مختارات

جامع اللا سليمة في القلعة

فرج غيث

جامع اللا سليمة – القلعة (الصورة: من اختيار الكاتب)

الجوامع الليبية القديمة تذكرنا بالجوامع الإسلامية في فترتها الأولى بما تحويه من أحكام توارثها الناس بتلقائية وعفوية بوصفها امتداد للثقافة المجتمع فنجدها تطرح نفسها بشكل واضح على أسلوب وطرق البناء التي شيدت عليه لتؤدي هدفا أساسيا هو الصلاة، ولعدة أغراض أخرى دون ارتباطات تشكيلية مفتعلة سواء بمسطحات أو خطوط والوان، ولم يكن الجامع يفتح في أوقات الصلاة ثم يغلق كما يحدث الآن بل كان المركز الثقافي الرئيسي والاجتماعي للمجتمع، يتردد عليه الصغار كما يتردد عليه الكبار ويجد فيه عابر السبيل الطعام والمأوى، ويعتبر المدرسة الوحيدة التي يتعلم فيها الأطفال القراءة والكتابة، وكانت حوائطه مسندا لظهور الفقهاء الذين لم يكن عملهم للارتزاق أكثر منه واجبآ، وكان يشترط عند اختيار الأمام شهادة السكان بفضله.

وعادة ضمن أطلال كل قرية قديمة يوجد جامع، والملاحظ أن هناك جوامع بأسماء نساء زاهدات متبتلات مثل تالا ومارن وزورغ ومنرو، وهو ما يعكس المكانة العالية للأم في الثقافة الليبية القديمة، من بين هذه الجوامع، جامع عتيق وصامد منذ مئات السنين، ويعرف لدى أهلنا في مدينة القلعة بجامع اللا سليمة، وهو جامع أثري على الطراز القديم، واحد من أقدم الشواهد في مجال العمارة الموحدية، ويعد الجامع لحمة تاملديان في القلعة، حيث يجمع أهل المنطقة في صلواتهم ولقاءتهم واجتماعاتهم، ولا يزال الجامع موجودا وهو بحالة جيدة وتقام فيه الصلوات إلى يومنا هذا، وكانت وظيفة الجامع متعددة ومتنوعة، فإلى جانب كونه مكان للعبادة والصلاة، فهو يمثل مكان للتدريس وطلب العلم، وكذلك هو المكان للتشاور في أمور الناس وغير ذلك.

ويعدّ أوّل معلم ديني للعبادة، إضافة لكونه تحفة معمارية وقيمة فنية نادرة، وما زاده رونقا وجمالا هي زواياه التي ترسمت وتجلت فيها المعالم الإسلامية، ويطلّ على أربع واجهات، ويضمّ فضاء للصلاة تزيّنه الأقواس المتعدّدة التي تتزيّن بالزخرفة الإسلامية البسيطة، والتي عرفت مؤخّرا عدّة ترميمات، وقاعة لتدريس وتحفيظ القرآن الكريم للتلاميذ والطلبة الذين كانوا يتوافدون عليه للتسلح بأمور العقيدة وأسس روح الشريعة، التي تزيد من جمال وروعة هذا المعلم الإسلامي.

وكلمة الَـلّا كلمة فريدة وعريقة جدا، ذات معاني سامية متعددة تدل على التكريم والمكانة العظيمة التي توليها المجتمعات المغاربية مند القدم للمرأة في المجتمع، وتحمل كلمة الَـلّا في لغة المجتمعات المغاربية معاني الشرف والتوقير والاحترام والتبجيل وعلامة التمييز بالنظر إلى أنه لقب فريد لا تحمله سوى النساء الهامات والمؤثرات أو من الأسر الكبيرة الصالحة في البلدان المغاربية عبر التاريخ.

هذا الجامع يحكي تاريخ أجيال مرت على عليه، ومعلما وصرحا حضاريا يحفظ لها ذاكرتها، ولازال هذا الجامع يؤدي رسالته الدينية على نفس الوجه الذي شهدته كلّ هذه الأجيال السالفة والحاضرة.

مقالات ذات علاقة

رجل بلاو طن ….الثقافة الغائبة

المشرف العام

سنة الزلزال

أحمد يوسف عقيلة

رسومات جبال تاسيلي.. متحف يجسد الإرث إنساني

المشرف العام

اترك تعليق