المقالة

ثمانون حولاً على معركة عافية

تستوقفني دوماً ذكرى معركة قارة عافية، تلك التي حلّت ذكراها يوم 31-10-2018 وأجد نفسي مُستَفَزّاً للحديث عنها و المساهمة في أي حراك يتعلّق بها، ليس فقط لأني حملت اسم أحد شهدائها، أو لِما ترتّب عليها من اعدامات طالت الأعمام والأخوال والأقارب، فمثل هذه الدوافع على قوة تأثيرها، لا تعني شيئاً يُذكر، حين يُنظر إليها من منظور أوسع وفهم أدق وأعمق، وبالتحديد حين يُعطى للظروف الموضوعية ما تمليه من الإكراهات، بما في ذلك ما يتعلق بالتخوين المجَّاني الذي شاع كثيراً في تاريخ الجهاد، جرّاء ما رافقه من تجاوزات طالت عديد الناس عندما ظنَّ الذين تسنَّى لهم تقدُّم المشهد تأسيساً على وجودهم كموظفين بالإدارة التركية وتباينت من ثم مواقفهم مع الغزو الإيطالي وفقاً لما تَحققَ لتلك العلاقة من حجم التفاهم مع السلطة أولاً و بقية المواطنين ثانياً، فاكتسبوا عن جدارة أو بدونها صفة القادة، وصار الخروج عليهم خيانة، أخذاً في الإعتبار أن السلطة الإيطالية، ولا سيما في المدن، نظرت إلى هؤلاء نظرة لم تخلُ من التقدير بدليل اعتمادها لبعض الجرايات شبه الثابتة، كما أن المعنيين فيما يُرجَّح لم يكابروا في التواصل، إما لأن الإتفاق بين تركيا وإيطاليا كان ضمن ما برر ذلك، إو لإستحالة الهجرة بالنسبة للجميع أو احتدام الصراع الأهلي الذي بدأ مبكراً أو حتّمَ مبدأ الإستقواء بالغير…

وبالجملة فإن كل مراجعة واعية لأحداث تلك الأيام لا يمكنها التقليل من تأثير الدافع الذاتي الناتج عن استشعار عدم اهتمام الآخر أو استخفافه، مما جعل امتشاق السلاح والمضي نحو المقاومة على الرغم من إكراهات التيئيس…

وقد وَلّدَت هذه الوضعية لما كان يُعرَف بالمنطقة الوسطى والجنوبية أن بقى المجاهدون وحدهم سادة الموقف، والمضطرين إلى إدارة شئونهم، إلى أن صممت إيطاليا على أن تضع حدّاً لما خلّفته هذه الحالة من نزوع للإستقلال وأقدمت على خطتها المتمثلة في ما أُطلِقَ عليه معارك الإسترداد تحت قيادة الجنرال مياني وبقية جنرالات الفاشيست، فكانت هذه المعركة التي أصرَّ المشاركون في القيادة على خوضها فيما كان الرأي المقابل انها غير مُجدية، فكان الهجوم وكان تسلّق الجبل من الخلف إلى أن تدخّلَ الطيران، فخُلِّدَت في الذاكرة بواسطة الشعر الشعبي، وبما ترتّب عليها من نتائج أخطرها المحكمة التي انعقدت فور انتهاء المعركة ليُعدَم كل مُشتبه به ويكون التهجير، ويُفتح لاحقاً سجل الحسابات المُستحقة وغير المُستحقة، ابتداءً من الإدارة البريطانية التي أفصح كبار ضباطها من الذين كانوا يقضون الخدمة العسكرية من كبار المؤهلين عن صلتهم الوثيقة بالسنوسية ذات السلطة التي لا تُضاهى في تلك الربوع…

ويبدأ الرجوع للتاريخ ومعارك الجهاد، وعلى رأسها معركة قارة عافية، فيبدأ الإهتمام بذكرها مع قيام دولة الإستقلال ويبلغ الإهتمام ذروته عشية الإحتفال بالذكرى العاشرة للإستقلال، والذي تزامن مع افتتاح طريق فزان وإعلان التعديلات الدستورية بموجب مرسوم ملكي بقانون أُحِيلت بموجبه الإختصاصات المشتركة إلى الحكومة الإتحادية، حتى إذا ما قُدِّرَ لذلك العهد أن يتهاوى بعد أربعين سنة ونيِّف من تاريخ تلك المعركة، فيُصار إلى إحيائها لغايات لم تكن مُبَرّأة من الغايات غير البريئة، بدايةً من الإيعاز للبعض بهدم النصب التذكاري الذي أُزِيحَ عنه الستار في العيد العاشر المُشار إليه، سعياً إلى استغلال التاريخ في تفريق الشمل كفلسفة منحرفة اعتمدتها السلطة لترسيخ نفوذها، وهو ما تنبّه إليه عديد العقلاء عندما نأوا بأنفسهم عن ذلك التوجه الهدَّام…

وعندما تحل اليوم الذكرى التسعون لهذه المعركة، فما من شيء يمكن الإسهام به لإحيائها كمحطة من محطات التاريخ، أكثر من ضرورة استخلاص الدروس منها على قاعدة الإحاطة بكافة الظروف وجملة الإكراهات، وفي حذر شديد من المساس باللُحْمة الإجتماعية، حتى لا يكون الحديث عن الأمس هادماً لما ينبغي أن يُشَيَّد بقوةٍ اليوم، فالتاريخ لا يكون مفيداً إلا بتوظيفه لمصلحة الوطن في عمومه، والإقليم في خصوصيته، بعيداً عن الإقصاء المُدمر، والتهميش الذي لا يضر سوى العاملين عليه، والمجد دائماً للوطن ومن حفروا أسماءهم بالأمس في سجلّه الخالد، ويبذل أحفادهم اليوم الجهد تلو الجهد من أجل وحدته الغالية، التي كانت هذه المعركة واحدة من أغناها دروساً وأقواها تألقاً، وأكثرها مقاومة لرياح النسيان.

مقالات ذات علاقة

دِلاَلاَتُ التَّلَقِّي: بَيْنَ الْكَاتِبِ وَالْجُمْهُورِ

خالد السحاتي

خمسون.. أو القديسون والحصاد

سالم الكبتي

خدعة الحمامة

المشرف العام

اترك تعليق