من أعمال التشكيلي صلاح غيث.
قصة

جحافل من السراب

من أعمال التشكيلي صلاح غيث.
من أعمال التشكيلي صلاح غيث.
الصورة: عن الفيسبوك.

 

“بندول الساعة لا يتوقف عن الدق في بحر الليل الواسع موذنا بتقدم الزمن، ماحيا لحظة الحزن و عساها تكون خاتمة الأحزان.

نور خافت صادر عن قناديل مرتعشة،تكابر جبروت الظلمة، لوحة معلقة على الحائط الجبري، مرسوم عليها طريق متعرج تحفه أشجار عيد الميلاد، نهايته بيت ريفي صغير ،سماء صقيلة كوجه مرآة،شمس ناشرة خصلاتها الذهبية في الأفق، عصافير محلقة تشدو للحياة! ،الجو الربيعي يفيض من اللوحة جمالا، تناسق الألوان يغري متأمليها، أبدع فنانها المجهول في ترك بصمة سوداء بحجم رأس الدبوس في أعلاها، بالكاد ترى! ليس اعتباطا منه وضعها.

رجل يناهز السبعين يرقد في الغرفة وحيدا على سرير نحاسي، تلمع حلقاته الصفراء في النور الضعيف كعينا قط مقتنص، يصدر خشخشة تصرع سامعها كلما تقلب ،منذ خمسة عشر عاما و هو ينام لوحده، أم كلثوم تشنف سمعه كل ليلة بأنغامها الساحرة، المنطلقة من مذياعه العتيق، ينطلق معها في رحلة طويلة تنتهي مع بزوغ الفجر .

طفل يحبو على الأرضية المبلطة ببلاط خشن، عاري الركبتين، داميتين، لازال أثرهما باقيا عليها، كالوشم في ذقن عجوز، يتتبعها كل ضال،يحلو له رؤيته في أعقاب نهوضه من النوم و عودته من عمله، بكاؤه ظاهر في كل حجر يرن كناقوس كنيسة، يدعوه لإبتهالات الرحمة على روحه الغائبة في شتاء بعيد بعد النجم عن الأرض.

طفل يناجي بمناغاته قلب شيخه المكلوم، مدامعه تبلل لحيته الشيباء،يداه ترتعاش و هما ممدودتان تراقصان الفراغ.

أم كلثوم تصدح بشاعرية رقيقة ،دقات قلبه تزلزل صدره، يرفرف في سماوات لا مدى لها….فتاة تعبر باب الحجرة في تأن ،ثوبها الأبيض الطويل يعانق بشرتها البرونزية، شعرها الفاحم مسدل على كتفين عريضين، وقفت عند النافذة تتأمل القمر ،ابتساماتها تبهر عينيه الصغيرتين، ينحدر من سريره صوبها ،حركته البطيئة تبدت رشيقة سريعة كغزال هارب من براثن أسد،وجهيهما متلاصقان،أنفاسهما امتزجا معا، رفع يديه ليضعهما على يديها الناعمتين، القمر الفضي لفها بأشعته،ذابت كقطعة سكر، ظل ممسكا قضبان نافذته، محملقا في أمنياته المقطوعة الخيوط.

ريح خفيفة تداعب أشجار عيد الميلاد، تتغنج بين كفي الطريق التي زاد تعرجها، الشمس اكفهر وجهها ،غيبته كالنعام في تربة ميثاء ،اغتيلت العصافير بضباب سميك، تزاحمت الغيوم منذرة بغيث عميم ،بيته الريفي بدا كقارب يمخر العباب بلا هدف ،انقلب ربيعه شتاء، عمره في ثوان غاص خلف جحافل من السراب، صاحت به على حين غرة، قفز إليها ملبيا؛ليكون لا شيء ،مجرد نقطة سوداء، تموت الأغنيات و يستمر البندول في الدق !!”.

 

18/سبتمبر

مقالات ذات علاقة

قطار منتصف الليل

عزة المقهور

سقط سهواً

أبو إسحاق الغدامسي

مصرف العين الحولاء

رضوان أبوشويشة

اترك تعليق