قصة

تَـوَاطُـــؤ


” 1 “

… قريتنا تقع وسط الغابة.. لذلك فنحن نسمع عِواء الذئاب كلَّ ليلة.. أصبح العواء مألوفاً.. حتى إنه لم يعُد يلفت الانتباه.. بل لم يعُد يعني شيئاً لكلاب قريتنا.

    يبدو أنَّ الذئاب لا تُحسن شيئاً سوى العواء.. أمَّا الكلاب فإنها تُحسِن أشياء كثيرة علاوةً على النُباح.. ففنُّ التمسُّح والبصبصة بالذيول.. أو ما نُسمِّيه في لغتنا المحليَّة بـ(المَذْرَحة) شيءٌ لا تُتقِنه سوى الكلاب.. وكلابنا المحليَّة على وجه الخصوص.

    تُمَذْرِح لسيّدها.. إذا تغيَّر سيّدُها فإنها تُمَذْرِح للسيّد الجديد دون أدنى تردُّد.. فهي مَجبولة على ذلك.. إلى درجةِ أنها تُمَذْرِح لكل عابر.. بدل أن تنبح عليه.. أو على أقلِّ تقدير تتشمَّمه وتتعرَّف على هويَّته.. فكلابنا ودُودة إلى حَدٍّ يبعث على الدهشة.. بل ويستعصي على الفهم أحياناً.. حتى إنها تُمَذْرِح للأجانب الذين يمرُّون بقريتنا بين الحين والحين.

وهي تعمل بالمبدأ الكَلْبي القائل : (كُلْ مع الذئب.. وزَمِّرْ مع الراعي).. وأَقلُّ ما يُقال عن هذا السلوك هو أنه فضيحة أخلاقية.. بل خيانة عُظمَى في عالم الكلاب المعروف بالوفاء.. يعتريك الذهول.. وتعجز عن إيجاد صِلةٍ ما بين كلاب قريتنا وجَدِّها الأول.. الذي أخبرَنا القرآن بأنه : (بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالوَصِيْد)*.. في تلك المهمَّة المُقدَّسة مع أصحاب الكهف.. فكلابنا لم تَعُد تقوم بأيَّة مَهام مُقدَّسة.. يعني فَقَدت القداسة.. إذا جاز لنا أن نقول بأنَّ الكلاب من المُمكِن أن تَحظَى في يومٍ ما بأي نوعٍ من القداسة.

مِن أجل ذلك.. فإنَّ (غرَيْبِيْل) قد فَقَدَ الثقة في كلاب قريتنا.. وحتى في كلاب القُرَى المُجاوِرة.. ولم يَعُد بوسعه أن يعتمد عليها في حراسة بيته الواقع في طرف القرية.. فقد جَرَّب منها عشرة كلاب دون جدوى.. كانت جميعها على استعدادٍ للارتشاء في أية لحظة.. حتى بقطعة عظمٍ هزيلة يُلقيها أحد اللصوص في المَنْوَر.

استشار (غرَيْبِيْل) أَهلَ الحَلّ والعَقْد.. أشار عليه (المختار) بأن يستعين بالفقيه.. ليكتب حِجاباً للكلب.. أو يُلقي في أُذنيه الكبيرتين بموعِظةٍ مُؤثِّرة حتى يمتنع عن أخذ الرشوة.

استهجَن (غرَيْبِيْل) الفكرة.. وجَمَ أَهلُ الحَلِّ والعَقْد.. أطرقوا مُفكِّرين.. بعضهم كان يحكُّ رأسه لشحذ أفكاره.. بعضهم كان يعبث بلحيته دِلالةً على الهَمّ والاستغراق في التفكير.. أخيراً نبتت فكرة في رأس أحدهم.. أشار على (غرَيْبِيْل) بأن يستعين بكلبٍ من كلاب الشُّرطة المستوردة.

ـ معقولة نستعين بالأجانب ؟!

ـ الكلاب الأجنبية مُدرَّبة.. والأهم من ذلك أنها لا تعرف الارتشاء.

ـ باهِي.. قال (غرَيْبِيْل).

” 2 “

كان الكلب من (بولندا).. هكذا قالوا له.. وقالوا له أيضاً بأنَّ عليه أن يُناديه باسم (ديمينسكي).. هذا هو الاسم المُدوَّن بالملف.. لكنَّ (غرَيْبِيْل) لم يستسغ الاسم.. وجد صعوبةً بالغة في نُطقه.. لذلك أطلق عليه اسم (مَنَّاع).

استغرق الكلب وقتاً ليس بالقصير من أجل الاعتياد على اسمه الجديد.. تطوَّع أَهل الحَلّ والعَقْد باقتراحٍ مُفاده أن يُسمِّي الكلب باسم (مَنَّاعسكي) كحلٍّ وسط.. لكنَّ الفكرة لم تَرُقْ له.

هكذا تحوَّل (ديمينسكي) إلى (مَنَّاع).. وهي مسألة ضرورية للغاية.. فإنَّ الكلب مادام قد دخل قريتنا.. ودخل بيت (غرَيْبِيْل) بالذات.. فلا بُدَّ أن يأخذ اسماً عربياً.. بغضّ النظر عَمَّا إذا كانت كلمة (ديمينسكي) تعني بالضبط كلمة (مَنَّاع).. فهذه المسألة ليست جوهرية في التعريب.

” 3 “

وُضِع (مَنَّاع) فوق السطح.. ليكون بمقدوره أن يستكشف المناطق المُجاورة للبيت.. ويُفوِّت على اللصوص عنصر المفاجأة.. هكذا هي الأمور عند (غرَيْبِيْل).. كلبُه فوق.. ونساؤه تحت.. وهي أيضاً ليست مسألة جوهرية.. فهو _كعادته_ لا يهتم بالشكليَّات.

” 4 “

… مَرَّ كلب من كلاب القرية من أمام البيت.. فتحرَّش به (مَنَّاع) من فوق السطح نابِحاً بعض المقاطع غير المفهومة.. فهو لم يُتقِن نُباحنا المحلِّي بعد.. وختم ذلك بإيقاعاتٍ من الهرير إمعاناً في التحرُّش.. يبدو أنَّ تلك المقاطع قد اشتملت على بعض الكلمات النابية.. أو الشامتة.. فعقَّب كلب القرية بنبحةٍ واحدة قصيرة.. وهي تعني في لغتنا المحليَّة على وجه التقريب :

ـ طز..!

ومضى لحال سبيله تارِكاً (مَنَّاع) يتميَّز غيظاً فوق السطح.

” 5 “

نَعِمَ (غرَيْبِيْل) بالهدوء وراحة البال شهراً كاملاً.. لم يستطع اللصوص خلاله الاقتراب من البيت.. مما اضطرّهم إلى عقد اجتماعٍ طارئ..

قال اللص الأول وهو يُدخِل أصابعه في فَروة الكلب المُستلقي إلى جواره :

ـ هذا المَنَّاع اللعين أصبح عائقاً حقيقياً.. لقد ألْقيتُ له بهَبْرَة مسمومة.. لكنَّ اللعين تشمَّمها ولم يذقْها.. يبدو أنه يعرف رائحة السموم.

قال اللص الثاني :

ـ أنا قذفتُ له بهَبْرَة بها بعض الإبَر الصغيرة.. لكنَّه لم يلتفت إليها.

ـ فَتِّشْ عن الأُنثى.. قال زعيم اللصوص.. نعم.. هذه المُعضِلة لا يُمكن حلُّها إلاَّ بوجود أُنثى.

قال ذلك وهو يتفحَّص الكلاب المُقْعِيَة عند أقدامهم.

” 6 “

… كان الوقت ضُحى.. (مَنَّاع) يسترخي فوق السطح مُستمتعاً بدفء الشمس.. بعد ليلةٍ شاقَّةٍ من الحراسة. مرَّت من أمام البيت كلبة بيضاء تتلوَّى في مشيتها.. توقَّفت.. نظرت إلى الأعلى.. نبحت بغَنَج. انتصبت أُذنا (مَنَّاع).. مَدَّ رأسه إلى الأسفل. أقعتْ.. استلقتْ على ظهرها.. تمرَّغت.. مُبدِيةً كلَّ مفاتنها. اشتعلت النار في جسد الكلب.. نبح عِدَّة مقاطع مسجوعة.. لا تخلو من الرِّقَّة. أسبَلَت عينيها.. وهزَّت ذيلها. وفي نهاية اللقاء نبحت الكلبة جُملةً هامسة.. وهي تعني على وجه التقريب :

ـ سأَمُرُّ عليك بعد منتصف الليل.

ولم تَنْسَ _قبل مُغادرتها_ أن تبول.. من باب (تَرْك الذكريات الحَيَّة)..!

” 7 “

… انتصف الليل.. اجتمع اللصوص.. رَبَّت أحدهم على عُنق الكلبة.. ثم دفَعها إلى الأمام باتجاه البيت. اقتربت.. نبحت جُملةً مُقتضَبة.. وهي تعني :

ـ ها أنذا في الموعد.

دار (مَنَّاع) فوق السطح ليرى من أين يُمكنه أن يهبط.. السطح مرتفع للغاية.. لكنَّ الأمر يستحق المجازفة.. قذف بنفسه من فوق.. سقط على ظهره.. تدحرج قليلاً.. ثم وقف ناسياً الإحساس بالألم.. تشمَّم الكلبة.. تمسَّحت به.. ومضت مُبتعِدة.

تبِعها قليلاً.. وفجأةً توقَّف.. اشتمَّ رائحة اللصوص.. ألقَى نظرةً إلى الخلف.. على البيت.. تردَّد.. ثم أدَار رأسه وغاب في أَثَر الكلبة.

 _______________________________

 هامش :

* (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد) سورة الكهف، آية (18).

 مجلة أفق.. العدد:27.. 11/2002

مقالات ذات علاقة

رمادي ..

خيرية فتحي عبدالجليل

زيـارة جديـدة للـماضي

الصَّرْخَة…

أحمد يوسف عقيلة

اترك تعليق