المقالة

تمييز القصص الإيجابي «1 من 2»

القصصُ الشعبى إفرازٌ لمعضلاتٍ اجتماعية عديدة شغلت تفكير الشعوب بمختلف أجناسهم فشحنوا نتاجهم الحكائى بما يأملون فى الإبقاء عليه من عادات وتقاليد متوارثة، وأنماط سلوك وحياة تقاسمها عُنصرا المجتمع الرجل والمرأة وبحسب الوعى الجمعى آنذاك، فى ما اعتبروهُ صمام أمان يقيهم أى سلوك غير مرغوب فيه ويحفظ عقدهم الاجتماعى من أى تصدع، لكن ذلك لم يمنع من أن تنحو بعض القصص منحى التمرد على الصورة النمطية بانتقادها وتعريتها، وإعمال وإعادة النظر فيها، فالتجربة المعيشة لها فعلها وتأثيرها مع مرور الزمن، والذى استوعبه فى متنه عموم المنتج الشعبى (شعرا، وأحجية، ونادرة، ومثلا شعبيا، وسيرة…) وفى خصوصية القصص الشعبى أيضا ما قادته الروايات وفى ذلك أيضا ما يطرح السؤال حول أنهن يحملن أملا بتغيير واقع قد يكون مطمحهن لمستقبلٍ بناتهن، ما نحاول أن نعرض له هنا، ومن خلال الانشغال بصورة المرأة التى تظهر فى القصص الليبى مما جرى رصده وتداوله جمعا وتوثيقا ومن الشواهد الواقعية بما حملته بعض الإصدارات كما تجربة ميدانية تحققت فى بحثنا فى القصص الشعبي، كل ما سبق مصدرنا الذى سنستند إليه، وأنتج الانتباه لهذه الفرضية. 

والمفهوم الاجتماعى للتمييز الإيجابى للمرأة (والذى له جذوره فى ثقافتنا قبل أن يظهر فى إعلان جون كنيدى 1961) بما يعنى منحها حقوقا مسلوبة وهبت للطرف الآخر وحُجبت عنها، وسنقارب نماذج لذلك: حقها فى حرية الرأى والتعبير بل واتخاذ قرارها عند ارتباطها بالطرف الآخر، وحقها فى المعرفة وتعلم كل جديد، وحقها فى العمل أسوة بالرجل.

ففى حكاية زوجة حج، تغادر البطلة بلدها وحيدة بلا عائل (ولا محرم !) بعد أن فقدت ولدها لظلم تعرض له، وتقرر الاستقرار بالمكان الذى تراه مناسبا لها، وحين تغترب تُولد الثقة بها من قاطنى سكنها الجديد، فيبدو الاغتراب هنا مسوغا لرعاية نفسها بنفسها، وتقرير مصيرها دون وصاية من أحد، وحين تعلن عن اختيارها لزوج حسب صفات تُحددها، يتبارى الرجال لطلب رضاها، وفى حكاية شهيرة بالغرب الليبى (سبع صبايا فى قصبايا) يقوم الأب بعزل ابنته ومنع الجميع من رؤيتها – وخاصة من ترغبهُ زوجا- ! وحجزها فى قصبة من الزجاج أسكنها فيها! لكنها تتمرد على واقعها بفتح كوة فى تلك القصبة وتخرج باحثة عن من أحبت، ثائرة على الأسلوب التسلطى المتمثل فى المبالغة فى الكبت، وتضييق الخناق كونها كائنا ناقصا وقاصرا، أما بطلة حكاية البنت والأسد، فترفض الزواج من شباب الوادى بأجمعهم لأنهم لم يذودوا عن حياض بلدتهم، ولم يخرجوا لمواجهة الأسد الذى اعتدى على حرماتهم، ثم تغلب عليهم الشاب المغترب المقيم بينهم لشجاعته فى الإطاحة برأس الأسد.

وفى موقف محاربتها للتمييز الطبقى والرفض له، تحظى البطلة (الخادمة) فى حكاية «الموت أكثر من مرة» لذكائها وحكمتها ونشاطها بالزواج من السلطان، لتُعزز معنى أنه لا فرق بين سيد وعبد إلا بالتقوى والعمل الصالح، وأن أكرمكم عند الله أتقاكم، وفى مفارقة أخرى تقوم بها ذهبية بطلة حكاية تحمل اسمها برفضها الزواج من محمد، إذ إنه لا يتناسب مع قدرها وخبرتها، وتمنحه فرصة للقبول به إن جاء العام القادم لكنه ينتحر إذا مثل ذلك صدمة له، ولو قارنا الأبطال الذين يُعيرون (ابنة الخباز أو الحداد أو الحطاب) ويرفضون الزواج ممن لا تُضاهيهم حسبا وثراء لانتحرت كل صبايا القصص اللاتى تمر عليهن الخاطبة وتتركهن لأحلامهن التى لا تتحقق لأنه يتجه إلى ابنة السلطان فقط!.

وحليمة ابنة التاجر فى حكاية «حليمة وبنت النجار» ترفض إيقاع حياتها الذى لا دور لها فيه غير الأكل والنوم، ووصيفتها ابنة النجار من تفوز فى اختبارها لرفيقة اغتراب وهجرة، وهما اللتان تخوضان مغامرة تبدأ من صناعة العربة الخشبية التى ستغادران على متنها إلى ديار الله الواسعة فى احتمال لكل أهوال تلك الرحلة، وخلق حالة تعاطى معرفى مع كل جديد لهما، وإن اختباءتا رفقة الزاد والزُوادة المُقررة لرحلة طويلة، وحين تستقران أمام بيت السلطان لا تكشفان عن هويتهما، إلى أن تطمئن حليمة أن لا طمع له ولا مساومة يُوهمها فيها بإنقاذها، فقد ظلت ترصد أفعاله وتُوصى وصيفتها أيضا، لتقرر ما ستفعله، وحتى حين يستدلُ والدها إلى مستقرها، ويقرر عقابها بمسخها سحريا، تتمسك بأحقيتها فيما فعلت لأسباب تراها مصيرية!.

مقالات ذات علاقة

هل كان القذافي ضرورة؟

عمر الكدي

علاج الروح

محمد عقيلة العمامي

حروب السنوات الأربع

سالم العوكلي

اترك تعليق