الروائي الليبي إبراهيم الكوني
دراسات

ثنائية ابراهيم الكوني الصحراوية

فخري صالح

(كاتب من الأردن)

الروائي الليبي إبراهيم الكوني
الروائي الليبي إبراهيم الكوني

يتميز عمل ابراهيم الكوني بقيامه على عدد من العناصر المحدودة، على عالم الصحراء بما فيه من ندرة وامتداد وقسوة وانفتاح على جوهرا لكون والوجود وتدور معظم رواياته على جوهر العلاقة التي تربط الانسان بالطبيعة  الصحراوية    وموجوداتها وعالمها المحكوم بالحتمية والقدر الذي لا يرد. في هذا العالم تبدو العناصر، والعلاقات التي تربط بينها، ثابتة لا ينتابها التغير، ويحكم على الشخصية المحورية في العمل بالموت كأضحية تجلب الخصب الى الطبيعة الصحراوية القاحلة، فيهطل المطر وتتصالح الصحراء الجبلية مع الصحراء الرملية كما تقول الأسطورة التي يوردها الكاتب في روايته “نزيف الحجر” ( ص 30- ا 3).

في هذا السياق يشكل عملا الكوني “نزيف الحجر” و”التبر” ثنائية روائية تصف العلاقة المدهشة التي تقوم بين انسان وحيوان في الصحراء : في الرواية الأول يصفد الكاتب هذه العلاقة ليحل الحيوان في الانسان ويحل الانسان في الحيوان أما في الرواية الثانية فإن الكاتب يبلغ بهذه العلاقة درجة الأخوة الصافية التي لا يفرقها الا الموت.

في “نزيف الحجر” يفتتح الكوني عمله الروائي بأية قرانية : “وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيا إلا أمم أمثالكم “. (سورة الأنعام، الآية 38)، ويتبع هذا الاقتباس القرآني باقتباس من العهد القديم يدور حول قتل قابيل أخاه هابيل ومن ثم يهييء الكاتب القاريء من خلال هذين الاقتباسين، لاستقبال الحكاية المحورية في الرواية، اذ ينبا الاقتباسان الى التماثل القائم بين عالمي الحيوان والأنسان، والى ما يجره قتل الانسان أخاه الانسان من جدب وفقر في عناصر الطبيعة، ويرد هذان الاقتباسان على المكان الصحراوي الذي تدور فيا الأحداث ويعتمل الصراع في جو أسطو ري يشهد فيه تمثال الكاهن والردان عل تراجيديا الموت الذي يخصب الصحراء ويجري الماء والعشب في عروقها.

تتمثل مادة الحكاية في سر العلاقة التي تقوم بين الشخصية المحورية في الرواية (أسوف ) والردان، وهو تيسر جبلي تقول لنا الكتب أنه انقرض في أوروبا منذ بدايات القرن السابع عشر ولكنه ظل موجودا في الصحراء الكبرى. ثمة غموض يحيط بهذا الحيوان الذي يقول عنه أسوف أنه “روح الجبل ” فهو يعتصم بالجبل اذا طورد، وف لحمه يكمن سر من أسرار الوجود، كما يقول شيوخ الصوفية. تقوم بين أسوف والردان علاقة سرية معقدة يحل فيه الردان في جسد أسوف ويرى فيه الأخير أبده الذي صرعه الردان لأنه لم يحافظ عل نذره بعدم صيد الردان. وعندما يجز قابيل رأس أسوف وهو مصلوب عل تمثال الكاهن والردان، يمتص جسد الردان دم الانسان وتهطر شآبيب المطر عل جسد الصحراء العطشان.

ثمة علاقات تواز تقوم بين الاقتباسات التي يضعها الكاتب في مفتتح الفصول وما يحدث في الرواية وقد أشرت قبل قليل الى تلخيص أحداث الرواية في أية قرانية وحكاية قابيل وهابيل المقتبسة من العهد القديم في بدايات الفصول التالية يعمل ابراهيم الكوني على التوطئة للأحداث والعلاقات التي يقيمها بين الشخوص باقتباسات تعلق عل طبيعة الصحراء وموجوداتها حول صيد الردان (اقتباس من هنري تاميلي )، وشعب الجر امنت الذي يتجنب البشر ويعيش مع الوحوش التي تعمر جنوب ليبيا (اقتباس من هيرودوت )، والصبر مادة من مواد القوة التي هي بدورها مادة من مواد الولاية (اقتباس من النفري)، والوءان الذي يتسكع في الأدغال وقد أنهكته الأحزان (“أدويب ملكا” لسوفوكليس )، وليبيا التي تسحرت وجفت فيها الينابيع والبحيرات (كتاب “التحولات ” لأوفيد).

تفيء هذه الاقتباسات التي يشرح معظمها طبيعة الحياة الصحراوية والصفات التي ينبغي لأهل الصحراء أن يتمتعوا بها، حكاية أسوف وقابيل والردان، أي حكاية الصراع الأزلي بين البشر أنفسهم، وصراعهم كذلك مع الطبيعة القاسية. انها حكاية الوجود في عناصر» الأولى. صراع الانسان ضد الندرة التي تمثلها الصحراء حيث يعمل الكوني على تحوير علاقات الصراع هذه وتوجيهها في سياق علاقتين محوريتين : علاقة أسوف الحلولية مع الردان حيث يصبح أخا بالدم بعد موت الأب، ويتم تصعيد هذه العلاقة الى علاقة ذات طابع أسطو ري تتوازى مع أساطير الخصب في وادي النيل وفي منطقة الرافدين حيث يخصب دم أسوف جسد الصحراء العطشانة، أما العلاقة الثانية فتتمثل في حكاية أسوف مع قابيل، آكل اللحم الني، والذي شرب دم الغزالة ليعيش بعد موت أبويه فتاق ال دم أخيه الانسان،وترجع هذه الحكاية صدى حكاية قابيل وهابيل الأبدية، أي حكاية الصراع الدائم بين بني الانسان.

ويمكن أن نستخلص من العلاقات المحورية الناشئة في «نزيف الحجر» أن الأسطورة تفسر الحكاية وتتناسج معها بل أنها تصبح جزءا من لحم الحكاية عبر التسمية (قابيل، الردان الذي هو آدم، أبو البشر وأب قابيل في الاقتباس القرآني وفي الحكاية كذلك ). ولعل عنصر الادهاش في هذا العمل الروائي كامن في هذه اللعبة الاسطورية –  القصصية التي يقيمها ابراهيم الكوني، حيث يشكل الاقتباس في رواياته مفتاحا تحليليا أساسيا إذ يصعب فهم جوهر عمل الكوني الروائي دون النظر الى علاقة التناسج التي تقوم بين الحكايات التي يرويها والنصوص التي يقتبسها ويفتتح بها فصول رواياته.

يضفي تمثال الكاهن والردان، المنحوت في لحم صخرة عظيمة تقوم وسط الصحراء الكبرى، غموضا ساحرا على بداية الحكاية، ثم تبدأ خيوط هذه الحكاية، الأسطورية تنحل عل خلفية نموا لعلاقة بين أسوف والردان. ونحن نعلم من خلال سرد الراوي الملتصق بشخصية أسوف، حيث إنه يرى عالم الصحراء من خلال عينيه ويحمل رؤية لصيقة برؤيته، أن روح الردان حلت في جسد أسوف، وأن الردان الذي أنقذ والد أسوف أول مرة، ثم صرعه بعد مطاردة أسطورية عنيفة، قد أخذ مكان الأب وأصبح أسوف يرى أبده في عيني هذا الحيوان الذي يمثل روح الجندل في نظر ساكني الصحراء الكبرى. من خلال هذه العلاقة التي تقوم بين أسوف وحيوان الردان، اذ أنه يمتنع عن صيد الردان فيفي بالنذر الذي نذره والده ولم يستطع أن يفي هو نفسه به، ينفتح المجهول على نهاية الحكاية، حيث يحضر قابيل مصحوبا بالضابط الأوروبي الذي يهديه البنادق والسيارة والطائرة العمودية مما يمكنه من تمشيط الصحراء بحثا عن بقايا قطعان الغزلان التي أبادها وجعلها تهجر الوديان وتلجأ الى قمم الجبال، وهو أمر يخالف طبيعتها الملتصقة بالسهل الممتد في الصحراء.

ظهور قابيل في الصحراء ينبيه بالقتل، خصوصا ان الاقتباس المثبت في الصفحة الأولى من الرواية كان قد هيأ القاريء لحدث القتل. ان قابيل يعرف أسطورة تحول أسوف الى ودان وهربه من جنود الطليان، ولكنه يضغط عليه لكي يرشده الى مكان الودان في الصحراء فنهما للحم يكاد يقني عليه بعد أن انقرضت الغزلان من الصحراء. وعندما ينكر أسوف معرفته بمكان الردان يقوم قابيل بصلبه على تمثال الكاهن والردان بحيث يفعلي أسوف جسد الردان الأسطوري وتلامس يد الكاهن رأس أسوف الحاسر.

اننا هنا بإزاء تقاطع حكايات وأساطير مستدعاة من ثقافات مختلفة، مشهد الصلب وسط الصحراء على مذبح وثني، وقابيل الذي يستدعي من أسطورة بدايات الخلق وتعمير الأرض ليقوم بفعل القتل. كل هذه الأساطير تتضافر لتجسد في النهاية مشهدا من مشاهد أساطير الخصب وحلول القتيل في جسد الأرض العطشى، مما يرجع كما أشرت من قبل أسطورة الخصب بنسخها الفرعونية والفينيقية والرافدينية.

في هذا المشهد، الذي تنتهي به الرواية يكثف الكاتب رسالة العمل مازجا بين حكاية قتل قابيل أخاه هابيل ومقتل اله الخصب، أوزوريس أو تموز أو أدونيس.

“لوح قابيل بالسلاح في الهواء مهددا فتراجع مسعود. تسلق الصخرة من الناحية الأفقية. ضحك في وجه الشمس بوحشية ثم انحنى فوق رأس الراعي المعلق، أمسك به من لحيته وجر على رقبته السكين بحركة خبيرة.. خبرة من ذبح كل قطعان الغزلان في الحمادة الحمراء، لم يصرخ أسوف، ولم يعترض، ولكن مسعودا هو الذي صرخ، فتردد صدى الصرخة في القمم المجاورة.

استجابت الجنيات بالنواح في الكهوف وتصدع الجبل. أسود وجه الشمس وغابت ضفتا الوادي في المتاهات الأبدية.

ألقى القاتل بالرأس فوق لوح من الحجر في واجهة الصخرة، فتحركت شفتا أسوف، وتمتم الرأس المقطوع المفصول عن الرقبة :

– لا يشبع ابن آدم إلا التراب !

تقاطرت خيوط الدم على اللوح الحجري. فوق اللوح المدفون الى نصفه في التراب كتب _”التيفيناغ ” (أبجدية الطوارق ) الغامضة التي تشبه تعاويذ السحرة في “كانو” عبارة.

“أنا الكاهن الأكبر متخندوش  أنبىء الأجيال أن الخلاص سيجيء عندما ينزف الردان المقدس ويسيل الدم من الحجر. تولد المعجزة التي ستغسل اللعنة، تتطهر الأرض ويغمر الصحراء الطوفان “.

استمر نزيف الحجر على اللوح المحفوظ في حضن الرمل.

لم يلحظ القاتل كيف أموات السماء وحجبت السحب شمس الصحراء.

قفز مسعود في السيارة أدار المفتاح في اللحظة التي بدأت فيها قطرات كبيرة من المطر تصفع زجاج اللاندروفر وتغسل الدم المصلوب على الجدار الصخري”. ص 155.

بهذه الخاتمة التموزية ينهي ابراهيم الكوني واحدا من الأهال الروائية العربية التي تمثل واقعية سحرية طالقة من ثنايا الصحراء، حيث تمتزج الاقتباسات القرانية وعبارات الصوفيين بأساطير الصحراء الكبرى والتراجيديا اليونانية في نص روائي يعد تأمل الطبيعة المفتوحة الحبلى بالمفاجآت والتفلسف حول المصير الانساني جوهر رسالته.

أما في “التبر” فيستكمل الكوني بحثه في جوهر العلاقة التي تقوم بين انسان وحيوان بحيث تصل هذه العلاقة الأخوية الى نقطة لا تفصم فيها، انها حكاية العلاقة الصافية التي لا يكدرها طمع في الحياة الفانية، حكاية عشق خالصة تشهد بها طبيعة الصحراء المفتوحة العامرة بالأسرار. ونحن نعثر على جذور العلاقة التي تربط أوخيد بجمله الأ بلق في لرواية السابقة (نزيف الحجر ص 59) وعلى الرغم من أن الراوي يمر مرا سريعا على شرح العلاقة التي تربط الأب بجمله الأ بلق، مما يوضح أن الحكاية في “التبر” هي حكاية الأب فيما الحكاية في “نزيف الحجر” هي حكاية الابن، الا أن ايراد الحكاية يربط العملين الروائيين برباط يتجاوز كون موضوع العملين هو العلاقة التي تقوم بين انسان وحيوان.

ان واحدة من الروايتين تطلع من الأخرى وما لم تقله “نزيف الحجر” عن الطبيعة الغادرة الطماعة انسان تقوله “لتبر”. وفي هذا السياق من تعالق النصوص الروائية، وتكامل العالم الروائي لدى كاتب بعينا، يمكن القول أن ابراهيم الكوني يشكل عالمه الروائي المفردات والعناصر نفسها، اذ يقوم بتوسيع منظوره للأشياء والعالم وجوهر الوجود من خلال تفحص هذه العناصر واعادة النظر فيها عملا روائيا وراء عمل وكأنه يقلب عالم الصحراء على مهل كاشفا عن امتدادها اللانهائي وأسرارها لتي لا تنتهي وقدرتها على عكس جوهر تجربة لبشر في مواجهة ندرة العناصر قسوة الحياة لعل “التبر” أن تكون واحدة من الروايات القليلة لمكتوبة بالعربية التي تفيء من خلال العلاقة الجميلة المدهشة التي تقوم بين انسان وجمل، جوهر طبيعة الانسان وقدرته على تجاوز البرزخ الفاصل بين طبيعتي الخير والشر ليتسامى في العشق الذي لا منفعة ترجى من وراثه، ليخر في النهاية صريعا على مذبح هذا العشق.

في “التبر” يختلط دم الانسان بدم الحيوان.يرتبط الاثنان بوثاق أقوى من وثاق النسب، فيتخل أوخيد عن زوجته وابنه، في زمن حرب الطليان والجوع والجدب في الصحراء، ليحتفظ بجمله الأ بلق الذي يبادله مشاعر العشق والهيام فيما يمكن أن نسميه ملحمة “أوخيد وجمله الأ بلق “. لكن حكايات العار التي تعمر بها الصحراء تدفع البدوي وجمله الصحراوي النادر الى ذروة الامتحان التراجيدي فيقتل أوخيد الرجل الذي استغل علاقته الحميمة بالجمل ليسلبه زوجته وابنه لتنتهي رواية «التبر» الى مشهد الأضحية الذي انتهت اليه سابقتها.

“قيدوا يديه ورجليه بالحبال. جاءوا بجملين شدوا اليد اليمنى والرجل اليمنى الى جمل، وشدوا الأخرى والرجل اليسرى الى الجمل الآخر. صاح البدين

– السوط ! السوط !

احرقوا أجسام الجمال بألسنة السياط. قفز أحدهم نحو اليمين وقفز الآخر في الاتجاه المضاد. وجد نفسه في البرزخ. سقط من حافة البئر. في المسافة بين الفوهة والماء رأى الفردوس. زغردت الحوريات، وناحت الجنيات في جبل الحساونة و…

سمع صوتا:

– شيوخنا لن يصدقونا اذا لم نأتهم بدليل !

زحف الجسد الممزق الدامي، زحفت الأشلاء. اجتث الجمل الأيمن، الجمل الأقوى، فخذ أوخيد اليمنى، وذراعه اليمنى. انتزعنا من المنبت، وبرغم البدن الممزق رفع أوخيد رأسه مستعينا بصدره ويده اليسرى.

أقبل البدين وفي يده لمع سيف، طلب مساعدة أحدهم، والتفت صوب الجبل، وشرع يتقيأ بصوت عال. جاء آخر، وأمسك بالرأس الحاسر. طار السيف في الفضاء، واغتسل بماء السماء.. بأشعة الشمس القاسية، ونزل على الرقبة..

انشطرت الظلمة بالقس المفاجيء. ضربت بيت الظمأت زلزال. انهار الجدار الفظيع بضربة سيف النور، فتبدى الكائن الخني. ولكن.. بعد فوات الأوان لأنه لن يستطيع أبدا أن يحدث بما رأى” (ص 159).

تقوم هذه الرواية صكها مثل الرواية السابقة عل تثبيت الاقتباسات في مفتتو الفصول لاضاءة عالمها الداخلي، وفي الاقتباس من ابن فضل آلله العمري في كتابه “مملكة مالي وما معها، يهييء الكاتب قارئه للحكاية، حكاية “التبر والانسان والجمل الأ بلق ” التي تتحول من خلال اضاءة الاقتباس لها الى المثولة، ان الكوني ينسبى من العلاقة بين أوخيد وجمله الأ بلق حكاية العشق الخالص والتحلل من كل وهق الدنيا واطماعها. من هنا يبدو عنوان الرواية خادعا مضللا من هذه الرواية. انه يصرف نظر القاريء عن جوهر الحكاية، وان كان يهيئه للمشهد الأخير في العمل حيث تقود حفنة التبر التي كتاها أوخيد من سالب زوجته وابنه الرجلين الى حتفيهما وتنتهي الرواية تراجيدية يمثل فيها الانسان بجسد الانسان ويتحد الجسد الممثل به بالأبدية الخاصة.

لكن اذا كان الاقتباس السابق مضللا للقاريء عن جوهر الرسالة التي يحملها العمل، فان الاقتباس من سوفوكليسى (الآلهة لا تغفر الحسر بالوعد) يهييء القاريء لتقبل هذه التراجيديا الصحراوية التي تشبه في احداثها واحدة من تراجيديا سوفوكليسر نفسه حيث يكون الانسان منذورا لمصيره المأساوي، وكل ما يفعله الكاتب هو أنه يؤخر انكشاف هذا المصير الى الصفحات الأخيرة من العمل. ويلعب الحنث بالنذر في سيدة. هذه الرواية، كما لعب في الرواية السابقة، دور المشدد عل المصير التراجيدي للبطل. لقد نذر أوفيد للآلهة تأنيت أن يذبي جملا سمينا اذا شفي جمله الأ بلق من الجرب. ولما شفي الجمل لم يفعل، مما يمهد لموته ايفاء بالنذر وذلك عل هيئة أضحية يمثل بها بعد أن تربط بين جملين يركض كل منهما في اتجاه يعاكس صاحبه.

اضافة الى الاقتباس الذي ينبه القاريء الى طبيعة الحدث الروائي ويهيئه لاستقبال هذا الحدث يستعين الكوني بوصف رسوم فنان ما قبل التاريخ على حجارة الصحراء لكي يوثر الحدث وينبه القاريء الى النهاية المأساوية الصارخة للبطل. أن وصف الرسم هو بمثابة انذار بما سيحدث في نهاية الامر.

يصور الرسم مشهد مجموعة من الرعاة يطاردون ودانا، وهم يمسكون بالرماح ويلوحون بالقوس. ولا توحي المسافة التي تفصل الصيادين عن الردان بأنه سينجو برغم وجود الجبل في نهاية الطريق، والذي يعد الأمل الوحيد للودان لكي يصل بر النجاة. ويصور الرسم الردان وهو يضاعف من عدوه لكي يصل الجبل فيما يضاعف الصيادون ركضهم خلفه ويدققون في تصويب النبال والرماح نحوه. (ص 149).

ان أوفيد يتيقن أن الردان لن ينجو، برغم انفتاح المشهد عل الجبل وعدم اصابة الصيادين له. انه يعكسى يقينه بعدم نجاة الردان عل مصيره الشخصي، ويدهش عندما يظهر الردان فجأة أمام مخبئه ويؤخر موته. انه ينقذه فيموت بدلا منه. لكن مصير أوخيد كان قد تقرر منذ البداية، ولا شيء يمكن أن يلغي هذا المصير لأن ابراهيم الكوني يؤس عمله الروائي ضمن شروط التراجيديا اليونانية حيث لا يؤدي تبدل سير الأحداث الى تغير في المصير المأساوي الذي تنتهي اليه الشخصية.

لعل الحكمة التي يتوخاها الكاتب، من تمسكه بشروط التراجيديا اليونانية، هي الاجابة عن سؤال الطبيعة الانسانية، عن العلاقة بين الخير والشر، ان الجوع والجدب واستمرار الحرب هي مجرد شروط توضع لكشف عن الجبلة الانسانية، وليس أوخيد في علاقته بجمله الأ بلق سوى كاشف عن هذه الجبلة. لقد قصد الكاتب، من تقديم شخصية أوخيد، أن يوضح مدى التناقض بين المثال والحقيقة الصارخة لكي يبرهن عل نظريته في خراب الطبيعة الانسانية. ونحن نعثر في معظم عمله الروائي عل تعليقات حول الطبيعة الشريرة للبشر ووجوب الانقطاع عن عالمهم والاعتصام بالخلاء بعيدا عن مكائد البشر وأهماعهم وحبهم للمال. ولعل تفضيل أوفيد جمله الأ بلق على زوجته وابنا يكسر خروجه المدوي من عالم البشر وقطيعته التامة معهم. لكن الحكم طيا بالموت جاء نتيجة عدم ايفائه بنذره، لا بسبب تخليه عن زوجته وابنه وذهابه الى جوف الصحراء لينقطع عن الناس ويعيش وحيدا برفقة جمله.

تمثل ثنائية ابراهيم الكوني الروائية التي تدور حول علاقة انسان بحيوان تجلية رمزية ط لم الصحراء، للفضاء المفتوح على الأفق والمجهول. وكما لاحظنا من خلال كلامنا السابق عل الروايتين فإن علاقة الشخصيتين البشريتين مع الحيوان، ني صفائها الخالص المدهش وجذورها الضاربة في الطبيعة الخيرة للموجودات، هي بمثابة تعبير بالرمز عن جوهر التجربة الانسانية، حيث يعمل المسرح الصحراوي الفقير، بندرته وعناصره القليلة ومحدودية ما يخاض الصراع من أجله، عل الكشف بصورة مدوية عن جوهر الطبائع البشرية، وعن تعالق الأساطير والخرافات والموجودات الوثنية الصحراوية التي تدخل في نسيج حياة أهل الصحراء. وكما يقول الراوي في «التبر» فإن : “الصحراء وحدها تغسل الروح. تتطهر. تخلو. تتفرغ، تتفضى. فيسهل أن تنطلق لتتحد بالخلاء الأبدي. بالأفق. بالفضاء المؤدي الى مكان خارج الأفق وخارج الفضاء بالدنيا الأخرى. بالآخرة. نعم بالآخرة. هنا فقط، في السهول الممتدة. في المتاهة العارية. حيث كتقي الأطراف الثلاثة : العراء، الأفق، الفضاء لتنسج الفلك الذي يسبح ليتصل بالأبدية، بالآخرة “. (ص 127

____________________________________________

ا – ابراهيم الكوني، نزيف الحجر، رياض الريس للكتب والنشر، لندن تشرين اول / اكتوبر 1990.

2- ابراهيم الكوني، التبر، رياض الريس للكب والنشر، لندن، ايلول /سبتمبر 1990.

 

مقالات ذات علاقة

زمن‮ ‬الرواية الليبية‮ ‬

رامز النويصري

ليبيا واسعة – 16 (عصيدة)

عبدالرحمن جماعة

ليبيا واسعة – 33 (حرش)

المشرف العام

اترك تعليق