من أعمال الفنان التشكيلي عادل جربوع
قصة

تفاصيل حوادث عابرة غير ذات أهمية على الاطلاق

(عن العودة إلى أول السطر.. !!)

 Adel_Jarbo3_01

(1)

كان يحدق في خارطة صغيرة السّن مفتوحة أمامه للقارة العجوز، وفجأة عنت له فكرة، فخربشها مسرعا في كرّاس مذاكراته المفتوح على يساره كما لو كان يرعبه النسيان:

“عائلتي كانت قد انقرضت قبل الحرب الأخيرة، ليس بفعل كارثة طبيعية أو أي تعدّ بشري على حقهم في الحياة، ولكن الزمن والتاريخ معا ـ كما لو في مؤامرة إمبريالية مشتركة ـ شرعا يبتلعانهم واحدة وراء الآخر، وواحدا بعد الأخرى، العجوز المسكينة كانت آخرهم، بعد أن امتد بها العمر حتى شهدت حربين عالميتين واسعتي النطاق، وعددا من الحروب الأهلية الجانبية الضيقة الحزام، وقد كانت آخر شيء يربطني بذلك المكان..”.

قرصته بعوضة ما في كتفه وساقه قبل أن ينتهي من كتابة فكرته، شعر بالضيق والانزعاج وبشيء من الغضب، ولم يلبث أن غطي ظل كبير أوربا من أقصى شمالها حتى جنوبها المصاب بعسر هضم اقتصادي ونزيف في الذاكرة، وماهي إلا ربع هنيهة، حتى غرقت لندن في الدم.

أخذ منديل ورق من علبة أمامه على الطاولة ومسح دم البعوضة التي قتلها لتوه بكفه. كان قد نشر أمامه الخارطة ليدرس الطرق التي يزمع أن يسلكها مع المهرب في رحلته القادمة، كان الجوء حارا وخانقا، فحطت بعوضة على النقطة الرمادية التي تمثل لندن بالضبط، فأهوى عليها بكفه التي حجبت نور المصباح، ونشرت ظلا مرعبا على الخريطة في اللحظة التي سبقت اغتيال البعوضة التي انتقمت منه فور موتها بإغراق مستقبله الافتراضي في دمها. لا حظ أن باريس تمثلها نقطة زرقاء، وبرشلونة تمثلها نقطة حمراء على الخريطة، ولكنه عجز عن تصور السبب في اختلاف الألوان، ولماذا اختفت أثينا تماما من الخريطة.. ؟! آآآه.. !! ربما بسبب الأزمة الاقتصادية والفشل الكلوي الحاد.

(2)

مسح الخريطة من الدم (بعضه من دمه) وطواها بتأن لأنه لم يكن مستعجلا على شيء، ثم وضعها فوق رف على يمينه، حيث أفقدته تلك البعوضة أية رغبة في مواصلة التحديق في خريطته الدموية تلك، وجعلته يشعر بنوع من التشاؤم.

لماذا الدم في لندن بالذات.. بعد أن دفع للمهرب الذي وعده بأن ينزله بأمان في مركز البيكاديللي عدة الآف يورو نظيفة لامعة غير منقوصة القيمة الشرائية ولا الرشوية، أي ليس من بينها يورو واحد غير معترف به من قبل الهيئات الدولية للتهريب والتزوير.

تذكر البرازيلي الذي بدون أوراق، والذي قتله شرطي أو شرطية مجهولة الهوية من البوليس البريطاني، وتذكر الشرطية البريطانية التي قتلها موسا كوسا وفرقته. يذكـّره احيانا بجايمس لاست وفرقته (James Last and his Orchestra) التي كان يحب الاستماع إلى ما تعزفه من مقطوعات من مسجل سيارته التي باعها لكي يدفع للمهرب.. لعله من الأفضل عدم الذهاب الآن.. إذ ما الذي يضمن عدم وجود كوسا آخر في ميدان السان جايمس.. هذا الميدان يشبه الطنجرة.. طبخ فيه إل جانب الكوسة عدد آخر من البقول المسمومة.. !!

ـ لعله من الأفضل.. آآآه من الأفضل..

ثقل جفناه.. ولم يلبث أن اختفى عن ذاته الواعية التي كانت قد تورمت بعض الشيء مؤخرا، بسبب ما تعرضت له من كدمات يمكن أن تقتل فيلا متوسط الحجم.

(3)

لم يطل الأمر كثيرا، حتى ظهر له الحاكم بأمر الله إبن العزيز بالله إبن الواثق بالإثنين

(من تحت أهداب جفنيه المسدلين)، ونصحه بالبقاء على قائمة الانتظار في (آي فالي) على سواحل آسيا الصغرى ـ مثل بقية المهجّرين واللاجئين ـ وقال له فيما يشبه الكابوس:

ـ ولدتك أمك بدون أوراق وستبقى بدون أوراق أبد الدهر.. هذا مكتوب على جبينك، وأستطيع أن أقرأه لك الآن.. وباللغة التي تريد، بما في ذلك الصينية الكانتونية. فطلب منه أن يصدر فرمانا مقدسا خاصا يُمنح بموجبه جواز سفر فاطميا، فقال له بأن دائرة الجوازات مغلقة في الفسطاط بسبب العجز في الميزانية، ولأن نفقات الدولة قد تجاوزت عشرات المرات دخلها القومي الصافي، ولذا فإنه يفكر في البحث عن مستعمرات جديدة لكي يفرض على ساكنتها ما يستطيع من ضرائب وجزية وخراج حتى يغطي العجز في ميزانية الدولة، وقال له أيضا أن جوازات السفر مكلفة، ومن الأفضل له البقاء دون جواز سفر، ودون زواج أيضا. لأن الزواج أكثر كلفة من الجواز بكثير، ثم أن هناك الأطفال والتاشيرات ومصحات الولادة وبوابات الحدود.. هووووه.. !! افهمني.. حليب بودره ومهربون وحفاظات وطبيب عند الساعة الرابعة صباحا في ليالي الشتاء الممطرة..الخ الخ الخ.

ـ كارثة.. حبيبي.. كارثة.. هاها ها.. وجعل يكررها حتى شعر بأن دملة قد بدأت تتشكل في مؤخرة جمجمته.. وأن خراجها قد بدأ ينداح متخثرا على الشاطئ الممتد أمامه بلا نهاية..!!

غير أن الحاكم بأمر الله وعده خيرا قبل أن ينصرف من كابوسه، حيث قال له بأنه في حال كثرت عليه الكوارث، يعني العيال، فإنه سوف يدخلهم عسكر السلطان، عن طريق برنامج جديد للتجنيد الاجباري تتم دراسته الآن من قبل لجنة يرأسها العقيد علي بابا، ونائباه المقدم الحسن البصري الذي درس بالأكاديمية الانكشارية في الكرخ ببغداد، والمقدم على الزيبق المتخرج من ساندهيرست من أعمال بلاد الروم السكسون، وأنه سوف يتم تخليصه من مصاريفهم تماما بإرسالهم لمحاربة ياجوج وماجوج في منطقة ما دون الصحراء، فيتخلص منهم ومن مصاريفهم دفعة واحدة، ودفع إليه بفرمان يؤيد ما قاله له للتو، محذرا إياه بأنه سوف يفرم كل من يعترض على فرماناته مثلما هو معروف منذ أمد غير معروف.

(4)

في ذلك الزمن، كان ياجوج وماجوج يلعقون السور الحديدي الذي بناه ذو القرنين بألسنتهم ـ حسب ما يقول المرجع العظيم ابن إياس ـ حتى تتثلــّم السنتهم وتتقيح أكبادهم، لأن ذا القرنين صنعه من حديد المبارد الحاد، وصب عليه الزرنيخ وروح الكبريت والـ (يد2 كب أ4)، حتى لا تكبر فكرة الخروج في رؤوس هؤلاء الياجوج والماجوج، فيطمحون إلى نشر باعتهم المتجولين من باتاغونيا وتيرّا دل فويغو وحتى غرفة نوم الامبراطور بطوكيو. والذي عنّ له أن باستطاعته أن يمسك بمطلق خيوط اللعبة بيديه الاثنتين، ولم يقل له أيّ من مستشاريه العبيد من انكشاريين وساموراي، بأن الخيوط هي في واقع الأمر لا متناهية العدد، ولا تكفي يدان اثنتان أو أكثر من ذلك للامساك بها، حتى لو كنت تجيد الكتابة بالـ (كيبو) التي كان الانكا يفتلونها على الخيوط بأصابعهم، فوقع في الحفرة التي حفرها بأظافره، واختفى طويلا إلى أن وُجد متسربا مع المجاري قرب سرتابوليس على جبال الأنديز، ثم حدث له ما حدث مما يعرفه الجميع، ولا داعي لإعادة الكلام فيه، لأن ذلك مجرد فائض قيح.. أو لنقل فائض قيمة كلامية زائدة لا فائدة من ورائها.

(5)

اشعلت شمس متآمرة النار في الأفق الغربي، فشاهد من نافذته المعتمة الزجاج، الناس وهم يتمرغون في رماد ماء البحر المحترق، يجففون اجسادهم من الرماد، يشعلون ثورة في أرض لا تتقبل الثورات الحقيقية بسهولة، فغمره شعور أشبه بشعور المحامي الذي يجري نحو السجن حاملا دليل براءة موكله المحكوم بالاعدام، ولكنه عندما يصل يراه وقد تأرجح من حبل المشنقة.

صحيح.. !! كيف يمكن أن يحرق أحد ما الـ (يد2أ) ويحوله إلى رماد مثل باقي الأخشاب.. وهو ليس بخشب ولا بفحم حجري.. !!

أن ذلك على جانب كبير من الغرابة، جانبها الأيمن أو الأيسر لا يهم، لأن المسألة تشبه ظهور الدابة، وشروق الشمس من الغرب، ثم غروبها في الشرق، وانضمام الصخور للعمل في المخابرات العسكرية بدون مرتب، لتدل المؤمنين على من يختفى وراءها من اعدائهم من غير المؤمنين.

نهاية العالم.. ؟!!

آرماجيدون.. ؟!!

أم.. ماذا.. ؟!

ربما الجواب في نهاية المطاف.. هو (ماذا) حاف.. بداية طريق العودة إلى السطر الأول..!!

مقالات ذات علاقة

لحظة عابرة…

أحمد يوسف عقيلة

الجــمل الفـــضي

عبدالله هارون

عـرس الأزهـار

أحمد نصر

اترك تعليق