المقالة

ثلاثية التكرار الليبية: نداء الحياة في زمن الكوليرا*

هاهي ثلاثية التكرار الليبية تنهي ربما ثلثها الثالث . كانت أمامي سيارة واحدة وأصل إلى ماكنة تعبئة البنزين ، في محطة بالهضبة الشرقية في طرابلس (العاصمة المؤقتة للفوضى )،حيث تمكّن الشباب العاطل المعطّل في إنتفاضتهم وللمرّة الثالثة من فكّ الآنابيب وتقطيعها وإقفال المحطة كليّا. حدث ذلك بالقرب من سكني المؤقت في حياتي المؤقتة وطن ومنفى ،حيث تقاطر صبية الحيّ يتأبطون (بانقات الماء ) البلاستيكة الفارغة أمام الماكنة المقابلة … سباب من هنا وشتائم من هناك إشتباك وتعارك بالأيدي إشهار للسيوف والسواطير .. رصاص يرشق بعفوية من مسدّس أخرج على عجل . قال لي العامل : إحذر أن تصيبك رصاصة . قلت له :قد مللت الحياة …دعهم يفعلون ذلك … أرجوك أملأ تنك السيارة .

المرّة الأولى في الثلاثية الليبية للتكرار التي تتّفق في مرّاتها جوهرا وتتمايز عن بعضها شكلا وملمحا ظرفا ومسرحا لاعبين وأدوارا . حدتث منذ مايربوا على الأربعين عاما في المتبث من (حوليات الخراب الليبي) ** أي في مساء يوم مفتتح الأنقلاب المشئوم من شهر سبتمبر النحس في عام 1969من ميلاد المسيح الذي جلب للعالم سلاما وجلب لنا نحن الليبيون خرابا ودمارا . كان أبي ليلتها أي في اليوم الخاتم لشهر أغسطس من ذلك العام مناوبا ليليا يقود سيارة إسعاف تخص مستشفى تابعا للهيئة الوطنية للتأمين الأجتماعي ،الذي لازال يترّدد على ألسنة الناس : بإسم (كانيفا)القائد العسكري في الحقبة الأستعمارية الإيطالية . كان جدّي الذي قسّم مثل (الملك لير) ***ميراثه القليل أرضا وأشجارا على أبي وعّمّي ، موجود ليلة الأنقلاب في طرابلس التي تنام وقتها بقليل من العسس ممّا مكّن الأنقلابيين من إتمام مهمتهم بسهولة ويسر . في اليوم الأول من الأنقلاب قرّر جدّي أن ينام ليلتة الخريفية الدافئة كما أعتاد دائما أمام بيتنا في شارع سيدي خليفة رافضا النوم في الداخل ، معبّرا عن ضيقه من البيوت التي بسقف والمنارة بالكهرباء والتي لم يعتد العيش فيها مفصحا عن إستنكاره وتذمّره الدائمين لمكوثه شهرين بالتقاسم بيننا وبين بيت عمي الأصغر في سوق الثلاثاء حسب الآتّفاق المبرم بينهما وبين عمّي الأكبر المستجيب لضغوط زوجتة بأن نتحمّل في طرابلس قسطنا من عبء شيخوخة الجدّ. كان مزمعا أن يقضّي جدّي شهر سبتمبر الذي وقع فيه الأنقلاب في قريتنا الجبلية الوادعة التي يشّده الحنين إليها( أمّ الجرسان ) بجبل يفرن . ولكن الموسيقى العسكرية المنبعثة من الراديو وبيان الأنقلابيين الأول والنداءات المتكررة للناس بعدم الخروج من بيوتهم جعل أمي تدرك أن إنقلابا يقوده الجيش وقع على الملك ، وأن حظرا للتجوّل (كوبرافوكو) بدأ سريانه منذ الساعة، وعليها بحكم خبرتها صبية في الحرب العالمية الثانية أن تدّبر امورنا في غياب الأب وإن أصعب مهمة ستواجهها إقناع جدّي الذي لايأبه بمايدور حوله بأن ينام داخل البيت وبما أن التقاليد والظرف يمنعانها من الخروج وإقناعه بذلك فأنّها كلّفتني بإيصال رسالة حاسمة إليه مفادها أنّه إذا تعنّت ورفض النوم في البيت فإن الجنود الذين انتشروا بين البيوت وتسللوا بين طوابي الهندي وشجيرات الزيتون والنخيل التي لم يجرفها البناء الحديث في حيّنا بعد ،سيطلقون النار عليه فيردونه حسب الأوامر الموّجهة إليهم قتيلا .

إقتربت من جدّي وبلهجة آمرة بلّغته رسالة أمي فآجابني بتصميم وحسم وهو مغمض عينيه : لن أبرح مكاني دع الجنود يطلقون الرصاص علّي فأنني مللت هذه الحياة .

المرّة الثانية تمّت ليلة 15من شهر أبريل (الطير ) ــ حسب التقويم الجماهيري الغابرــ عام 1986م فيما عرف بالغارة الأمريكية التي إستمرت خمس دقائق على طرابلس العاصمة التي كانت تلك الليلة تسبح في أضواء إحتفالات ذكرى إجلاء القوات البريطانية والأمريكية عن البرّ الليبي. ضربت الطائرات الأميريكية القاذفة مقرّ المخابرات الليبية في (بن عاشور) ،فيما كنت أسهر وقتها مستغرقا في قراءة رواية دستويفسكي (الشياطين) وإذا بالطائرات العملاقة تمرّ فوق بيوت حيّنا في (سيدي خليفة) التي تداعت لها بالزلزلة متجهة صوب نقطتها الثانية ثكنة (باب العزيزية) حيث يقطن الدكتاتور القذافي الذي سيدخل ليلتها خريفه البطرياركي.**** نزلت مسرعا الى الدور الأرضي حيث تنام الأم وبقية أخوتي الذين تجمّعوا خائفين مرتعبين في غرفة بين عمودين إتقاءا لسقوط سقف البيت عليهم في حالة إنهياره .وبنفس تصرّفها الحاسم أمرتني أن أصعد إلى فوق حيث ينام أبي في غرفته ادعوه وبحزم ان يهبط ليقبع بجوارهم بين العمودين إتقاء شظايا القذائف .ناديت أبي فلم أسمع إستجابته طرقت الباب فلم يرّد فتحته فلمحت لهب سيجارته يلمع في ظلام الغرفة أضئت النور فرأيته مضجّعا على ظهره فوق السرير يحدّق في السقف بلامبالاة بلّغته رسالة أمي الحازمة فرّد علي: دعم يرمون علّي شظاياهم ، اتركني لشأني .. فقد سئمت هذه الحياة !

لقد ورتث عادة التفاؤل السيئة عن جدّي الذي أماتته الشيخوخة وداء الربو المزمن ولم تقتله رصاصات جنود إنقلاب الـ 69 ، وعن أبي الذي لم يمت بشظايا القنابل الآميريكية بل مات عناء من السكّري ومرض السرطان وقهرا من إشتراكية القذافي التي أممّت ما بناه بكّد حياته وشقاء عمره وتعلّمت من (البير كامي ) كيف يمكن مطاردة لحظات عيش الحياة المفتكّة في زمن الطاعون *****من قبضة الموت ،وردّدت مرارا وتكرارا الجواب الآمر لـ (فلورينتينو اريثا) العاشق العجوز في رواية (غابرييل غارسيا ماركيز) الحب في زمن الكوليرا لقبطان سفينته النهرية التي أقفلت في وجهها المرافئ بسبب الوباء . والذي سأله يائسا : إلى متى تظّن بأننا سنستطيع الأستمرار في هذا الذهاب والآياب الملعون ؟ فكان جوابه الذي جهّزه منذ ثلاث وخمسين سنة وستة أشهر وأحد عشر يوما بلياليها : مـــــدى الـــحـــيـــاة . إلا أنني آراني أكرّر مع نيتشة الفيلسوف الآسيان الذي كتب محدّقا في ظلامات العدم والجنون مثلما يحدّق بعضنا الآن أيضا :(( كل شئ يغدو ،كل شئ يعود ؛ وإلى الأبد تدور عجلة الوجود .كل شئ يبيد ، وكل شئ يحيا من جديد ، والى الأبد تسير سنّة الوجود (…) فهذه اللحظة التي أنا فيها الآن وجدت من قبل مرارا، وستعود من جديد وقد توزّعت فيها كل القوى كما هي في هذه اللحظة بالضبط؛ وهكذا الحال بالنسبة إلى اللحظة التي سبقتها ، وتلك التي ستتلوها. أيّها الأنسان! إنك ، كالساعة الرملية ، ستعود من جديد وستذهب من جديد دائما أبدا.) .

______________

الهامش:

– المقال منشور في صحيفة فبراير الورقية العدد 587 ـ15.12.2013إبّان أزمة البنزين في طرابلس العاصمة .

* تضمين لعنوان رواية غابرييل غارسيا ماركيز : (الحب في زمن الكوليرا) .

** إشارة إلى نيتشة فيلسوف القوة مدّشن التفكير في العدمية الأوروبية .

***إشارة لرواية الكاتب والشاعر الليبي عمر الكدّي : (حوليات الخراب) .

****إشارة لتراجيديا وليم شكسبير المعنونة بـ (الملك لير) .

*****خريف البطريارك إسم رواية لغبرييل غارسيا ماركيز.

****** إشارة لرواية البير كامي : (الطاعون) .

مقالات ذات علاقة

في متاهة المينوتورات

علي عبدالله

النص القرآني ديناميكيته وتراكم تأويله معرفياً

المشرف العام

هموم الثقافة الليبية.. بخصوص الحاجة الى استحداث المناهج الثقافية التعليمية

حسن أبوقباعة

اترك تعليق