من أعمال التشكيلية الليبية .. مريم العباني
قصة

ثلاثة اوجه للشاعر الفيتوري

ثلاثة اوجه للشاعر الفيتوري

(شحبت روحه، صارت شفقا)

(مهداة الى روح الشاعر الكبير محمد الفيتوري الذي غادر عالم الاحياء
الى عالم البقاء في الشهر الذي مضى، وقد كتبت القصة اثناء معاناته
المرضية التي استمرت معه لفترة طويله، شمله الله برحمته ورضوانه)

كان الشاعر محمد الفيتوري يجلس  قبالتي على الطرف الثاني من الطاولة، في مقهى الفندق الكبير، كما تعودت ان القاه اثناء زياراته الى طرابلس، فهو يتخذ من هذا الفندق مكانا لاقامته كلما جاء الى عاصمة البلاد. يجلس وهو يحرك اصبعه في الهواء، يكتب مقاطع من افكار تخطر على باله، فوق لوح وهمي. عادة من العادات التي لا تفارقه، ولا ينكر الشاعر غرابتها، لكنه يقول بانه لن يحاول ايقافها، لانه يرى فيها حالة من حالات التجلي ليقظة الذهن ونشاطه. كان صامتا، الا ان وجهه بدا هادئا يطفح بنوع من البشر والرضا. كان سمته انيقا كعادته، وبشرته السوداء تلمع لمعان خشب الابنوس، وشعره الاكرت كان متناسقا، وفي حالة تكامل مع ملامح وجهه  العامر بظلال التجاعيد. وهو شعر يبدو دائما بهذا الحجم، وهذا التناسق، لا يزيد ولا ينقص، داكن السواد، رغم تقدم العمر، ومن عينيه يشع بريق المكر والذكاء والتوقد الذهني. رايته يميل برأسه نحوي، يسالني عن اخر ما اعرفه من اخبار الشاعر محمد الفيتوري، الذي يقيم في الرباط، رهين الفراش بعد اصابته بجلطة  في المخ، جعلته عاجزا عن الحركة والكلام لمدة اكثر من عامين، وهو يسالني لانني اكثر اتصالا منه بالمغرب، واقوم من حين الى آخر، بزيارة الى العاصمة المغربية، باعتبارى عضوا في الجمعية الثقافية المغاربية التي تتخذ من الرباط مقرا لها.  فقلت له انني غائب عن المغرب اكثر من عام، ولم اعرف عن الشاعر الفيتوري الا ما ذكرته صحيفة مغربية عن تحسن طفيف في حالته، بسبب العلاج المكثف الذي يتلقاه، والذي لابد انه نجح في اعادة بعض الحركة الى اطرافه، وشيء من الحركة الى لسانه،  متمكنا من نطق بضعة كلمات.

كنت الى حد ما واعيا بان هذا اللقاء مع الفيتوري يحدث في المنام، وان ما اراه هو مجرد حلم، ولذلك لم استغرب ان اجد صديقي الشاعر الفيتوري، وهو في تمام صحته ولياقته البدنية، يسألني عن الشاعر الفيتوري الآخر الذي يعاني حالة مرضية شديدة الخطورة، ربما تفتك بحياته. ورايته يخرج من بين مجموعة الصحف التي يضعها امامه على الطاولة، صحيفة اخبار الادب، الصادرة قبل ايام، ويفتح صفحاتها على مقال للكاتب الشاعر فاروق شوشة، يرثي فيه الشاعر الفيتوري، ويأسف ان موته مر في صمت، وهو الشاعر الذي طالما هز الوجدان العربي بقصائده الثورية التي تستنهض الهمم وتحظ على الكفاح والتمرد. اخذت منه الصحيفة، انقل بصري بين اسطر المقالة التي تنعي للقراء رحيل الشاعر الذي اكتسب عن جدارة لقب شاعر افريقيا، وبين ملامح الشاعر الذي يجلس امامي، احاول ان اجد في ذهني تفسيرا لهذا اللغز، واكثر جوانبه غموضا ان الرجل لم يكن حزينا، ولا غاضبا لهذا الحديث عن موته، بل ما زال وجهه يطفح بنوع من الرضا والقبول بما يجري له وحوله، وسمعته يقول في فرح ظاهر، بانه لم يكن يعلم ان فاروق شوشة يحمل كل هذه المشاعر المحبة والنبيلة ازاءه، وكل هذا الاعجاب والتقدير لشعره، بل هو يراه اجاد حقا اختيار المقاطع التي انتقاها من هذا الشعر، خاصة تلك القصيدة التي تستدعي الموت، وتضع عينيها في عينيه دون خوف، وطفق يقرأ بصوته المتميز الذي يختلط جفافه  بطراوته، وتخالط  حماسته وقفات فيها خفوت ونعومة:

شحبت روحي، صارت شفقا
شعت غيما وسنا
جزر غرقى في قاع البحر….
حريق في الزمن الضائع
قنديل زيتي مبهوت
في اقصى بيت، في بيروت
أتالق حينا ثم أرنق ثم أموت

كنت اعرف انني اجلس مع الشاعر في طرابلس، نتحدث عن نسخته المريضة في الرباط، وهذه نسخة ثالثة تظهر الآن في شكل جثمان انسان غادر الحياة، يرثيه صديقه الشاعرالمصري، في صحيفة اخبار الادب، فاين يوجد الفيتوري الحقيقي بين هذه الشخصيات الثلاث. بينما بدأت العتمة  خارج الفندق تواصل حصارها للمكان.

– لقد قرات الرثاء باعجاب شديد. انه مفعم بروح الشعر.

لم اجد في نفسي ميلا لتصديق خبر الوفاة الذي ذكره الاستاذ شوشة في صحيفة اخبار الادب، نقلا كما يقول عن صديق مغربي، لانني متابع لاخبارالفيتوري، وما ذكرته عن الصحيفة المغربية التي  اوردت تقريرا عن تحسن في حالته الصحية، لم يكن تقريرا قديما وانما حديث جدا، فقد قراته في الانترنيت منذ يومين فقط، يعني بعد صدور صحيفة اخبار الادب، تحمل هذا الرثاء، وفاتحت الشاعر الذي يجلس بجواري، بما احمله من شك فيما قالته اخبار الادب، وان احدا من خصوم الفيتوري، ممن يتمنون الخلاص منه، دس هذا الخبر على الاستاذ شوشة، لان الخبر الذي قراته عن تحسن صحته، منشور في الصحيفة المغربية بعد هذا الرثاء.

تذكرت انني احتفظ في هاتفي النقال برقم بيت الفيتوري في الرباط، وبامل ان رقم الهاتف لم يتغير، فانني اذا هاتفته الان فساحصل على اجابة من زوجته المغربية تحسم الامر، واخرجت الهاتف من جيبي ابحث عن الرقم، قائلا للشاعر الذي يجلس بجواري انني ساحاول ان احصل على الخبر اليقين، من خلال هذه المهاتفة. ووضعت اصبعي اضغط على الزر، لاجراء المكالمة، راجيا الا يخيب املي في الاتصال، وتأكيد ان الشاعر الفيتوري موجود على قيد الحياة، وفرحت عندما جاء الرنين واضحا من بيت الفيتوري على ضفاف الاطلسي. انتظرت ان ياتي صوت الزوجة، بلهجتها المغربية، ولكنني فوجئت بان الذي يقول “الو”، ليس صوتا نسائيا، انما صوت رجالي به خشونة وحشجرة، ولم يكن غير صوت الفيتوري، الذي لايمكن ان تخطئه اذن سمعته وهو يلقي اشعاره في المنتديات وعلى الشاشة الصغيرة. اسميت له اسمي، وهنأته بتحسن حالته، وقلت له ان بجواري قرينه الذي يشكل نسخة منه، الموجود هنا في مقهى الفندق الكبير، وهو شديد القلق عليه، يريد ان يطمئن منه شخصيا عن  آخر ما حصل من تطورات على حالته الصحية، فقال لي انه يعرف ان جزءا من روحه يسكن ذلك الفندق، وانه في شوق لان يلتقي بجزء من ماضي حياته الذي تركه في اروقة واركان الفندق الكبير بالعاصمة الليبية، واضاف ان هذا الجزء من طرابلس يمثل وطن القلب بالنسبة له، حيث كان يخرج من الفندق الى شاطيء النخيل قبالته، متأملا المشهد البديع الذي تختلط فيه زرقة الافق بزرقة البحر، ذائبا بين الزرقتين، هائما في هذا المدى الازرق حتي يصل الى تمثال الغزالة، ونافورة الماء التي تغتسل فيها فتاة النافورة، وهي تملأ جرتها وتروي من الماء غزالتها،  تتباهي بعري مفاتنها، تحت دائرة خضراء صنعتها سبع نخلات تتدلى بشواشيها وسعفها وجريدها، فيبقى حتى تحاصره الظلمة هناك،عندها يودع المكان الذي اترع قلبه باجمل المشاعر والاحاسيس، عائدا الى اضواء الفندق، ويطالبني ان اقوم نيابة عنه بهذه الجولة مساء هذا اليوم، فوعدته بتحقيق رغبته، واعطيت الهاتف النقال الى جاري الذي مضي يتحدث في الفة وسعادة الى نصفه الاخر، وانا انظر مستغربا لما يحدث، مدركان انني في حالة حلم، وان عالم الحلم يبيح هذا التداخل والتمازج وهذا الحلول والتبادل في الادوار.

غمرت جليسي الفيتوري حالة من الابتهاج وهو يعرف ان نسخته في الرباط لا زالت على قيد الحياة، وان اشاعة الموت اشاعة لا اساس لها، ونقل لي بعض مادار بينه وبين قرينه في الرباط، حيث استعاد مشهدا حصل في الفندق، عندما التقى وجها لوجه مع حاكم السودان الذي قاطعه وهجاه، الجنرال النميري، فاستوقفه الجنرال، قائلا بكبرياء الطغاة، هل لازلت على قيد الحياة ايها الفيتوري، فرد عليه الشاعر، نعم وساستمر على قيد الحياة الى الابد، لان الشعراء ايها السيد الجنرال لا يموتون.

ثم فجأة انتصب الفيتوري واقفا وهو في حالة من الحيوية والنشاط  قائلا ا نه مدعو لاجتماع في طرابلس دعت اليه قيادات من فرق فدائية، وسالته عن سبب الاجتماع، فقال ان حالة الوطن العربي وصلت الى درجة من السوء والانهيار، تقتضي ان يتزنر كل انسان عربي بالنار ويتحول الى فدائي استشهادي يفجر نفسه في الاعداء، فعبرت عن استغرابي واستهجاني لهذا المنطق العدمي، الذي يعني ابادة انفسنا، فقال نعم، انهم يسمونها الحالة شمشون، اي ابادة انفسنا وابادة الاعداء معنا، فسالت الشاعر الذي بدا في حالة من اليقظة الذهنية، اذا  ما كان يوافق على مثل هذا الانتحار الجماعي، فقال وما اهمية ان اوافق او لا اوافق، ثم اشار الى صحيفة اخبار الادب التي نشرت نعيه قائلا:

ــ الم تقرا الرثاء الذي كتبه عني الشاعر فاروق شوشة؟
ــ نعم، انه مليء بالاشادة بسجلك المجيد في مجال الشعر والادب.
ــ شكرا له، ولكن هل بقى لي شيء اقوله؟
ــ نعم لقد قلت الكثير ولعل هناك بقية تقال.
ــ ما اقوله هو، ليعش من شاء ان يعيش، وليمت من شاء ان يموت، اما انا فلا ارى امامي الا بابا يفضي الى الظلام.

انطلق يتخطى عتبة باب الفندق يقتحم الظلام، وقد ظهر في عتمة الشارع رجلان يعتمران الكوفية الفلسطينية حتى ليكاد طرف منها يغطي كامل ملامح الوجه، هما من سيقوده الى مقر الاجتماع السري.

ومضى يبتلعه ليل طرابلس، ويمزج سواد بشرته بسواد هذا الليل الشتائي، متوجها الى اجتماع الفرق الفدائية، التي تتباحث في انجاز العملية شمشون.

________________________________

* تنشر هذه القصة في العدد الجديد من مجلة العربي (عدد يونيو).

مقالات ذات علاقة

قصص قصيرة جداً

محمد المسلاتي

اللافي

سعاد الورفلي

على حافة الوادي

أحمد يوسف عقيلة

اترك تعليق