المقالة

ثلاث مقالات قصيرة

ما بعد السقوط

الكاتب الأمريكي الكبير الذي يعرف العالم اسم زوجته (مارلين مونورو) أكثر مما يعرفه هو, أعني (أرثر ميللر), كتب مسرحية الوثيقة (ما بعد السقوط) التي كانت (مارلين) إحدى شخصياتها المهمة, تلك المرأة التي ألهمته الكثير وسلبته الأكثر, يسرد فيها, أعني في (المسرحية) حكاية المجند الأمريكي العائد من الحرب ضد النازية بعد انتصار الحلفاء إلى وطنه (أمريكا) وبصحبته صديقته الألمانية التي حاربت معه ومع (أمريكا) ضد النازية. كان يحبها ويريد الزواج منها في وطن (الديمقراطية) التي حاربا معاً ضد النازية من أجلها. كانت الألمانية شعلة من القيم الأخاذة والأحلام بالحرية والعدل, وكان المجند كأمريكي بسيط يحب كل تلك القيم ويرى أن بلاده أفضل الأمكنة لرعاية هكذا قيم. ولكنه يصدم ويصاب بالخيبة عند (بوابة الدخول) في مطار أمريكي, عندما يرفض طلب صديقته (الدخول إلى أمريكا) ببساطة لأنها ورغم نضالها ضد النازية, كانت من الحالمين بالعدل والمساواة ومعاداة الرأسمالية, لقد كانت (يسارية) وبالتالي من المعادين ورغم التحالف (التكتيكي) لأمريكا.

المجند لا يصدق أن وطن (الديمقراطية) يرفض حليفة حاربت معه وتؤمن بالعدل والمساواة ويواصل نضاله من أجل تأشيرة دخول لحليفته وصديقته الألمانية المعادية للنازية.

أخيراً تعطى التأشيرة وتقبل الألمانية في (أمريكا) ليس لأنها حاربت مع الحلفاء وليس لأنها تؤمن بالعدل والمساواة ولكن لأن ملفها يشير إلى روابط دم وقرابة تربطها بأحد الضباط النازيين الكبار ولأن (العِرق) وكما يؤمن الأمريكان أيضاً (دساس).. الآن وبعد أكثر من خمسين سنة من شهادة (أرثر ميللر) هذه لازال هناك من يحارب مع (أمريكا) ويحلم بدخول عالمها دونما رابطة دم ولا قرابة بضابط نازي كبير.

 صحيفة الجماهيرية.. العدد:3965.. التاريخ:09/04/2003

الرأس المستديرة

“إمغار” ملمح من ملامح الأكاكوس من ذهب هناك ولم يره.. لم يرَ الأكاكوس.. أن كونه مبني من القش وسط تدرات اكاكوس جزء من تكوينات هذه المدينة الساحرة المسحورة.. زوجتاه الرافلتان دوماً في ملابسهن الزاهية الفاخرة وعباءته الزرقاء الصافية كسماء الاكاكوس والأهم عمَّته البيضاء الهائلة.. كلها تجعلك وأنت تراه خارجاً من كوخه تشعر بأنه يخرج من لوحات ما قبل التاريخ ليلقي عليك السلام وليمنحك فرصة مقابلة رجل من ذوي الرؤوس المستديرة.. والرؤوس المستديرة مرحلة من مراحل رسومات ما قبل التاريخ بالاكاكوس تأتي بعد المرحلة الرعوية ويزيد عمرها الآن على ثمانية آلاف عام.. ويحتل لوحاتها بشراً أشبه بآلهة الأساطير.. لهم رؤوس مستديرة كبيرة تشبه خوذات الطيارين.. رأى البعض أنهم كائنات غريبة جاءت من الفضاء في ذلك الوقت.. بنت الأهرامات.. وعلّمت الإنسان التحنيط.. ولكنك وما أن ترى “امغار” يخرج مكللاً بعمَّته البيضاء الفاخرة من كوخه بتدرات أكاكوس حاملاً كتابه الضخم بين يديه حتى تدرك بأن أصحاب الرؤوس المستديرة، ومنذ ثمانية آلاف عام لم يكونوا إلا حشداً من “امغار” بعمامتهم الفاخرة البيضاء.

” امغار ” وبعد المصافحة مباشرة يقدم لك الكتاب.. حيث تتزاحم أسماء وكلمات الزوار منذ أربعين عاماً.. كلمات وتواقيع لعلماء وباحثين.. مقاطع من الشعر لشعراء.. غزل من مصابات بجنون الصحراء.. وكل ذلك بلغات مختلفة.. “إمغار” بملابسه الأنيقة حارس “الاكاكوس” الغريب بعمته الفاخرة يؤكد أن تلك المرحلة “مرحلة الرؤوس المستديرة” لم تنته بعد رغم كل التغيرات.

صحيفة الجماهيرية.. العدد:3865.. 11/12/2002

أسابيع ثقافية

ثقافتنا.. ككل شقيقاتها العربيات عانت ولازالت تعاني وهمَ الانتشار عبر المناشط المؤقتة تلك التي تدوم يوماً أو يومين وأسبوعاً إن كانت أسعار النفط منتعشة وذلك عبر إقامة المهرجانات والأسابيع الثقافية في الخارج.. وهي غالباً تقدم الفنون الشعبية، وأيضاً الفنون الشعبية، وأيضاً الفنون الشعبية.. مع معرض للقرب والجرار وقصاع البازين و الكسكسي ورشدة الكسكاس.

فالأسابيع أو الأيام الثقافية في الخارج بالنسبة لنا طبخة جاهزة يخرجها مسئولو الإعلام أو الثقافة من ثلاجات مكاتبهم ويسخنونها بمذكرات طويلة عن أهمية هذه الأسابيع في تقديم ثقافتنا للعالم، وتمضى تلك الأسابيع لنعود بقربنا وجرارنا وقصاعنا ربما نفقد جرة أو قصعة في الشحن، لنستورد بدائل عنها من (تونس) وليبدأ السعي من جديد لإقامة أسبوع آخر وفاتورة استيراد وتعويض عن خسائر الجرار والقصاع.

الأسابيع الثقافية يفترض أن تقدم صورة عن مشهدنا الثقافي كاملاً.. فكراً وأدباً وفناً وتاريخاً، أن تقدم مشاغلنا الثقافية والقضايا التي تهتم بها ثقافتنا ومثقفونا في الحاضر وأن تقدم صورة عن تطور ثقافتنا وعلاقتها بالبلد المستهدف بالأسبوع ماضياً وحاضراً إن تقديم جزء صغير من ثقافتنا (الفنون الشعبية) رغم أهميته إلا أنه عندما يقدم بمفرده لا يقدم ثقافتنا إلا ثقافة ساكنة تعود إلى الماضي تقدمنا كجيب (انثربولوجي) يصلح لدراسة الثقافات القديمة فقط لا غير, رغم حيوية ثقافتنا وتفاعلها مع العصر ومشاهده الثقافية المتنوعة .

صحيفة الجماهيرية.. العدد:3818.. 16/10/2002

مقالات ذات علاقة

سمو الإنسان

علي بوخريص

( الصادق النيهوم ) كان كاتبا و لم يكون أديبا؟؟

سعد الأريل

مفهوم القرصنة الإلكترونية

المشرف العام

اترك تعليق