قصة

ثلاثة ألون لصباح واحد

أرجواني

ككل صباح،…. همست لسيارتي بالتعويذة المعتادة، رجوتها أن لا تخذلني هذا الصباح أيضاً، فالزوجة والأولاد بحاجة إلى توصيل إلى مدارسهم البعيدة، وأنا أرغب في عقد صلح مع رئيسي في العمل الذي بدأ يهددني بالخروج من الملاك الوظيفي.

استجابت سيارتي للتعويذة، وصارت كعجوز متهالكة، بضعة أمتار بعيداً عن بيتي، لكنها توقفت فجأة، وأصدرت حشرجة كريهة إلى نفسي، أعلنت بها الإضراب عن العمل هذا اليوم أيضاً.

في غضب من الظروف والدنيا وسيارتي، ترجلت، فتحت غطاء المحرك، فأحرقت خياشيمي روائح متداخلة، سلك كهربائي محترق، زيت محترق، شحم، بنزين، صدأ.

باشمئزاز،ووجع…حشرت رأسي داخل المحرك أبحث عن سبب للعطل، فسرق أذني صوت خطوات تقترب خلفي في الشارع الصامت.

 كان حذاءً نسائياً يعزف برتابة وانتظام وثقة طرقاته على الإسفلت الناعس.

رفع الفضول رأسي بعجالة من يرغب ألا تفوته الطُرفة، فأصطدم بغطاء المحرك، الذي أجبره على العودة إلى جوف المحرك من جديد.

عطرها لم يشأ مفارقتي، ظل عالقاً في المكان،وأظنه سيظل عالقاً به إلى يوم القيامة، هزم رائحة البنزين والزيت والشحم والسلك المحترق، ورائحة عرقي….سرق أنفي في أثره، ألقى كلماته السحرية، وفتح أمام عقلي مغارة الأحلام.

 استيقظ الذئب في جسدي، سال لعابه فشحذ مخالبه وأنيابه، وحلم بالوليمة،….نهض الضمير الراعي، وشرع في وجهه صورة زوجتي وأولادي وهم ينتظرونني،…تأففت منه ووعدت بالانتقام،….كبلت الذئب وجوعي، لكنه توالد وتكاثر… صار قطعاناً، ساقها الحذاء النسائي المعطر أمامه، وأنعطف مع نهاية الشارع.

تلونت الدنيا بألوان قوس قزح، وتفتحت الورود في قلبي المثقل بالهموم، عادت بي سنوات عمري إلى الوراء، انسحبت التجاعيد من وجهي، واستحى الشيب فلملم لونه الرمادي الباهت وفر من شعري، انتعشت أوصالي فهممت بالركض خلفها، ألملم عطرها المبعثر خلفها، وأحضنه في صدري لكي لا ينعم به غيري، لكن ألم المفاصل كبلني، وعدت إلى واقعي، أطبقت غطاء المحرك في عنف وقوة، حتى كاد أن يعض أصابعي، وقلت بصوت سمعه الجيران:

–        تباً، أيتها العتيقة، سأبيعك، وأشتري غيرك، أقسم على ذلك.

أصفر

ككل صباح، أوقظ الأولاد إلى المدرسة، أُعد لهم الترويقة، وألف لهم الإفطار، أُلبس صغيرهم، وأُوجه كبيرهم، أرتدي ملابسي على عجل، وبطبيعة الحال لا أهتم بتمشيط شعري، فالحجاب كان أفضل نعمة للنساء مثيلاتي، وبالطبع لا أضع مكياجاً، ولا كحلاً ,لا عطراً، فأنا لا أريد أن أكون….

ألتقط كراسة التحضير، وكيساً يحتوي كراسات تلاميذي، التي سرقت ساعات راحتي الليلة الماضية، فما أصعب أن تكون مدرس لغة، ولغة عربية بالذات، إذ يجب عليك أن تدقق في كل صغيرة وكبيرة، والجيل، ما شاء الله، ليس لديه وقت للتدريب على الحفظ والمذاكرة، تكفيه الفضائيات، وألعاب الفيديو، والحرية المبالغ فيها من الأهل في الخروج.

والأصعب أن تكون مدرس في الملاك الوظيفي الجديد، تقضي نصف النهار في الركض من فصل إلى فصل، حتى أنك ترتبك في تحديد مواقعها، وتُعيد نفس الدرس وبنفس الطريقة، حتى يجف ريقك، ويلتهب حلقك، وتتقطع أنفاسك،وتؤدي نفس التصحيح، حتى تتألم عضلات يدك، وتكرر نفس المناقشة حتى ينفجر بالصداع رأسك، ويقرع ضغط الدم الطبول في أذنيك،وتتشوش ذاكرتك في حفظ الجدول اليومي،وعدد التلاميذ الذين صارت حصتك منهم تُعد بالمئات، حتى أنك تعجز عن تذكر أسمائهم أو أوصافهم، وتُهمل ذاكرتك المزدحمة تلقائياً، نشاطاتهم اليومية معك، وبالتالي يرتبك تقييمك لهم،وترتسم درجاتهم بالظلم في كراستك.

والكارثة الأدهى، أن تكون قد أفنيت أكثر من عشرين عاماً من عمرك وصحتك في التعليم، والأدهى والأمر منها، أن تكون امرأة مثلي لديها أطفال صغار،في مجتمع ذكوري لم يعترف بالمشاركة إلا في دنانير المرتب.

ولكن كل ذلك يهون في سبيل حياة أفضل….

أقفلت الباب ورائي، ووقفت مع أولادي في الحديقة المنزلية للبيت، ملئت صدري بعبير أزهارها التي غرستها بيدي، شتلة شتلة،سقيتها بعرقي، ودفأتها بعنايتي، فأنا من محبي الطبيعة، خاصة في مدينة مخنوقة بالعوادم كمدينتنا.

غمرني شعور بالسعادة،..ما أجمل أن يكون لك بيت صحي تحيطه حديقة تزينها بذوقك، بيت أفرز جسدك العرق الأسود لتحصيل ثمنه، حاصرت مرتبك بالجمعيات،أرهقته بالسُلف والقروض، حذفت من قائمة مشترياتك الكماليات من غذاء صحي، وكساء جديد يلائم الموضة، أغرقت أولادك بالوعود بمستقبل مليء بالنزهات والسفر والطواف حول العالم، حشوت لهم الغد بالوعود والأمل،فقط… لتوفر ثمن بيت.

 تذكرت البيت الذي استأجرناه في بداية حياتنا الزوجية، كان يتكون من غرفة واحدة، وركن ضيق للطبخ، وحمام بالكاد يستطيع الفرد أن يقف في مساحته الضيقة ولا يحمل من مواصفات الحمام الصحي غير وعاء لقضاء الحاجة وحوض متهالك لغسل اليدين، ورغم الرطوبة والعفن التي كانت تحاصر صحتنا فيه، فقد كان أجاره يسرق نصف مرتباتنا معاً.

نظرت إلى ساعتي، عقاربها تقترب من السابعة والربع، سنتأخر، سنضطر لتسلق الحافلات التي ستؤخرنا قروناً، أو المشي على الأقدام الذي لم نعد نجد له جهداً، رفعت بصري فوق الباب،أعقد الآمال على توفق زوجي في حلّ مشكلته اليومية مع السيارة التي لم نجد لها علاجاً، أراه يبتعد بها بضعة أمتار بعيداً عن منزلنا، خذلته النذلة وتوقفت في منتصف الطريق، أهُم بالركض إليها وكسر زجاجها حتى تستفيق، فأراه يترجل منها، يحشر رأسه داخل محركها، المسكين…كم يعاني؟!.

ولكن!….صرخ صوت مرتعب في نفسي:

– من تلك البدينة التي مرت بالقرب منه، ولحقها ببصره، من تظن نفسها في تلك المشية البلهاء، وكيف واتتها الجرأة، بل قلة الحياء أن تسير بذاك الزىّ في الشارع، عندما مرت من أمام البيت هممت بالخروج إليها وخربشة وجهها المقنع بالمساحيق بأضافري، لكنني، حين نظرت إلى أظافري، وجدتها قد اختفت، أكلها الصابون، وصدعت بنيتها المبيضات..تأملت يداي…كانتا متغضنتين، داكنتين، جافتين لدرجة يمكن الرسم عليهما بعود كبريت.

تخلفّ قلق غامض في نفسي.

عاد زوجي يجر خطواته المتعبة، فانفجرت في وجهه سنوات الصبر:

–        ماذا؟ هل سنذهب على الأقدام ككل مرة؟…إنها السابعة والنصف، سوف نتأخر.

لم يرد، وإنما دخل إلى البيت، وكأنه قد فقد حواسه، رميت بالملاك الوظيفي، ومدرسة أولادي، وكل ما حوته يدي، وركضت خلفه.

أزرق…

ككل صباح، توقظني أمي بسيمفونية صباحية معتادة:

–        استيقظوا يا أولاد…الوقت متأخر!

أكره أن تناديني أمي بالولد، تظل تتشبث بصورة الطفل فيّ رغم دخولي السادسة عشر الأسبوع الماضي، ورغم أني قد داعبت شاربي ولحيتي هذا الصباح أمام مرآة الحمام، يجب أن يعرفوا أنني كبرت على الأمر والنهي، لا زالوا يعيشون في ظلام العصور الوسطى، ألا يعرفون أن الأولاد في الدول الغربية المتقدمة، تصير لهم شخصيتهم المستقلة، حالما يدخلون سن المراهقة، بل ويحق لهم مغادرة البيت.

مغادرة البيت؟!….كم أضاءت تلك الفكرة في رأسي، تزكي توهجها الخلافات المتناثرة حولنا بين أبي وأمي، وتكون ساحاتها وقت الوجبات، فيتحول الطعام في حلوقنا إلى علقم، فنستبدله بأطراف أظافرنا.

أراهما كمستقيمين متوازيين، لا يلتقيان أبداً، رغم أنه قد يوقظني قهقهاتهما في جوف بعض الليالي،…يحيرانني، وكأنهما قد علما بنيتي في الرحيل، فأرتاح في النهاية إلى عبارة جدتي التي كانت ترددها دائماً عندما يتطور الصراع بينهما إلى محكمتها، بأن عتبة بيتنا الجديد ليست طيبة.

ويبدو أن هذا الصباح أيضاً قد بدأ يتلبد بينهما، فبعد انتظار طويل الأجل لأبي الذي كان يحاول تشغيل سيارتنا العجوز لإيصالنا إلى المدارس، أسفر في النهاية إلى عودته خائباً، ركضت أمي خلفه، بعد أطلقت العنان لأعصابها المتوترة دون سبب، أنفلتت من فمها الكلمات الغاضبة:

–        من تلك البدينة التي كنت تعاكسها؟

–        أية بدينة؟

–        تلك التي أكلتها بنظرك!

–        أنت واهمة!

–        لم أكن واهمة، أعرف أنك كنت تأكلها بنظراتك الملتهبة، قلبي حدثني بذلك.

–        قلبك؟!

–        أجل!

–        فتحية، أتركي هذا اليوم يمضي على خير!

–        وأية خير أنتظره منك بعد كل هذه التضحيات تستبدلني بامرأة من الشارع، لا تعرف لها أصل ولا مفصل.

–        فتحية!!

–        يا خسارة الصبر والتضحية والحرمان

فانفجر بصوت سمعه كل الجيران ً:

– فتحية، أنت طالق!

مقالات ذات علاقة

كيلوباميا

محمد النعاس

الطريد

عوض الشاعري

حكاية عبد الرحمن

إبراهيم بن عثمونة

اترك تعليق