المقالة

تمرد

طالما شعرتُ بالضجر كل ما أتذكر الأشياء المزعجة في حياتي ، كنت أقول لنفسي ماذا  لو كانت الحياة  كلها مرح ،، هل يمكن أن يعيش المرء بين الناس ويحظى بالسعادة ولا يجد ما يكدر ذهنه ويعكر عليه مزاجه ،  طبعا ، هذا مستحيل ، فالإنسان كما يقول ( ابن خلدون ) كائن اجتماعي بطبعه  ، وبالتالي لا يستطيع  التكيف دونما ارتباط بالعالم الخارجي ، معنى ذلك ، أنه لا يعيش بمفرده ، فهو معرضا في أي لحظة لخطر القلق والاضطراب ، وأحيانا يتعرض للقهر والإساءة من الجماعة ، لذلك نرى كثيرا من الناس يبتعدون عن المجتمع و يفضلون العزلة ، لكن هل يستطيع الفرد أن يعيش بعيدا عن الناس والمجتمع ؟ . الإجابة بالطبع ( لا ) ، سيصبح  في نظر الجميع  بلا انتماء  ككلبٍ ضال .

أحيانا ، أتذكر بأن الحياة ليست كلها سعادة ، لا بد من وجود  مخلوقات معرقلة  أو كائنات تمتهن التشويش كالذباب والخنافس الكريهة ، إذ بدونها لا يمكن تحقيق وجودنا ، أن جميع الكائنات الحية دون استثناء تخضع  لقانون أزلي يقول ( أن لكل شيء حكمة ) ، فالذباب على الرغم من إنه كائن هامشي ، يخضع أيضا وبصورة  فجة لهذه الحكمة كباقي المخلوقات ، حيث تتلخص مهمة الذباب في استكمال  الوجه المناهض لسعادة الإنسان ..  وليس من المتوقع في  هذا العالم أن نشعر بشيء دونما أن يكون هناك من يمثله ، فالناس منذ العصور التاريخية تعلم بأن ( الله ) هو من يمثل الخير ، و ( الشيطان ) أو ما ينوب عنه كان  على الدوام ، وفي جميع الأحوال هو من ينهض بفعل الشر ، كذلك الذباب ، يمكن اعتباره وفقا لهاته الرؤية ممثلا  لكل فعل تافه في الحياة  ..

إن التهور وما رافقه من طيش يعد في الحقيقة  تمرد على سلطة المجتمع ، حيث التعبير التقليدي عن الحرية الشخصية كان منذ ظهور النزعة الفردية ينظر إليه على أنه نوع من الأنانية المفرطة ، لأن الفرد وفقا لكثير من المجتمعات الإنسانية لا قيمة له ، ومصلحته يجب أن تذوب إذا تعارضت مع النظام العام الذي تفرضه المجتمعات بقوة القانون ..  ومن هذا المنظور المشحون بالتسلط والتعالي على الأفراد  ، فإني سأعمل ، ومن هذه الساعة ، على تحقيق عالمي الخاص خارج منظومة السلطة  ،  وعلى رأي ” جيل دولوز ”  لا يمكن أن يكون هنالك مجتمعات مثالية، إلا إذا كان الأفراد أحرارا ،  فحتى عندما يكون هنالك قمع في مجتمع ما ، فإن هنالك حق الأفراد في الانتفاضة والتمرد والثورة .

أكثر ما يقرفني ، صراحة ، تلك الفكرة التي تدعم الرأي المشاع في حياتنا الاجتماعية ، فالاتفاق والثوابت والإجماع وغيرها من المصطلحات ، تسعى وبشكل ساحر  إلى تخدير عقولنا وتنويمها ، ويكون تأثيرها في العادة ،  أشبه بتأثير الحشيش على عقول المدمنين ، غير أن الفرق بين ذاكرة المدمنين وذاكرتنا الجمعية ، هو أنهم على علم  بتعاطي المخدرات ، ونحن لا نعلم بأننا تحت تأثيرها   .

  كنت فيما مضى أحرص باستمرار على احترام  العادات والتقاليد  ، وفي لحظة ما ، علمتُ بأن أغلبها يتعارض و أوامر الدين ، خاصة حينما أرى الناس يدافعون عنها ويؤكدون على قدسيتها ، فلا يوجد ما يعرف بالبديهيات أو الثوابت ( كما يزعمون  ) في علم الاجتماع  الذي هو في الأساس علم الأفراد ، فالإنسان خلق حرا ، وبالتالي فهو الوحيد الذي من حقه أن يختار كيف يعيش وبالطريقة التي تعجبه ، ولا يحق  للمجتمع على وجه التحديد  أن يفرض عليه أسلوبا معينا  باسم  ( الأصول ) أو أي مسمى من المسميات التي ترمي  إلى إلغائه واخضاعه لمجتمع الأقنان ..

أعلم بأن الاختلاف يُنعت دائما بالشذوذ ، وأصحابه يتهمون بالخيانة  . لكن هذا ليس مهما ، المهم في نظري هو رفض العادات السيئة بالمجتمع ، لا من أجل فعل الرفض والفوضى  فحسب ، وإنما من أجل مكانة الفرد وتطلعاته الذاتية ، فحرية الإنسان – على قول روسو –  لا تكمن في أنه يستطيع أن يفعل ما يُريد ، بل في أنه لا يجب عليه فعل ما لا يريد ” ..

  • مدير تحرير مجلة رؤى

مقالات ذات علاقة

منطق “جولديلوكس” أو نظرية النطاق الآمن

قيس خالد

حكاية الألوان في لغة الضوء والظلام

سالم العوكلي

نقد العقل الليبي (1)

محمد النعاس

اترك تعليق