قصة

تولين

من أعمال الفنان السوري نذير نبعه
من أعمال الفنان السوري
نذير نبعه

عند منتصف النهار وهو مستلقٍ على فراشه ينظر إلى لوحة (إصرار الذاكرة) المعلقة على الجدار بشكل يتلاءم وسريالية (سلفادور دالي)، سمع الباعة المتجولين بالخارج ينادون، بطيخ، عنب، كمثرى، ورائحة الفاكهة الطازجة تفوح من عرباتهم كما لو أنهم جاءوا ليعطروا المكان.

 نهض نحو النافذة المطلة على الشارع وصاح قائلاً: انتظروا أخذ ما تبقى له من نقود كانت مطمورة بالدرج وخرج إليهم، لا يفكر سوى في معدته والأمعاء المضطربة جراء نقص الطعام، وفي أثناء الحديث مع الباعة سمع أحدهم يقول لشخص غريب: من أنتِ؟ وماذا تريدين ؟  استغرب من هذا المشهد واقترب وفي نفسه علامة تعجب بحجم برج إيفل، وحينما وصل إليهما لاح له وجه صديقته “تولين” من بين أوراق “البارسيان” وفي الحال قال: اتركها إنها ضيفتي.

نظر إليها بإعجاب كبير كأنه يراها لأول مرة، عينان سوداوان بلون العسل القاتم، حاجبان لم يُصبهما نتفُ خطٍ كأنهما خط نون، ثغر أحمر يشبه  الكرز، شامة صغيرة في أسفل الخد الأيمن تحاكي حدائق “بول كلي” الشمالية، كان مظهرها طبيعيٌّ جداً وبشكل يدعو إلى الدهشة، حتى ملابس الفلاحة التي ترتديها – رغم خشونتها وسوء حالها – زادتها رونقاً وحيوية، وبعدما طال النظر فيها طويلاً صاحت في وجهه قائلة: لماذا تنظر إلىَّ هكذا! هيا نذهب إلى مكان ما.. منذ يومين وأنا أبحث عنك..

أخذها  من ساعدها ودخل المنزل الذي كان به غبار وأوساخ عالقة على جدرانه في كل مكان، وما أن رأت  تولين صالون الضيوف المحفور من أثر الجلوس حتى ارتمت عليه ونامت في الحال.

بعد دقائق  وهو جالس على الأريكة الخضراء يتأمل في جسمها النحيف، قرر أن يشتري لها ملابس نسائية وعطوراً وغيرها من المستلزمات، راح يبحث عن نقوده في جيبه، وفي الدرج، وفي أماكن أخرى بالمنزل كان في العادة يضع فيها نقوده، لكنه لم يجد شيئاً، يبدو أنها سقطت منه في عربة الباعة أو بالشارع، ثم تذكر كيس الفاكهة، فخرج مسرعاً نحو الشارع، فلم يجد  سوى بعض النفايات المهملة وإطارات قديمة صدئة وكلب مشرد يقبع تحت شجرة، صرخ بصوت عالِ: تباً للحظ السيء.. أصعب لحظات الحياة، نفذ المال، نفذ الطعام، وضيف عزيز ينتظر.. أوه!! ماذا أفعل؟ هب بسرعة نحو صديقه الودود “عمر” الذي كان يملك إلى جانب سيارة فارهة سوقاً كبيراً للملابس التجارية المستوردة، وفي طريقه قابل شاباً يريد منه مالاً لقاء خدمة ما، ومباشرة بدون أن ينطق بكلمة واحدة، أخرج الغلام من جيبه ظرفاً به نقود، وقال له: اعذرني يا صديقي على التأخير، لقد مرت علينا أنا وأسرتي أيام صعبة جداً.

قاطع الشاب قائلاً: لا عليك يا صديقي أنت زبوني الخاص.. شكراً لك لقد أتى المال في وقته المناسب، وهنا تنفس الصعداء وحمد الله كثيراً، وقال في نفسه: لا بد أن اذهب إلى “عمر” ليساعدني في شراء ملابس نسائية راقية لصديقتي “تولين”! تولين التي وعدتها بمستقبل أكثر إشراقاً.

ركب في عربة أجرة، وأخذ يفكر بمظهر “تولين” وهي ترتدي ملابس نسائية وشعرها متدلي خلفها كأنها “السيدة دالاواي” في رواية لفرجينيا وولف، وما أن وصل إلى الشارع حتى رأى صديقه “عمر” يقف بجانب مدخل السوق وأمامه سيارته الفاخرة كأنه يهم للمغادرة.. وبسرعة لا تخلو من البداهة  نزل من عربة الأجرة واتجه صوب عمر وقال له – وقد أتى من جهة اليمين –  كيف حالك يا صديقي “الخاسر”.

اشترى كل ما يلزمه وودع صديقه وركب سيارة أجره في وقت قياسي جداً، وما أن وصل إلى منزله وفتح الباب حتى رأى “تولين” جالسة على الصالون وفي يديها رواية “الأب غوريو” لبلزاك، قال لها بعد أن تنحنح أنا آسف على التأخير

أجابت: لا عليك

هل قرأتِ من قبل شيئاً لبلزاك؟

بالطبع لا! قرأت أعمال  دو ساد وأسكار وايلد وألبيرتو مورافيا وبعض أعمال المخنثين.. هذه المرة الأولى التي اقرأ فيها رواية لشيخ مصلح يحث على الأخلاق كما لو أنه في عصر “أوغسطينوس”.

 قهقه قائلاً: نعم بلزاك يُعد من أشهر الروائيين الذين كانوا يوظفون الأدب، وقد اعتبره بعض النقاد مؤسس الواقعية الغربية في الأدب الأوروبي، لكن في فرنسا ظهرت جماعة تتهمه بأنه لم يكن ضد الملكية كما يدعي في أعماله التي أنتقد فيها…

 قاطعته بوقاحة: أشعر بالجوع!

أكلا وجبة جاهزة عبارة عن دجاجة مشويه وبطاطس مقلية على شكل مكعبات، وبعد أن شربا “الكولا” الباردة، أخذ كلٌّ منهما ينظر إلى الأخر في هدوءٍ تام.

______________________________

• مدير تحرير مجلة رؤى

مقالات ذات علاقة

العـيش مع الذكريـات

رجب الشلطامي

الـغـابـة

المشرف العام

الغـرفة الحمـراء

نورا إبراهيم

اترك تعليق