسمنتي على المكان وألقى بظله، حتى انخفضت الأرض الممتدة بمحاذاته وبدت المساكن الشعبية المثبتة كقطع مكعبات لعبة التركيب “الليجو” بلونها الأصفر، أصغر من حجمها الحقيقي وكأنها من ملحقات الجدار.

تتبَعنا الجدار الزاحف إلى يميننا، حتى بدا تقعر خفيف نحو الداخل، وظهرت بوابة حديدية رمادية شاهقة بضلفتين، إحداهما مواربة، تظهر على حاشيتها العلوية نتوءات بأسهم مدببة حادة، يمتد أمامها منحدر أسمنتي كعضلة اللسان المشدودة.

يقف أمامها حارس بزي بني يميل إلى الكاكي، يتغطى ببالطو بذات اللون عليه شرائط حمراء، يصل إلى ما تحت الركبتين، يميل نحو إحدى أذنيه غطاء صوفي أحمر، تتدلى من جنبه الأيمن بندقية تتجه فوهتها نحو المساكن الشعبية المنخفضة، ويقبض بيده الأخرى على حزامها الجلدي يجذبها حتى منتصف صدره.

كانت الابتسامة كافية ليفك قبضته عن الحزام الجلدي، ويخطو نعلاه الأسودان الواحد تلو الآخر في اتجاهنا، وينحني برأسه نحونا حتى يتباعد جانبا معطفه… دُست على زر النافذة  فانسحب الزجاج داخل شق الباب، أطللت برأسي ومددت ذراعي ببطاقتي، لفعتني الريح الباردة، “السلام عليكم…..”، أومأ برأسه “تفضلوا” دافعاً ضلفة الباب. صعدت السيارة المنحدر الأسمنتي بصعوبة كالجمل المحمل، توقفنا عند غرفة الخفارة، حيث الحراس ببزات زرقاء وقبعات من الصوف الأسود، سلمنا البطاقات، والهواتف بعد إغلاقها، سجلنا البيانات في سجل من ورق مستطيل مسطر، سُلمت لنا بطاقات بلاستيكية مرقمة وضعناها حول أعناقنا.

كان جدار آخر يتبعنا إلى اليسار ينتصب في منتصفه برج حراسة خشبي يتجاوز حافته بقليل يقف على أرجل عالية، لا يبين منه سوى قبعات حمراء وجهة معتمريها نحو خارج السور، بينما المباني تتوزع إلى يمينه.

انتشر في المكان أصحاب القبعات السوداء ببزاتهم الزرقاء المزركشة، بينما تراصت سيارة أو أكثر إلى جانب السور، علامة على وصولهم إلى القاعة.

  اقتربنا شيئاً فشيئاً من القاعة، تناهت إلينا أصوات عالية متداخلة، كصياح الديكة في الأقفاص.

كانت القاعة واسعة، ذات إضاءة باهرة، كأنها مسرح كبير، يغلف أرضيتها بساط من الموكيت الأخضر، تصطف على جانبيها كراسٍ مثبتة في خطوط مستقيمة، يتوسطها ممر يقع في آخره منبر خشبي مثبت عليه ناقل صوت برأسه المدورة المشبكة، وعلى جانبيه طاولتان مستطيلتان. يمتد في آخر القاعة وعلى اتساعها ركح خشبي يؤدي إليه من طرفيه درجان خشبيان، عليه طاولة خشبية كبيرة مغلقة ومنقوشة الجوانب في شكل نصف دائرة بأربعة كراسي، تمتد عرضاً إلى جوارها طاولة أخرى مستطيلة بكرسي. معلق على الحائط خلف الطاولة نصف الدائرة لوحة بلاستيكية كبيرة لميزان بكفين متعادلين، ويتوسطه باب ضيق من الالومنيوم.

إلى أقصى يمين القاعة قفص حديدي بطلاء أسود لامع، بدون سقف، اكتظ برجال بلباس أزرق داكن موحد، مكون من بنطال وجاكيت بياقة واسعة، وأزرار أمامية وأكمام طويلة، ينتعل أغلبهم خفافاً، كانوا متشابهين، تلونوا ببشرة سمراء، شعورهم بدت سوداء، وأعوادهم نحيلة، كلهم جالسون ظهورهم محنية إلى الأمام، يحركون أجسادهم كبندول الساعة متفادين بذلك أجساد المارة من أمام القفص، وهم يتصايحون في وقت واحد، يبحثون بأعينهم بين القضبان السوداء اللماعة عن وجوه ألفوها من الجالسين على الصفوف اليسرى في القاعة، يصوبون كلماتهم ويطلقونها نحوهم، وتعود كلمات أخرى لا تخطيء الطريق إليهم.

ينهض الواحد منهم ويقف ما إن ينادى عليه، يُغمض بأصابعه على عمودين حديديين ويحشر وجهه بينهما، يظل واقفاً صامتاً حتى تنتهي الأقاويل بشأنه، ويُقْلب ملفه على وجهه. ما أن يصطفق الباب الالومنيوم الضيق على الركح حتى ترتفع الأصوات شيئاً فشيئاً من همهمة إلى صخب. وإذ يرحل البعض، يتشبث الآخرون بكراسيهم يبحثون عن وجوه يعرفونها غيّبت عنهم في ذاك القفص، يُغذون بها مخيلتهم، يلوحون إليها بأيديهم، يتحركون ببطء وأعناقهم مشرئبة نحوها، بينما يظل لابسو البدل الزرقاء القانية ببناطيلهم المرتفعة عن كواحلهم، يتحركون داخل القفص أو يتخذون منه مستقراً.

بدت جدران القاعة شاهقة، وهي تخلو شيئاً فشيئاً ويستكين الصخب فيها، كذاك الجدار الاسمنتي، وبدا القفص فيها بسكانه كتلك الحديقة الوحيدة الكئيبة في المكان المقفر، بسياجها وقاطنيها من النباتات المتشابكة وبابها الموصد بقفل حديدي، وهي حبيسة بين الجدار الاسمنتي والطريق.

طرابلس: 27. 11. 2009

مقالات ذات علاقة

سقوط..

أحمد يوسف عقيلة

كذبة مارس

ليلى المغربي

متلازمة السعادة

صفاء يونس

اترك تعليق