متابعات

ثورة 17 فبراير والأدب.. أيهما وقود الآخر؟

بوابة الوسط: محمود الغول

رغم سنوات عمره التي لم تتعد الخمس وعشرين عاماً، ألهم أبو القاسم الشابي الثوار في غير بلد عربي ببيت شعر يقول فيه «إذا الشعبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَيَاةَ… فلا بد أن يستجيب القدرُ»، وفي المقابل هناك المئات، وربما الآلاف، من الأجناس الأدبية المختلفة التي وُلدت من رحم الثورة، إذاً نحن إزاء عملية تبادلية، فأحياناً تكون الثورة وقود الكاتب كي يفرغ طاقاته الإبداعية، وأحياناً تكون الكتابة هي الشرارة الأولى التي تدفع الناس للثورة.

وفي الحالة الليبية لدينا بعض من الأعمال الأدبية التي يمكن القول إنها كانت بمثابة تحريض على الثورة ضد الظلم والفساد، كما أن هناك كثيراً من الأعمال (روايات ودواوين شعر وقصص…) كُتبت بعد السابع عشر من فبراير متأثرة بالثورة.

وتعد كتابات الشاعر محمد فرحات الشلطامي (1944 بنغازي- 2010 بنغازي) نموذجاً للكتابات الثورية، وهو أحد رواد الحداثة في ليبيا. قال عنه عبدالوهاب البياتي «إنه شاعر عظيم»، وقال الصادق النيهوم إن أفضل أربعة شعراء عرب في العصر الحديث هم نزار قباني وعبدالوهاب البياتي ومحمود درويش ومحمد الشلطامي.

الشاعر محمد الشلطامي
الشاعر محمد الشلطامي

ومن دواوينه الشعرية: «منشورات ضد السلطة 1964» و«يوميات تجربة شخصية 1967» و«الحزن العميق 1972» و«تذاكر الجحيم 1974» و«أفراح سرية 1984» و«تحقيق سريع مع السيد الجهل» و«قصائد عن شمس النهار» و«قصائد عن الموت والحب والحرية» و«الليل في المدائن الكبيرة و«منشورات ضد السلطة 1998» و«يوميات تجربة شخصية 1998».

ومنذ فبراير 2011 حتى اليوم، ظهر كم كبير وهائل من الكتابات المتنوعة على المستويات الصحفية أو التاريخية والأكاديمية بلغات مختلفة، وإن تميزت الأعمال التي ظهرت بلغات أجنبية وفي مقدمتها الإنجليزية بعمق في التحليل وغنى في المحتوى بما أماط اللثام عن طبيعة نظام القذافي وتاريخه.

وفي روايته «حروب ماريش وثوراتها الثلاث» يتناول الكاتب الليبي، عمر الكدي الفترة الزمنية التي امتدت من أيام الحكم العثماني وصولاً إلى ثورة 17 فبراير، وفيها ينتقل الكدي بين اﻷزمان المختلفة عن طريق شخصياته المترابطة.

وبطل الرواية يدعى نجيب، الذي يقول عنه الكدي: «نجيب خليط من عدة شخصيات فهو يشبهني ويشبه غيري، وحتى عندما نكتب عن أنفسنا تتمرد الشخصية الروائية على الشخصية الحقيقية، وتختار مسارات أخرى. وهذا ما حدث مع نجيب. رواية حروب ماريش ليست سيرة ذاتية، وإن تطرقت إلى بعض خبراتي ومشاهداتي، هي توثيق لفترة من التاريخ الليبي حسبما سمعته شفهياً من أشخاص كثيرين مروا في حياتي، وبالتأكيد فإن الروائي لا يستطيع الابتعاد عن خبراته لذلك عادة ما تشبهنا الشخصيات الروائية، ولكنها في نفس الوقت تختلف عنا، خاصة عندما تجتمع في الشخصية الواحدة عدة شخصيات».

رواية (حوليات الخراب) لـ: عمر الكدي.
رواية (حوليات الخراب) لـ: عمر الكدي.

فيما تتناول رواية «حوليات الخراب» لعمر الكدي أيضاً ثلاثة عشر طاغية توالوا على حكم ليبيا. وتستلهم الرواية أحداثها من تاريخ هؤلاء ولكن بلباس سردي معاصر، وهو ما يقول عنه الكدي: «بقدر ما تتناول الرواية أحداثاً بعيدة في الزمن فإنها تركز على اللحظة الراهنة، وعلى تداعيات ثورة فبراير. بدأت التفكير في كتابة هذه الرواية منذ 15 سنة عندما كنت في ليبيا، وكنت أحدث أصدقائي عن شخصيات الرواية، وخاصة الطغاة الثلاثة الخياليين، ولكن عندما جلست لكتابتها في مدة 23 يوماً تغيرت فيها أشياء كثيرة، فرضها سقوط القذافي وانتصار ثورة فبراير، والتداعيات التي أعقبت هذا الانتصار».
وبعد نحو عام من الثورة، صدر للكاتب إبراهيم الكوني رواية «فرسان الأحلام القتيلة»، ورغم تميزها بالحساسية المرهفة والجمالية في البناء والبراعة في التشكيل والعمق في الفكرة والرؤية، فإن جمهور المتتبعين للشأن الروائي تفاجؤوا بظهور رواية عن «الربيع العربي» الذي لم تكتمل ملابساته ولم تنكشف تمثلاته ونتائجه بعد (حين ظهرت الرواية).

واعتبر البعض أن صدور هذه الرواية، في هذا التوقيت المبكر، فعل متسرع لا يمكن أن يجسد الوضع الإنساني والواقع الاجتماعي لليبيين.

رواية (من الأخ القائد) لـ: فرج العشة.
رواية (من الأخ القائد) لـ: فرج العشة.

يضاف إلى ذلك رواية «زمن الأخ القائد» للكاتب فرج العشة، التي تناولت ليبيا الماضي والحاضر، وإذا كانت الرواية تتناول سيرة وطن عبر مجموعة من الشخصيات المحملة بالهم الثقافي، فإنها تنفتح بجرأة على سيرة أوطان عدة، وعلى حيوات بشر وجدوا أنفسهم هاربين من الوطن القامع إلى أماكن أكثر قمعاً.

يبرع الكاتب في تقديم العربي المحاصَر بالتيه النفسي والقمع السياسي، وينفتح السرد على زمنين، سيرة وطن الماضي وسيرة مواطن في الحاضر، وأيضاً على مكانين: ليبيا أو بالأحرى صحراء ليبيا، حيث يترعرع الراوي، ومعسكر اللجوء في مدينة لايبزغ الألمانية.

في العام 2013 صدر كتاب «جداريات ليبيا الثورة» للمصور الليبى أبوديب، وهو عمل توثيقي لثورة 17 فبراير. ويعتبر الكتاب، الذي تضمن نحو 60 صورة للجداريات والرسومات التي قام العديد من مؤيدي ثورة 17 فبراير الليبية برسمها على جدران ومعالم المدن، أول مرحلة توثيقة برؤية فنية خلال فترة الصراع بين الثوار الليبيين وكتائب النظام الليبي السابق.

وفي العام 2015 صدر كتاب بالإنجليزية بعنوان «الثورة الليبية وتداعياتها» يتناول فيه المؤلفان، بيتر كول وبريان مكواين، دور القبائل كرقم مهم في المعادلة الليبية، ويتجول قارئ الكتاب في دهاليز الواقع الليبي الراهن وحركات مثل «فجر ليبيا» وما يسمى «الجهاديين أو الأفغان العرب» الذين قاتلوا يوماً ما في أفغانستان ثم انتشروا في مناطق أخرى على امتداد خارطة العالم العربي والإسلامي من بينها صحراء ليبيا وجبالها.

وفي هذا الكتاب يمكن للقارئ أن يتعرف على طرف من النظرة الغربية لما حدث ويحدث في ليبيا، فيما يرصد محررا الكتاب تفاصيل العمارة مثل الأروقة ذات الأعمدة الإيطالية الضخمة في ميدان الجزائر بقلب طرابلس.

مقالات ذات علاقة

الهوية الليبية بين السذاجة والوهم

ناصر سالم المقرحي

“الملتقى الأول للأدب والنقد”: محاولات استئناف

المشرف العام

“الاعلام والسلم الأهلي”… ندوة في دار الفقيه حسن

المشرف العام

اترك تعليق