قصة

تَمـَردَ قَــلمي

يكادُ القلمُ أن يمحو سطور الذكرياتْ.. رُغماً عن إرادة صاحبه.. صفعاً وغدّراً تتَراكمُ الهمساتُ كجِبالٍ تُخّفيها الضبابْ دونَما هوية تَصِلُ  به نحو الأزل.

 كيفَ السبيلُ و الهرمُ يتلون على صَفيح المرآة.. تنْخدِعُ الوجوه كُلما وقفتْ.. سُحقاً للتجاعيد.  يا قلمي لِما أحرجّتني أمام الكاتباتِ والشاعراتِ ؟ أكُنتَ قاصِداً أم يا تُرى كُنتَ عديم المسئولية ؟  لولاكَ لكُنتُ أفضل حالٍ , لا ترّمُقني بتلك النظرات..  فأنتَ بالنسبةِ إلي ميتْ..ألا تشّعُرّ؟.. بحقِكْ.. قُل !! تَعرِفُني وتَعرِفُ من أكون.. لا تتفوه حتى ائذِن لكْ..أُقسِّمُ انك كاذب“..سأرّشقُ الحروفَ فور اجتِماعِها.. سأصّفعُ الكلماتْ رُغمَ وقْفِها..سأمحو التْشّكيلَ على حافةِ الهاوية..رُغماً عن أرنبةِ أنفكْ.. سأجعلُكَ عارياً.

 لا تَبْتْسِمُ لي , كَفَاكَ غزَلي , كَفَاكَ لمْسّي.. فما عدتُ أطيقُ مُداعبْةَ رقَبَتْكْ.. لا أنوي المُصالحة.. فقد صالحَتُ الليل.. وصَدقْتُ النجوم.. وتعَرفّتُ على القمرّ.. اِرّحلْ أو اِنتحر.. فهذا أقلُ ما تفّعَلهُ إن لمْ أفّعَلهُ أنا.. فأنتَ خارج“ عن السَّطر.. تَتَمَتْعُ بلذةِ الخروجِ على الدوام..سأُجري مَعكَ مُقابلة. اِختر الوقْتْ , ودونْ الزَمنْ , أيُ سَاعَةٍ ؟..أعلمُ أنكْ تجّهلُ الوقت والزمن..على العموم لدينا شاهد..إلى متى سيتحمل الورقُ حماقتكْ ؟  إلى متى سيصبر عليك  أيها الهرم المصطنع ؟.. كفاك همساً..  فهمسك يؤذي أصابعي.. كفاك ثرثرة..  فثرثَرتُكْ تَزيدُ سواد خطي. سأعترف.. لكن  لا لأجلك.. بل لأجل الورق.. لقد خنتُها لا تسألني.. لأنك لن تستطيع معي صبرا.. لقد خطبتُها  لا تُناقشني.. قلتُ لك مرارا لا تسألني.. لأنك لن تستطيع معي صبرا.. لقد تَزوَجّتُها وطلقْتُها.. لقد قلتُ لك.. انك لن تستطيع معي صبرا.. أما الأولى حقيقةً خنتُ المقالة بسبب نزواتي المُفرطة مع الخاطرات.. فاخترتُ الضياع مع إحداهن ووجدتُ فيها.. نفسي , والطبيعة , والبحر. أما الثانية تقَدمتُ لِخطبةِ القصة.. فوافقت دون نقاش.. كانت تشعُر بلهفة اتجاهي , أما الثالثة فعلاً تَزوجّتُها.. لكنها صارت مُزعجة تتذمرُ كثيراً ولا تُعطيني حق  التمتُعِ في جمالها..صَبرتُ وصبرت ومن ثم أصبحتْ غامضةً.. لدرجةً كأني ما عرفتها يوماً..  فَطلقتُها.

 لا أُنكر العلم , فالعلمُ نور والجهلُ ظلام.. ولا أُعادي أحداً كان.. عالماً , أو داعياً , أو مُثقفاً.  ولا أندهش من سذاجةِ بعض الكُتبْ , والروايات , والقصص الخيالية. تُراه كُتبتْ بأقلامٍ مُتمردة.. يُقال أن كتاب الأمير( لصاحبه  ميكافيلي).. قد غير العالم. أتوافقُني الرأي !! من وجهة نظري أنه كتاب سيء“ للغاية.. لم يغير العالم بل عقد.. وزاد الطين بله.. وأعطى الضوء الأخضر للقتلة والسفاحين بأن يباشروا بسفك الدماء.. ولو كانت ( الغاية تُبرر الوسيلة.. حـــقاً ) لكان أودلف هتلر قد قضى على العالم  وجعل شعار النازية يُرفرف فوق كل دولة.

 قُل لي ماذا أصابكْ؟ أقولُ لك من أنا ؟.

 تذكرتُ يوم تعرفتُ عليكْ كان خلال  عام  1994م حين كُنتَ بريء.. حين كُنتَ تعشقُ الخاطرة , والشعر , والمقالة , وأيضا القــصة.  حين كُنتَ تحلِمُ بأن تصبح مثل( حنا مينا أو جبران خليل أو  المنفلوطي). ما الذي أصابكْ ؟ لماذا حرقتَ كتَابُكْ الأول الذي أتممته في حزيران عام 1998م. ألا تستحي من نفسِك قليلا ؟ أتحرِقُ ذكرياتُكْ , وطفولتِكْ , وماضيكْ. بالفعل أنت مجنون.. من يتخلى عن ثرواته ليس بشخصٍ رشيد. ما عدْتُ أفهمُكْ ؟ إذاً لماذا عُدتَ تكْتُبْ ؟ أيُعقل من عاقلٍ مثلِكْ أن يشوه ما كتَبْتَهُ , ولونْتَهُ , وأبدَعتْهُ يداهُ ؟! فلماذا مزّقْتَ كتابُكْ الثاني فور إتمامه في نوفمبر عام 2002م. لن تجد أي حُجة في فعلتِكْ المُشينة..رُفعتْ الأقلام وجفتْ الصُحف.

لقد تمرّدتْ علي ساعاتٍ وساعاتْ وألان يجب علينا أن نحسُِم الأمرَ.. إما أن تَعتْرِف بخطاياكْ ونتصالح , وإما أن تُغادر إلى الأبد.. فأن لستُ مُجبراً على خروج من السطر.

___________________________

نشر في العرب  بتاريخ 3/ 12/ 2009

مقالات ذات علاقة

اللّعنة

محمد المسلاتي

باص باص باص

حسن أبوقباعة

الحافر المشقوق

أحمد يوسف عقيلة

اترك تعليق