رواية تلك الليلة
النقد

تلك الليلة .. رواية للمكان

صحيفة المنبر

امجاور اغريبيل

” نقد لا يهدف إلى إصدار أحكام
يحترم إبداع الكاتب وذكاء القارئ ”

رواية تلك الليلة
رواية تلك الليلة

العلاقة هي أحدى المفاهيم الرئيسة في النقد الموضوعي، وهي علاقة مزدوجة تبادلية بين الذات والموضوع، بين الوعي والعالم، بين المبدع وعمله. والموضوع في النص هو النقطة التي يتبلور عندها الإحساس بالوجود عند الكاتب، هذا الإحساس الذي تكشفه اللحظة الأصيلة التي يفترض أن العمل الأدبي قد تولد عندها.
” تلك الليلة ” … رواية للمكان لا في المكان تحتويه ولا يحتويها تختصر اللحظة و تكثفها، تفسح مجالاً أرحب للمكان، تبني علاقتها معه، تستنفد كل خصائصه وتوظف كل معانيه وثنائياته المتناقضة لتوليد دلالاتها.
أشخاص الرواية لا أسماء لهم (الصياد، الفتاة، الأصدقاء، السفلة) المكان وحده يستحوذ على كل الاهتمام، له أسماؤه وجغرافيته ومخلوقاته، بينما الأشخاص تم حشدهم لتعميق الإحساس به.

الصياد كان شاهداً على محاولة اغتصاب لم تكتمل تتعرض لها فتاة على أيدي مجموعة من السفلة قاموا باختطافها وإحضارها من المدينة إلى الغابة. المكان كان شاهداً أيضاً، بل أكثر الشهود حضوراً وتفاعلاً مع الحدث. فرخات المطر لم تتوقف عن الهطول، والرياح كانت تصعد ثم تتكسر في مفاصل الجبل وعبر أشجار الزيتون، فيما كان صراخ السفلة يسمع وقد اختلط بعواء ذئاب الغابة في تناغم لا يخلو من الدلالة.
المكان ليس حيث نكون، بل حيث يجب أن نكون، من اللحظة الأولى للرواية شرع الصياد في تأسيس علاقة أولى مع المكان، يسترق السمع إلى همس خفيف تحدثه أوراق الشماري، وإلى خشخشة الريح في مفاصل أوراق البطوم والزيتون الذي يعود إلى مئات السنين، وفي لغة تنم عن الوعي بالذات يقول الصياد محدثاً نفسه، أنا لست مجرد شجرة في الغابة، أنا الشجرة الأكثر تفرداً فيها.
أن الوعي بالذات هو الفعل الذي تقوم عليه الرواية عبر إدراك بطلها للوجود من حوله من خلال المكان المهيمن على أحداثها وعبر المعاني التي تولدها في ذهن القارئ لزيادة إحساسه بذاته.
الغابة التي أقام الصياد علاقته معها، هي المكان الذي وعى فيه ذاته وأحس بالوجود من خلال إحساسه بكائناتها، فالخنافس التي لم تجد لها سكن في الغابة لا تكف عن البحث عن وطن لها، والأعواد اليابسة التي خيل إليه أنها خاوية وبلا اصل بدت له عنيدة غير قابلة للكسر عندما حاول اقتلاعها من جذورها، وأشجار البطوم التي صوب بندقيته نحوها لكي يصطاد طيور الحجل المختبئة فيها، بدت أمامه كأم تحتضن أطفالها في ثبات لا مثيل له.
إن الصياد الذي جاء إلى الغابة يلتمس لنفسه حياة أخرى خارج الضوضاء، بعيداً عن غابات الإسفلت والطرق المعبدة والشوارع المفعمة برائحة المازوت والمجاري، وجد نفسه شاهداً على محولة اغتصاب لفتاة من قبل مجموعة من السفلة الذين عقدوا النية على النيل من جسدها وكيانها كله. بدت الفتاة للصياد الذي وقف يشاهدها عن بعد منهارة متهالكة، تجلس تحت شجرة الزيتون التليدة، شجرة عالية تقف شاهداً على غزوات مرت وحضارات اندثرت، إن الوعي بالذات كامن في أعماق النفس، ينتظر اللحظة المناسبة للظهور. وقد كان مشهد الاغتصاب هو اللحظة التي وعي فيها الصياد ذاته،أحس بتناغم مرعب بين ما يجري داخل الخيمة وبين ما يجري في الغابة وفي الكون من حوله.
الصياد الذي اكتشف ذاته، اكتفى بأن يكون هو ذاته، لم يقم بالخطوة اللاحقة، اكتفى بمراقبة ما يحدث داخل الخيمة، اقترب من احد أكمامها تسمر في مكانه يتلصص عبر فتحة فيه.
كان صدى الوجع يتردد في جنبات صدره وهو لا يكف عن مراقبتها غير قادر على الوصول إليها. في تلك الأثناء ركضت الفتاة بعيداً عن الخيمة بعد أن تركها السفلة الذين يأسوا من النيل منها على أمل أن الليل وذئاب الغابة سوف يتكفلان بإرجاعها إليهم.
الصياد الذي وعى ذاته وأعاد اكتشافها، لم يعد يكتفي بأن يكون هو ذاته، قام بالخطوة اللاحقة، صارت ذاته تتسع لذوات الآخرين، اقترب بحذر من الفتاة، سحبها بقوة من يدها ومشى وهي تتبعه مرعوبة، شدد القبضة على أصابعها صاعداً بها إلى قمة الجبل، لم يعد السفلة قادرين على الإمساك بها، صار الآن ذئباً في الغابة.
الصياد الذي ترك المدينة فاراً بأجنحة الحلم إلى الفضاء الشاسع، كانت الغابة هي المكان الملائم لنشوء حلمه. كان لا بد للحلم كي يشكل الذات ويخلق لها وعيها من أن تكون له مادته وموضوعه.
المكان ( الغابة ) الزاخرة بالأحلام الصغيرة والكبيرة هي مادة هذا الحلم وموضوعه فالذئاب لا تكف عن الحلم بقطيع عابر على تؤدة لكي تتعقبه وتظل في أثره، حتى إذا اطمأنت إلى غفلة الراعي وانزواء الكلاب في المقدمة، شرعت في إقامة عرسها الدموي. والخنافس التي تدب بلا عنوان لا تكف عن البحث عن وطن لها. والثعالب لا تمل الانتظار على أمل أن تحظى بصيد ثمين. والغزلان تركض و لا تكف عن الركض طمعاً في حياة أبدية. وأشجار النخيل الباسقة واقفة ترنوا إلى الأفق البعيد.
المكان لا تعرفه بجغرافيته وتاريخه فقط، بل تعرفه بعبق أشجاره البرية ورائحة طينه، إن الرائحة جزء من المكان قد تغادره عند المساء لكنها تعود إليه حتماً مع ندى الصباح.
الصياد أحس بهذه الرائحة التي صعدت مع كيانه كله، فجعلته ينتشي ويزهو ويتألق ويحدث نفسه : ما أروع هذا المكان الذي يسمونه ( جرجار أمه ) وكأنه يسمع اسم هذا المكان لأول مرة.
المكان قد يكون الجنة أو الجحيم كما في رسالة الغفران لأبي علاء المعري والكوميديا الإلهية لدانتي، أو البحر والصحراء والأزقة والحواري القديمة كما في أعمال العمامي والكوني وخليفة الفاخري، وقد يكون الغابة كما في روايتنا (تلك الليلة) لأديبنا القاص عبد الرسول العريبي.
المكان في تلك الليلة تم توظيفه لخلق دلالات النص عبر إيمائية عناصره ومكوناته الني تعكس الواقع، منسجمة معه أو مختلفة، متحدة في دلالاتها أو متناقضة.
الغابة المكان المفضل لدي الرومانسيين وكل الحالمين، تعكس واقع المجتمع، فالذئب حيوانها المفترس يتماثل مع ذئب المدينة ( الإنسان ) في غدره ومكره ودمويته. والافتراس هو سلوك عدواني يمارسه ذئب الغابة حيال مخلوقاتها الضعيفة، لا يختلف عن الافتراس المعنوي (الاغتصاب ) الذي يمارسه ذئب المدينة تجاه المرأة أرق مخلوقاتها. والذئب يشبه الإنسان في طريقة قنصه وصيده، فهو يصطاد بمفرده وفي مجموعات، ويتبع فنون وأساليب كتلك التي يتبعها الإنسان، فالسفلة هم قطيع من الذئاب جمعتهم الرغبة في الافتراس، والفتاة هي ضبي شارد أو حمل وديع ظل طريقه وسط الغابة.

المكان فرض تحدياته على الصياد، والغابة صنعت منه بطلاً وفق مقاييسها. فابن المدينة الهارب إليها على أجنحة الحلم، الرافض لثقافة الإسمنت والشوارع المفعمة بروائح المازوت، تشبع بقيم الغابة ومثلها، وصار كأحد كائناتها، فيه جسارة الذئب وحذر الثعلب وثبات أشجار البطوم وعراقة الزيتونة، وتفاؤل الخنافس التي لا تعرف اليأس.
( تلك الليلة )..رواية تمت بصلة ما، وتربط بنسب ولو من بعيد إلى الرومانسية، تختفي داخل لغتها الشعرية لغة أخرى مغايرة، تصوغ وتبلور عالماً من القيم والمفاهيم. بطلها الصياد يؤمن بالقدر وبأن المرء قد يجد نفسه في خدمة الخير دون أن يعلم ودون أن تكون لديه رغبة في ذلك، يقرض الشعر ويتعاطى الكتابة، ويبحث عن قارئ واحد يفهمه. فهل كنت ذلك القارئ..؟.

مقالات ذات علاقة

الكلامُ نبيٌ أخرس .. بين ليونة النون و صلابة الألف

مفتاح العماري

جماليات بناء الحكاية والنص في رواية المولد لأمين مازن

عبدالحكيم المالكي

رواية موشومة بالموروث النسائي الليبي

إنتصار بوراوي

اترك تعليق