المقالة

تكفيك من الشعر إشاراته وإيماءاته

كل عمل شعري متميز يدل متلقيه على طرق تذوقه والتفاعل معه ، فهناك قصائد تغريك رموزها وصورها ، وهناك قصائد تشدك لغتها وإيقاعها ، وقصائد أُخَرُ تسحرك بإيحاءاتها ، ولا يغيب عن بالك أن النص الشعري الجيد يحتاج إلى قارئ واع مثقف بثقافة أدبية ولغوية وتاريخية وفنية ونقدية ، وليس إلى قارئ كلاسيكي محدود المَلّكات يهمه أن يفهم غرض القصيدة ومناسبتها والمعنى الإجمالي لكل بيت من أبياتها ، ويتسلى بالبحث عما فيها من تشبيهات واستعارات وأصباغ بديعية .

فإذا قرأتَ يوما ما قصيدة شعرية واستحسنتها وشدتك إليها ، فلا تحاول أن تترجم في ذهنك مفرداتها إلى لغة نثرية مباشرة لكي تفهمها كما تفهم أي كلام عادي ، فهذا ضرب من العبث لا مبرر له، فالنص الشعري الجيد يفقد كثيرا من جمالياته وقدرته على التأثير إذا نقل إلى لغة أخرى ، أو إلى مستوى متدنِ من نفس اللغة التي كُتب بها .

تكفيك من الشعر إشاراته وإيماءاته وتلميحاته التي يبثها إليك عبر ألفاظ وتراكيب مشحونة بتوترات وانفعالات الشاعر، ولا تكن طُلَعة لحوحا تسأل عن معنى كل كلمة وعن معنى كل تركيب وعن قصد الشاعر من هذا التصوير ومن تلك الرموز والتشبيهات ، فهذا كله لا يجدي إلا مع نص قانوني أو تاريخي أو علمي .

ليست مهمة الشاعر الحقيقي أن يعرض حقائق ويشرح قضايا سياسية أو اجتماعية أو فلسفية أو فكرية أو دينية ، فهذه مهمة الفلاسفة والمفكرين ورجال الإعلام والدين ، ولا تنسَ أن الشعر فن ، وليس للفن سوى وظيفة واحدة هي الإمتاع الفني ، فأنت حين تقرأ مثلا أبيات الصمة بن عبد الله القشيري التي يقول فيها :
قِفا ودِّعا نجداً ومَنْ حَـلَّ بالـحِمَى …. وقَـلَّ لنـجـدٍ عنـدنا أنْ يُـودَّعَـا
بنفسيَ تلك الأرضَ ما أطيـبَ الرُّبا…. وما أجمـلَ المصطافَ والمُتـربَّعـا
وليسـتْ عشياتُ الحِمَـى برواجـعٍ ….إليـكَ ولكـنْ خَـلِّ عَينيـْكَ تدمَـعا

لا بد أن تمتعك هذه الأبيات بأناقتها اللفظية وبإيقاعها الانسيابي الذي يشفُّ عن وجع الشاعر وحزنه على فراق أرض نجد ومصطافها ومتربعها وعشيات الحمى فيها ، وإزاء هذا ستجد نفسك تتماهى مع الشاعر في وجعه وأحزانه ، وستكتشف بعدئذ أن أبياته الأنيقة لم تشدك إليها إلا بما باحت به إليك من مشاعر نبيلة .
وكذلك ستستمتع بالروحانية التي تشع من هذين البيتين :
حسْبُ نفسي عزا بأنيَ عبدُ …. يحتفي بي بلا مواعيدَ ربُّ
هو في قدسهِ الأعزُّ ولكـن …. أنا ألقى متى وأيـن أحبُّ

لا بد أن يأسرك هذا المؤمن الذي يفتخر بعبوديته لربه ، فهو لا يحس بذل العبودية ، لأنه يستطيع أن يلاقي ربه في أي وقت ومكان يريد، ويستطيع أن يقول له ما يريد ، بعكس لو كان عبدا لسيد من الناس ، فإنه سيلقى منه عنتاً لكي يقابله ، فالسيد هو من يحدد زمان ومكان اللقاء ، ويحدد له موضوع اللقاء ونهايته ، وهكذا تجد نفسك وأنت تقرأ البيتين في مناخ روحاني ممتع ، ينقلك إلى عالم الصوفيين والربانيين.

مقالات ذات علاقة

في ذمّ النبأ.. في مديح النبوءة!

إبراهيم الكوني

أين ليبيا التي عرفت؟ (38)

المشرف العام

بين دون كيشوت وميكافيللي

المشرف العام

اترك تعليق